منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

حرائق كندا.. هل أصبحت الكوارث المناخية تهديداً حقوقياً عابراً للحدود؟

25 يوليو 2026
حرائق الغابات في كندا
حرائق الغابات في كندا

لم تعد حرائق الغابات في كندا مجرد كارثة بيئية أو موسم استثنائي تلتهم فيه النيران ملايين الهكتارات من الأشجار، بل تحولت إلى أزمة حقوق إنسان تفرض أسئلة جديدة على المجتمع الدولي بشأن مسؤولية الدول في مواجهة آثار التغير المناخي، خصوصاً في ظل امتداد الدخان إلى آلاف الكيلومترات خارج الحدود الكندية، وإجلاء عشرات الآلاف من السكان، وتحول الكوارث المناخية إلى تهديد عابر للحدود يمس حقوق الإنسان الأساسية.

وفي السنوات الأخيرة، شهدت كندا مواسم حرائق هي الكبرى في تاريخها الحديث، مدفوعة بارتفاع درجات الحرارة والجفاف والظروف المناخية المتطرفة المرتبطة بتغير المناخ، ولم تقتصر آثار الحرائق على تدمير الغابات والمنازل والبنية التحتية، بل امتدت لتطول جملة من الحقوق الأساسية التي تكفلها المواثيق الدولية، وفي مقدمتها الحق في الحياة والصحة والسكن والبيئة الصحية المستدامة.

ومع اضطرار آلاف الأسر إلى مغادرة منازلها، وتعطل المدارس والخدمات العامة، وتحول جودة الهواء إلى مستويات خطرة في مناطق واسعة، لم يعد الحديث يدور حول خسائر اقتصادية أو بيئية فحسب، وإنما حول قدرة الدول على حماية مواطنيها من المخاطر المناخية المتزايدة، إذ أعادت حرائق كندا تأكيد أن آثار الكوارث المناخية أصبحت تتجاوز سيادة الدول، حيث غطت سحب الدخان مدناً أمريكية عدة، ووصل تأثيرها إلى مناطق بعيدة، ما أدى إلى تراجع جودة الهواء وتحذيرات صحية لملايين السكان.

ويؤكد خبراء القانون الدولي أن الاتفاقيات البيئية ومبادئ القانون الدولي تكرس التزام الدول بعدم التسبب في أضرار بيئية جسيمة للدول الأخرى، كما أن تغير المناخ بات يرتبط بصورة متزايدة بالالتزامات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، وهو ما انعكس في قرارات الأمم المتحدة التي اعترفت بالحق في بيئة نظيفة وصحية ومستدامة باعتباره حقاً من حقوق الإنسان.

كوارث لا تعرف الخرائط

كشفت حرائق كندا عن بعد آخر للأزمة يتمثل في العدالة المناخية، فعلى الرغم من أن الدول الصناعية تمتلك إمكانات كبرى للتعامل مع الكوارث، فإن تكرار هذه الحرائق يؤكد أن تغير المناخ لم يعد يستثني أحداً، وأن آثاره تمتد إلى جميع الدول بدرجات متفاوتة.

ومن منظور حقوق الإنسان، يفرض ذلك على الدول التزاماً باتخاذ التدابير الوقائية، وضمان حصول المواطنين على المعلومات الصحية الدقيقة، وتوفير الخدمات الطبية اللازمة، وحماية الفئات الأكثر عرضة للمخاطر، إذ يرى خبراء أن القضية لم تعد تتعلق فقط بخفض الانبعاثات، بل بضمان توزيع عادل للأعباء، وتعزيز التعاون الدولي، وتوفير التمويل اللازم للتكيف مع آثار تغير المناخ، ما يضمن حماية الحقوق الأساسية للأفراد، وخاصة الفئات الأكثر هشاشة.

ويذهب عدد من الباحثين إلى أن الكوارث المناخية تفرض إعادة النظر في مفهوم الأمن الإنساني، بحيث لا يقتصر على النزاعات المسلحة، وإنما يشمل أيضاً المخاطر البيئية التي تهدد حياة البشر وكرامتهم، ولا سيما أن مخاطر الحرائق على سبيل المثال لم تقتصر على ألسنة اللهب، بل امتدت إلى الهواء الذي يتنفسه ملايين الأشخاص، وارتبطت بارتفاع معدلات الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي والقلب، وشكلت خطراً أكبر على الأطفال وكبار السن والحوامل ومرضى الأمراض المزمنة.

وتؤكد هذه الكارثة أن مواجهة تغير المناخ لم تعد خياراً سياسياً أو بيئياً، بل أصبحت التزاماً قانونياً وأخلاقياً لحماية الحقوق الأساسية للأجيال الحالية والمقبلة، في عالم لم تعد فيه آثار الكوارث تتوقف عند حدود الخرائط، بل تمتد حيثما يمتد الإنسان.

الضرر العابر للحدود

في البداية، قال الدكتور مصطفى السيد شربيني، المراقب باتفاقية باريس ورئيس الكرسي العلمي للبصمة الكربونية والاستدامة بالألكسو بجامعة الدول العربية، ورئيس معهد الاستدامة والبصمة الكربونية (ISCF)، إن حرائق الغابات التي تشهدها كندا لم تعد مجرد كارثة بيئية داخل حدود الدولة، بل أصبحت نموذجاً صارخاً للأزمات المناخية العابرة للحدود، بعدما امتدت آثارها إلى الولايات المتحدة ووصلت في بعض الفترات إلى أجزاء من أوروبا عبر انتقال الدخان والجسيمات الدقيقة في الغلاف الجوي، وهو ما يفرض تحدياً جديداً أمام القانون الدولي في التعامل مع الكوارث المناخية ذات التأثير العابر للسيادة الوطنية.

وأوضح شربيني، في تصريح لـ”صفر”، أن قواعد القانون الدولي التقليدية تناولت مفهوم “الضرر العابر للحدود” في حالات مثل التلوث الصناعي أو المائي أو الحوادث النووية، لكنها لم تكن مهيأة للتعامل مع حرائق الغابات باعتبارها مصدراً لتلوث هوائي يمتد لآلاف الكيلومترات ويهدد صحة ملايين الأشخاص خارج الدولة التي اندلعت فيها الحرائق، مؤكداً أن تغير المناخ لم يعد قضية بيئية فحسب، بل تحول إلى قضية قانونية وحقوقية وسياسية وأمنية في الوقت ذاته.

وأشار إلى أن مبدأ “عدم التسبب في ضرر للدول الأخرى” يعد من المبادئ المستقرة في القانون الدولي، ويُلزم الدول بعدم استغلال مواردها الطبيعية بطريقة تلحق ضرراً جسيماً بدول أخرى، إلا أن تطبيق هذا المبدأ على حرائق الغابات يواجه تعقيدات كبيرة؛ لأن هذه الكوارث غالباً ما تنتج عن تفاعل عوامل طبيعية مع التغير المناخي، وليس عن فعل متعمد أو إهمال مباشر يسهل إثباته قانونياً.

وأضاف أن الإشكالية الحقيقية تكمن في غياب إطار قانوني دولي ملزم ينظم التعاون في إدارة الكوارث المناخية العابرة للحدود، إذ إن النصوص الحالية تركز على التعاون باعتباره التزاماً سياسياً أو أخلاقياً، دون أن تفرض التزامات واضحة بشأن تبادل الموارد أو الإنذار المبكر أو تعويض المتضررين خارج حدود الدولة.

موقف الولايات المتحدة

ورأى شربيني أن ما شهدته الولايات المتحدة من ارتفاع خطير في معدلات تلوث الهواء بسبب دخان الحرائق، وما ترتب عليه من إلغاء فعاليات رياضية وتعطيل بعض الرحلات الجوية وإصدار تحذيرات صحية واسعة، يؤكد أن آثار التغير المناخي لم تعد تعترف بالحدود السياسية، وأن القوانين الدولية أصبحت أقل قدرة على مواكبة سرعة انتقال هذه المخاطر.

وفيما يتعلق برد الفعل الأمريكي، أوضح أن واشنطن قدمت نموذجاً عملياً للتعاون الثنائي، من خلال إرسال فرق إطفاء ومعدات متخصصة إلى كندا، والتنسيق المستمر بين الجهات المختصة لتبادل بيانات جودة الهواء وحركة الدخان والتوقعات الجوية، إلى جانب إصدار تحذيرات صحية متكررة واتخاذ إجراءات لحماية الفئات الأكثر عرضة للمخاطر، مثل كبار السن والأطفال ومرضى القلب والجهاز التنفسي.

غير أنه شدد على أن هذه الاستجابة، رغم أهميتها، كشفت أيضاً حدود النظام القانوني الحالي، إذ تمت في إطار العلاقات الثنائية بين البلدين، وليس استناداً إلى منظومة قانونية دولية متخصصة لإدارة الكوارث المناخية العابرة للحدود، محذراً من أن الاستجابة قد تكون أكثر تعقيداً إذا وقعت أزمة مماثلة بين دولتين لا تربطهما آليات تعاون قوية.

ودعا شربيني إلى تطوير القانون الدولي للمناخ، أو اعتماد بروتوكول دولي جديد يتضمن التزامات واضحة بشأن الإنذار المبكر، وتبادل المعلومات والبيانات، وتقاسم الموارد البشرية والتكنولوجية، وتقديم الدعم الفني، وبناء القدرات، وإجراء تدريبات مشتركة لمواجهة الحرائق والكوارث الطبيعية، فضلاً عن وضع معايير دولية لقياس الأضرار الصحية والبيئية الناجمة عن انتقال الملوثات عبر الحدود.

وطالب بتعزيز دور الأمم المتحدة، ومنظمة الصحة العالمية، وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، والمنظمة العالمية للأرصاد الجوية في تنسيق الاستجابة الدولية، وصياغة قواعد قانونية تستند إلى الحقائق العلمية، إلى جانب تبني مقاربة قائمة على العدالة المناخية، انطلاقاً من مبدأ “المسؤوليات المشتركة ولكن المتباينة” الذي يعد أحد المبادئ الأساسية لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ.

واختتم شربيني حديثه: “العالم يقف اليوم أمام نقطة تحول تاريخية، وأن القانون الدولي مطالب بالانتقال من مجرد إدارة الأزمات إلى بناء منظومة عالمية للوقاية والتعاون والعدالة المناخية، فإذا كان الدخان لا يحتاج إلى جواز سفر، فإن القانون الدولي أيضاً يجب ألا يبقى أسير الحدود السياسية، بل أن يواكب طبيعة المخاطر المناخية التي أصبحت تتجاوزها”.

غياب الالتزامات القانونية

من جانبه، أوضح الدكتور عماد الدين عدلي، رئيس المنتدى المصري للتنمية المستدامة والمنسق العام للشبكة العربية للبيئة والتنمية، أن الاهتمام الدولي بقضايا البيئة ليس وليد السنوات الأخيرة بل يعود إلى أكثر من نصف قرن.

وأشار عدلي في تصريح لـ”صفر” إلى أن أول مؤتمر عقدته الأمم المتحدة بشأن البيئة كان في العاصمة السويدية ستوكهولم عام 1972 تحت عنوان “البيئة البشرية”، وجاء في أعقاب تنامي المخاوف من الآثار العابرة للحدود للتلوث الصناعي، وفي مقدمتها ظاهرة الأمطار الحمضية التي تسببت فيها انبعاثات الدول الصناعية الكبرى، وألحقت أضراراً بالزراعة والبيئة في دول أخرى.

وأضاف أن هذه التطورات كشفت مبكراً أن القضايا البيئية لم تعد شأناً محلياً، وإنما أصبحت قضية عالمية تتجاوز الحدود الوطنية، ما دفع المجتمع الدولي إلى البحث عن آليات للتعاون في مواجهة التحديات البيئية والمناخية، غير أن الاتفاقيات الدولية الخاصة بالمناخ والبيئة لا تفرض التزامات قانونية ملزمة على الدول لتعويض غيرها عن الأضرار المناخية التي تتسبب فيها، كما لا توجد منظومة قانونية دولية تُجبر الدول الصناعية الكبرى على تحمل تكلفة الخسائر التي تلحق بالدول الأكثر تضرراً، لكنها تقوم على مبادئ التعاون والتنسيق والالتزامات الطوعية، أكثر من اعتمادها على آليات قانونية ملزمة.

وفيما يتعلق بالموقف الأمريكي، قال إن الولايات المتحدة، خاصة في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب ومواقف قطاع واسع من الحزب الجمهوري، اتخذت موقفاً رافضاً للانخراط الكامل في اتفاقيات تغير المناخ، وهو ما انعكس سلباً على الجهود الدولية الرامية إلى مواجهة الأزمة، لافتاً إلى أن الولايات المتحدة نفسها أصبحت اليوم من أكثر الدول التي تعاني من تداعيات الكوارث المناخية، رغم تحفظها السابق على التعاون الدولي في هذا الملف.

وأكد عدلي أن مواجهة الأزمات المناخية كانت تتطلب تنسيقاً دولياً أكبر وإجراءات أكثر فاعلية للحد من حجم الخسائر والأضرار، مشدداً على ضرورة أن تصبح الاتفاقيات الدولية أكثر عدالة، لضمان توفير آليات حقيقية لتعويض الدول والمجتمعات المتضررة من آثار التغير المناخي.

واختتم بالإشارة إلى أن مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ (COP27) الذي استضافته مدينة شرم الشيخ عام 2022 شهد موافقة الدول على إنشاء صندوق الخسائر والأضرار لدعم الدول الأكثر تضرراً من الكوارث المناخية، إلا أن الصندوق لم يُفعل بالشكل المطلوب حتى الآن؛ نظراً لضخامة الموارد المالية اللازمة لتعويض الخسائر المتزايدة الناتجة عن التغيرات المناخية.

Picture of فيولا فهمي
فيولا فهمي
صحفية متخصصة في قضايا الحريات وحقوق الإنسان