منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

حرية التعبير رهينة التشريع.. كيف تحوّل الإصلاح إلى ورقة ابتزاز سياسي في لبنان؟

30 مايو 2026
قلق حقوقي من أوضاع حرية التعبير في لبنان
قلق حقوقي من أوضاع حرية التعبير في لبنان

بحلول منتصف العام الجاري 2026، لا يزال لبنان الذي طالما وُصف بـ”جمهورية الكلمة” مكبلاً بقيود تشريعية قديمة تعود إلى ستينيات القرن الماضي، في مفارقة حقوقية تكشف اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي وواقع حرية الصحافة.

ورغم الآمال التي رافقت إنجاز لجنة الإدارة والعدل في فبراير 2026 مسودة قانون إعلام جديدة بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، عاد المشروع سريعاً إلى دوامة التعطيل السياسي، بعدما أُعيد إلى اللجان الفرعية وسط اتهامات لقوى سياسية بالسعي إلى إفراغه من أبرز بنوده الإصلاحية.

وشهد شهرا مارس وأبريل 2026 تصاعداً فيما وصفه حقوقيون بـ”الكمين التشريعي”، بعد تقديم اقتراحات قوانين قديمة تعود صياغتها إلى عام 2010، ما دفع اللجان المشتركة في 23 أبريل 2026 إلى إعادة الملف إلى لجنة فرعية برئاسة النائب إلياس بو صعب.

وترى منظمات حقوقية، بينها مؤسسة مهارات، أن هذه الخطوة هدفت إلى تعطيل إقرار بنود أساسية، أبرزها إلغاء محكمة المطبوعات واستبدالها بمحكمة مدنية متخصصة، إضافة إلى الحد من صلاحيات الأجهزة الأمنية في ملاحقة الصحفيين.

وتشير معطيات الرصد البرلماني لعام 2025 إلى أن لجنة الإدارة والعدل عقدت أكثر من 19 جلسة لمناقشة مواد القدح والذم وقضايا حرية النشر، قبل أن يتوقف المسار التشريعي مجدداً تحت شعار “الحاجة إلى مزيد من النقاش”، وهي عبارة يعدها مراقبون مرادفة لتجميد القوانين الحساسة داخل النظام السياسي اللبناني.

ضغوط قضائية متزايدة

وفي موازاة التعثر التشريعي، واصل الصحفيون مواجهة ضغوط قضائية متزايدة، فبحسب بيانات مركز سكايز التابع لـمؤسسة سمير قصير خلال الربع الأول من عام 2026، ارتفعت الملاحقات القضائية بحق الصحفيين والنشطاء بنسبة 12% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، مع تركز الاتهامات في قضايا “تحقير المقامات” و”إثارة النعرات”.

كما كشفت إحصاءات اتحاد الصحفيين والصحفيات في لبنان الصادرة في مايو 2026 أن ما لا يقل عن 45 إعلامياً خضعوا للتحقيق أو المحاكمة خلال عام 2025 بموجب قانون العقوبات العام، وليس قانون المطبوعات، ما أبقى خطر الحبس الاحتياطي قائماً في قضايا النشر.

وترى جهات حقوقية، منها المفكرة القانونية، أن استمرار العمل بالنصوص الجزائية الحالية يسمح باستخدام القضاء أداة للضغط السياسي، خاصة في القضايا المرتبطة بالفساد أو انتقاد السلطة، في ظل غياب نص قانوني واضح يمنع توقيف الصحفيين بسبب آرائهم أو أعمالهم الصحفية.

وعلى المستوى الدولي، أظهر تقرير مراسلون بلا حدود الصادر في أبريل 2026 تقدّم لبنان من المرتبة 132 عام 2025 إلى المرتبة 115 عالمياً في مؤشر حرية الصحافة.

لكن باحثين في وزارة الإعلام اللبنانية اعتبروا أن هذا التقدم يبقى “تقنياً” ولا يعكس تحسناً حقيقياً في البيئة الإعلامية، بل يرتبط بتراجع أوضاع دول أخرى أكثر مما يعكس إصلاحات داخلية فعلية.

العمل في ظل فراغ قانوني

في القطاع الرقمي، لا تزال المنصات الإعلامية الإلكترونية تعمل ضمن فراغ قانوني واضح، إذ تحرم من الضمانات المهنية التي تتمتع بها المؤسسات التقليدية، في حين تخضع في الوقت نفسه لعقوبات جزائية مشددة.

وتوضح دراسة صادرة عن مؤسسة مهارات عام 2026 أن نحو 65% من المحتوى الإعلامي المؤثر في لبنان أصبح يُنتج عبر المنصات الرقمية، في وقت لا تزال القوانين اللبنانية عاجزة عن حماية سرية مصادر الصحفيين العاملين في الإعلام الإلكتروني.

ويرى مراقبون أن جوهر الأزمة يتجاوز النصوص القانونية ليصل إلى طبيعة النظام السياسي القائم على المحاصصة والنفوذ الحزبي، خصوصاً مع الخلاف حول تشكيل “الهيئة الوطنية المستقلة للإعلام”.

فبينما تدعو منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة ومنظمات الحريات إلى ضمان استقلالية الهيئة مالياً وإدارياً، تسعى قوى سياسية إلى ربط آلية تعيين أعضائها بالحكومة، ما يهدد بتحويلها إلى هيئة خاضعة للتوازنات السياسية نفسها.

ويؤكد ناشطون وإعلاميون أن إقرار قانون إعلام عصري قبل نهاية عام 2026 بات ضرورة ملحّة، ليس فقط لحماية الصحفيين، بل أيضاً لضمان استمرار الدعم الدولي المخصص لإصلاح القطاع الإعلامي، في ظل مخاوف متزايدة من أن يؤدي استمرار التعطيل إلى تكريس مناخ الإفلات من العقاب وتوسيع القيود على حرية التعبير.

حرية التعبير في لبنان

أشار محمود الحنفي، أستاذ القانون الدولي الإنساني ومدير المؤسسة الفلسطينية لحقوق الإنسان، إلى أن إقرار القوانين في لبنان، ومنها القوانين المرتبطة بالإعلام، لا يرتبط في جوهره بالاعتبارات القانونية أو التقنية بقدر ما يخضع للإرادة السياسية، مؤكداً أن المشهد التشريعي اللبناني محكوم بتوازنات معقدة تجعل من أي إصلاح مساراً شاقاً ومؤجلاً في كثير من الأحيان.

وأوضح الحنفي في تصريحات خاصة لـ”صفر”، أن لبنان يعيش مفارقة لافتة يمكن تلخيصها بعبارة “كثير من الحرية وقليل من الديمقراطية”، لافتاً إلى أن القوانين والتشريعات وحتى القرارات الإدارية تتقاطع بشكل دائم مع الاعتبارات السياسية والطائفية، وهو ما يحدّ من فعالية أي نص قانوني مهما بدا متقدماً على الورق، مؤكداً أن معيار الإصلاح الحقيقي لا يقاس فقط بمدى تطور النصوص، بل بمدى استعداد السلطة السياسية لتقبل إعلام مستقل يمتلك القدرة على الرقابة والمساءلة.

وفيما يتعلق بواقع الحريات الإعلامية، أشار الحنفي إلى أن لبنان شهد بالفعل ملاحقات طالت صحفيين على خلفية السجالات السياسية الحادة، مؤكداً أن استمرار هذه الملاحقات يخلق مناخاً من القلق داخل الوسط الإعلامي.

ونبّه إلى أن الخطر لا يقتصر على الإجراءات القضائية بحد ذاتها، بل يمتد إلى تكريس ظاهرة الرقابة الذاتية، حيث يشعر الصحفيون بأنهم مهددون بالدعاوى والضغوط حتى قبل صدور أي حكم قضائي.

وأضاف أن هذا المناخ يدفع العديد من المؤسسات الإعلامية والصحفيين إلى تجنب تناول القضايا الحساسة، الأمر الذي ينعكس سلباً على الدور الرقابي للإعلام، ويقوّض حق الجمهور في الوصول إلى المعلومات.

وأكد أن هذا الحق مكفول بموجب المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تضمن حرية التعبير وتداول المعلومات دون قيود، معتبراً أن أي مساس بهذا الحق يشكل تراجعاً عن المعايير الدولية.

ونبه الحنفي إلى أن من أبرز الإشكاليات القانونية التي تُستخدم أداة ضغط على الإعلاميين تكمن في غموض بعض النصوص، ولا سيما تلك المتعلقة بالقدح والذم، موضحاً أن هذه المصطلحات، بحكم مرونتها واتساع تفسيرها، قد تُستخدم لتجريم التعبير المشروع، حيث يمكن تأويلها على أنها مساس بهيبة الدولة أو إثارة للنعرات، حتى في حالات النقد الموضوعي.

وأكد أن ضبط هذه المصطلحات يمثل ضرورة ملحة، مشيراً إلى أن توسيع مفهوم القدح والذم بشكل مفرط يفتح الباب أمام تقييد الحريات بدل تنظيمها، مشدداً على أهمية مراعاة الخصوصية اللبنانية، حيث إن الحساسية الطائفية والتاريخية تجعل من خطاب الكراهية أو التحريض مسألة خطيرة قد تؤدي إلى توترات حقيقية، وهو ما يتطلب توازناً دقيقاً بين حماية الحرية ومنع الانزلاق نحو الفتنة.

وأشار الحنفي إلى أن التوازنات السياسية والطائفية لا تقتصر على القوانين الكبرى، بل تمتد إلى أدق تفاصيل العمل الإداري، ما يجعل أي تعديل تشريعي خاضعاً لحسابات الربح والخسارة بين القوى المختلفة، مؤكداً أن هذا الواقع يؤدي غالباً إلى دخول مشاريع القوانين في دوامة من التأجيل وإعادة الصياغة، سواء في اللجان النيابية أو خلال النقاشات العامة، ما يعطل إقرارها لفترات طويلة.

وفي هذا الإطار، نبه إلى أن تعطيل القوانين المنظمة للعمل الإعلامي يخلّف آثاراً اجتماعية وحقوقية واضحة، أبرزها حالة الضبابية القانونية، موضحاً أن غياب نصوص واضحة وحاسمة في مجتمع شديد الحساسية والتعقيد يضعف الثقة بالإطار القانوني، ويجعل حدود حرية التعبير غير محددة بدقة، ما يفتح المجال أمام الاجتهادات المتناقضة.

وأكد الحنفي أن وجود إعلام حر ومهني لم يعد ترفاً، بل ضرورة أساسية لاستقرار الدولة وتعزيز الشفافية، مشدداً على أن غياب تشريعات واضحة يضر ليس فقط الصحفيين، بل أيضاً قدرة المجتمع على ممارسة الرقابة على السلطة، لافتاً إلى أن الإعلام، عندما يعمل ضمن بيئة قانونية سليمة، يسهم في النقد البناء وتصحيح المسار السياسي والإداري.

وفي ختام تصريحه، شدد الحنفي على ضرورة إيجاد توازن دقيق بين حرية التعبير والمسؤولية، مؤكداً أن على المشرّع اللبناني أن يحافظ على “الخيط الرفيع” الذي يفصل بين النقد المشروع والتشهير أو التحريض، موضحاً أن حماية هذا التوازن هي الضمانة الحقيقية لبقاء لبنان منبراً للحرية والكلمة الحرة، لا ساحة للفوضى الإعلامية أو الخطاب التحريضي.

وأكد أن الحفاظ على هذا الدور يتطلب تمكين الصحفيين من العمل بحرية ضمن أطر مهنية منضبطة، بعيداً عن الضغوط السياسية والتفسيرات الفضفاضة للقوانين، ما يضمن استمرار لبنان بوصفه مساحة للتعبير العقلاني المسؤول، لا مجرد ساحة لصراعات إعلامية تؤجج الانقسامات بدل معالجتها.

بين قبضة القضاء وحق التعبير

من بيروت أشار المحلل السياسي اللبناني د. ميشال الشماعي، إلى أن الانقسام العمودي الحاد في لبنان لا يزال، حتى اللحظة، يشكّل المعوق الأساسي أمام إقرار القوانين المرتبطة بالحريات العامة، مؤكداً أن هذا الانقسام يعطّل أي مسار إصلاحي جدي في هذا المجال، ويُبقي البلاد رهينة توازنات سياسية دقيقة تحول دون تحديث البنية القانونية بما ينسجم مع المعايير الديمقراطية.

وأوضح الشماعي في تصريحات خاصة لـ”صفر” أن فريق “حزب الله” لا يزال ينظر بعين الريبة إلى أي توسيع لهامش الحريات، لافتاً إلى أن هذا الفريق يعد اتساع مساحة الحرية سيؤدي تدريجياً إلى تحرر بيئته الشعبية من قبضته السياسية والتنظيمية، وهو ما يدفعه، بحسب تعبيره، إلى وضع العراقيل أمام القوانين التي من شأنها تعزيز حرية التعبير وتحصينها، ونبّه إلى أن هذا السلوك ينعكس سلباً على الحياة الديمقراطية ويحدّ من قدرة المجتمع على التطور السياسي الطبيعي.

وأكد الشماعي أن استمرار تعطيل هذه القوانين ينذر بمزيد من الملاحقات القضائية والاعتقالات التي وصفها بـ”الجائرة”، خاصة في حال الاستمرار في استخدام المحكمة العسكرية لمحاكمة مدنيين، كما حصل في مراحل سابقة. واعتبر أن هذا المسار يشكل خطراً مباشراً على حرية الإعلام والعمل الصحفي، ويعيد إنتاج مناخات الترهيب التي عرفها لبنان في فترات سابقة.

وأشار إلى أن الحل يكمن في تفعيل دور المجتمع المدني بكافة مكوناته، من إعلاميين ومحامين وكتّاب وباحثين، والعمل بشكل جماعي للضغط من أجل تطبيق الدستور اللبناني، ولا سيما المادة 13 التي تكفل حرية الرأي والتعبير ضمن إطار القانون، كما شدد على ضرورة الالتزام بالمادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تضمن لكل فرد الحق في التعبير عن آرائه بحرية، وتلقي المعلومات ونقلها دون قيود.

وأضاف الشماعي أن تحقيق هذه الأهداف يبقى مرهوناً بمدى قدرة القوى السياسية اللبنانية على ترجمة التزاماتها إلى خطوات عملية، مشيراً إلى أن الإرادة السياسية لحماية حرية التعبير لا تزال ضعيفة للغاية، لافتاً إلى أن المفارقة تكمن في أن لبنان، رغم ما يتمتع به من هامش حرية مقارنة بدول أخرى في المنطقة، يشهد في الوقت نفسه محاولات مستمرة لتقويض هذه الحرية عبر أدوات قانونية وأمنية.

وفيما يتعلق بالمنظومة القضائية، نبه الشماعي إلى خطورة استمرار اعتماد المحكمة العسكرية للنظر في قضايا تتعلق بحرية التعبير، معتبراً أن هذا الأمر يشكل خرقاً واضحاً للقانون اللبناني الذي يحدد اختصاص محكمة المطبوعات في ملاحقة الصحفيين والإعلاميين.

وأكد أن هذه المحكمة العسكرية التي توسعت صلاحياتها خلال فترة الوصاية السورية، استُخدمت بوصفها أداة لترهيب المعارضين، ولا تزال حتى اليوم تعمل ضمن الإطار القانوني نفسه، ما يستدعي إما إلغاءها أو حصر صلاحياتها بالعسكريين فقط.

وأشار إلى أن إصلاح هذا الخلل القضائي يمثل خطوة أساسية نحو بناء دولة القانون، حيث لا يمكن الحديث عن حرية تعبير حقيقية في ظل وجود محاكم استثنائية تُستخدم لمحاسبة أصحاب الرأي، مشدداً على ضرورة إعادة الاعتبار لمحكمة المطبوعات باعتبارها المرجع القضائي الطبيعي لقضايا النشر والإعلام.

وأكد الشماعي أن الضغط الدولي يلعب دوراً محورياً في حماية الحريات، داعياً إلى تكثيف التواصل مع المنظمات الحقوقية العالمية وتسليط الضوء على أي انتهاكات؛ لأن “زمن الصمت قد انتهى”، على حد تعبيره، مضيفاً أن العالم اليوم يعيش في عصر الانفتاح، ولم يعد يقبل بممارسات القمع التي كانت سائدة في مراحل سابقة.

وختم الشماعي تصريحه بتأكيد أن الصحفيين في لبنان اعتادوا العمل في ظروف صعبة، وأن الملاحقات القضائية، رغم ما تسببه من قلق وعدم استقرار مهني، لن تثنيهم عن أداء رسالتهم، واستحضر في هذا السياق تضحيات عدد من الصحفيين الذين دفعوا حياتهم ثمناً لكلمتهم، مشيراً إلى أن هذه التضحيات تشكل دافعاً إضافياً للاستمرار في الدفاع عن حرية التعبير، مهما كانت التحديات.

وأكد أن المعركة من أجل الحرية في لبنان ليست مجرد معركة قانونية، بل هي معركة وعي وإرادة، تتطلب تضافر جهود جميع الأطراف للحفاظ على ما تبقى من هوامش الحرية، والعمل على توسيعها بما يليق بتاريخ لبنان ودوره الثقافي والإعلامي في المنطقة.