منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

جرائم ممنهجة ترقى لجرائم حرب.. المدنيون يدفعون ثمن الصراع في الكونغو

13 مايو 2026
النزوح القسري جراء العنف في الكونغو
النزوح القسري جراء العنف في الكونغو

في إحدى قرى إقليم كيفو الشمالية، استيقظت امرأة على أصوات إطلاق نار وصراخ، قبل أن تجد نفسها محاصرة بين جثث أفراد عائلتها، وتروي هذه الشهادة التي وثقتها منظمة العفو الدولية في تقريرها الأخير كيف تعيش وتعاني العديد من الأسر بسبب المجازر الجماعية، في صورة تختزل حجم العنف الذي يواجهه المدنيون يوميا في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية.

تشير بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية لعام 2025 إلى أن عدد النازحين داخليا في جمهورية الكونغو الديمقراطية تجاوز سبعة ملايين شخص، معظمهم في المناطق الشرقية التي تشهد تصاعدا في هجمات الجماعات المسلحة، كما أفادت الأمم المتحدة بأن مئات الآلاف نزحوا خلال العام نفسه فقط، في ظل استمرار العنف، وفقا لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.

توثيق دولي لانتهاكات جسيمة

أكدت منظمة العفو الدولية في تقريرها أن القوات الديمقراطية المتحالفة ارتكبت انتهاكات ممنهجة ضد المدنيين تشمل القتل والتعذيب والاختطاف، معتبرة أن هذه الأفعال ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، واستند التقرير إلى مقابلات مع 71 شخصا، بينهم ناجون وشهود ومسؤولون محليون، ما يعكس حجم التوثيق الميداني.

أظهرت التحقيقات أن الجماعة نفذت سبع هجمات رئيسية خلال عام 2025، استهدفت بشكل مباشر تجمعات مدنية، وفي هجوم وقع في سبتمبر من العام نفسه، قُتل أكثر من 60 شخصا في قرية نتويو خلال مجلس عزاء، حيث استخدمت أسلحة نارية وأدوات حادة، في غياب تام للحماية الأمنية، وفقا لمنظمة العفو الدولية.

قصور في الاستجابة الأمنية

تشير تقارير بعثة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في جمهورية الكونغو الديمقراطية إلى تحديات مزمنة في قدرة القوات الحكومية على الاستجابة السريعة للهجمات المسلحة، حيث غالبا ما تصل وحدات الجيش بعد وقوع الاعتداءات بساعات أو حتى أيام، رغم تمركزها في مناطق قريبة من مواقع الهجمات، وهو ما وثقته إفادات ميدانية وتقارير أممية خلال عام 2025، ويأتي هذا القصور في سياق أوسع من ضعف القدرات اللوجستية واتساع رقعة العمليات القتالية في شرق البلاد، حيث تنتشر الجماعات المسلحة عبر مساحات جغرافية شاسعة يصعب تأمينها، وتشير بيانات مجلس الأمن الدولي إلى أن بعثة الأمم المتحدة نفسها، التي تضم نحو 11 ألف عنصر، تواجه قيودا تشغيلية معقدة، بما في ذلك محدودية الموارد وتزايد الهجمات على قواتها، ما يحد من قدرتها على توفير حماية فعالة للمدنيين.

وفي هذا السياق، حذّرت تقارير أممية من أن أي تقليص أو إعادة انتشار لقوات حفظ السلام قد يخلق فراغا أمنيا خطيرا، خاصة في ظل تصاعد هجمات الجماعات المسلحة مثل القوات الديمقراطية المتحالفة وحركة 23 مارس، كما أظهرت التطورات الميدانية خلال عام 2025، ومنها سيطرة جماعات مسلحة على مدن رئيسية مثل غوما، أن ضعف التنسيق بين القوات الحكومية والدعم الدولي يسهم في تفاقم هشاشة الوضع الأمني ويترك السكان المدنيين عرضة لهجمات متكررة دون حماية كافية، وفقًا لتقارير الأمم المتحدة ومجلس الأمن.

النزوح القسري جراء العنف في الكونغو

دوامة نزوح وانهيار الخدمات

أدى تصاعد العنف في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية إلى واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم، حيث تشير بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن عدد النازحين داخليا تجاوز سبعة ملايين شخص بحلول نهاية عام 2025، مع تسجيل موجات نزوح متكررة خلال العام نفسه نتيجة استمرار الهجمات المسلحة.

وتعكس هذه الأرقام حجم الكارثة الإنسانية، إذ أفادت تقارير الأمم المتحدة بأن مئات الآلاف نزحوا خلال أشهر قليلة فقط، فيما تشير بيانات أخرى إلى أن أكثر من 700 ألف شخص نزحوا داخل مدينة غوما وحدها في مطلع 2025، بينما تُرك نحو 350 ألف نازح دون مأوى بعد تدمير المخيمات أو تعرضها لأضرار جسيمة، ما أجبرهم على اللجوء إلى الكنائس والمرافق العامة في ظروف شديدة الهشاشة.

وقد أدى هذا النزوح الواسع إلى انهيار حاد في الخدمات الأساسية، حيث تشير تقارير منظمة الأمم المتحدة للطفولة إلى أن أكثر من 1.6 مليون طفل حرموا من التعليم في شرق البلاد، بعد تدمير أو إغلاق ما يزيد على 1189 مدرسة وتحويل العديد منها إلى مراكز إيواء للنازحين، كما تعرض النظام الصحي لضغوط غير مسبوقة، إذ تعطلت أكثر من 70 في المئة من المرافق الصحية في بعض المناطق مثل كيفو الشمالية، في وقت تتفشى فيه أوبئة خطيرة مثل الكوليرا والحصبة، مع تسجيل أكثر من 34 ألف حالة كوليرا و802 حالة وفاة خلال النصف الأول من عام 2025.

وفي ظل هذا الواقع، حذّرت الأمم المتحدة من أن استمرار النزوح وتدهور الخدمات الأساسية يفاقمان من معدلات الفقر وانعدام الأمن الغذائي، حيث يعيش ملايين المدنيين في ظروف إنسانية قاسية دون وصول كافٍ إلى الغذاء أو الرعاية الصحية أو المياه النظيفة، ما يجعل الأزمة في شرق الكونغو واحدة من أكثر الأزمات تعقيدا واستعصاء على الحل في العالم اليوم، وفقا لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.

ويتزامن نشاط القوات الديمقراطية المتحالفة مع تصاعد هجمات جماعات أخرى مثل حركة 23 مارس، ما يعقد الوضع الأمني، وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن تعدد الأطراف المسلحة يسهم في استمرار النزاع وإضعاف جهود الاستقرار.

الاختطاف وتجنيد الأطفال

وثّقت منظمة العفو الدولية 46 حالة اختطاف خلال فترة البحث، شملت أطفالا ونساء ورجالا، وتعرض المختطفون لانتهاكات تشمل العمل القسري والتعذيب والاستعباد، فيما تشير منظمات حقوقية محلية إلى أن العدد الفعلي أعلى بكثير بسبب صعوبة التوثيق في مناطق النزاع، وفقا لمنظمة العفو الدولية ومنظمات المجتمع المدني في الكونغو.

وأكد تقرير الأمين العام للأمم المتحدة بشأن الأطفال والنزاعات المسلحة لعام 2025 أن القوات الديمقراطية المتحالفة من بين أكثر الجماعات تورطا في تجنيد الأطفال، ويُستخدم هؤلاء الأطفال في القتال ونقل الإمدادات، وبعضهم لا يتجاوز عمره عشر سنوات، وفقا للأمم المتحدة.

العنف الجنسي كسلاح

تشير بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان لعام 2025 إلى تسجيل آلاف حالات العنف الجنسي في شرق الكونغو، حيث تُجبر النساء والفتيات على الزواج القسري والحمل القسري داخل معسكرات الجماعة، كما وثقت منظمة العفو الدولية أن هذه الانتهاكات تتم بشكل ممنهج كجزء من استراتيجية السيطرة، وفقا لصندوق الأمم المتحدة للسكان ومنظمة العفو الدولية.

استهداف المرافق الصحية

أفادت منظمة الصحة العالمية في تقاريرها لعام 2025 بوقوع عشرات الهجمات على مرافق صحية في شرق الكونغو، ما أدى إلى مقتل مدنيين وتدمير بنى تحتية طبية، وتؤكد منظمة العفو الدولية أن هذه الهجمات تشمل نهب الأدوية وحرق المراكز الصحية، ما يفاقم الأزمة الإنسانية، وفقا لمنظمة الصحة العالمية ومنظمة العفو الدولية.

توصيف قانوني للانتهاكات

تندرج هذه الأفعال ضمن جرائم الحرب وفقا لاتفاقيات جنيف، التي تحظر استهداف المدنيين وتجنيد الأطفال واستخدام العنف الجنسي في النزاعات المسلحة، كما أن الطابع الواسع والممنهج لهذه الهجمات قد يرقى إلى جرائم ضد الإنسانية، ما يستدعي المساءلة الدولية، وفقا لمفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان.

جذور تاريخية وتداعيات

تعود أصول القوات الديمقراطية المتحالفة إلى تسعينيات القرن الماضي في أوغندا، قبل انتقالها إلى شرق الكونغو، وفي عام 2019، أعلنت ارتباطها بتنظيم داعش، ما عزز من قدراتها التنظيمية والعسكرية، وفقا لتقارير الأمم المتحدة.

ويشير برنامج الغذاء العالمي في بياناته لعام 2025 إلى أن نحو 25 مليون شخص في الكونغو يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وهو من أعلى المعدلات عالميا، ويرتبط ذلك بشكل مباشر بالنزاع المستمر والنزوح، وفقا لبرنامج الغذاء العالمي.

يواجه الناجون من الانتهاكات، خاصة النساء والأطفال، صعوبات كبيرة في العودة إلى مجتمعاتهم، وتشير منظمات محلية إلى انتشار الوصمة الاجتماعية ونقص الدعم النفسي، ما يعوق عملية التعافي، وفقا لمنظمات المجتمع المدني في الكونغو.

دعوات لتعزيز الحماية والمساءلة

دعا مجلس الأمن الدولي في بياناته إلى محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، كما شددت مفوضية حقوق الإنسان على ضرورة إجراء تحقيقات مستقلة، وطالبت منظمات مثل هيومن رايتس ووتش بفرض عقوبات على قادة الجماعات المسلحة وتعزيز حماية المدنيين، وفقا للأمم المتحدة ومنظمة هيومن رايتس ووتش.

كما تؤكد المنظمات الحقوقية أن إنهاء الأزمة يتطلب تعزيز قدرات الدولة الكونغولية، وتحسين آليات الإنذار المبكر، وضمان محاسبة مرتكبي الجرائم، كما تدعو الأمم المتحدة إلى دعم دولي طويل الأمد لحماية المدنيين وإعادة بناء المؤسسات، وفقا للأمم المتحدة ومنظمة العفو الدولية.

في ظل استمرار العنف وتعدد الفاعلين المسلحين، يبقى المدنيون في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية ضحايا لصراع معقد وطويل الأمد، وبينما تتزايد التحذيرات الدولية، لا تزال الحاجة ملحة لتحرك أكثر فاعلية يضع حدا للانتهاكات ويضمن العدالة للضحايا، وفقا للأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الدولية.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية