يشهد العالم تصاعدا مقلقا في وتيرة العنف الرقمي الموجه ضد الصحفيات، في تطور يعكس تحديا متناميا يهدد حرية الإعلام وسلامة العاملات في الحقل الصحفي، وسط تحذيرات من تأثيرات نفسية ومهنية متفاقمة تدفع بعضهن إلى تقليص نشاطهن أو الانسحاب من الفضاء العام.
وبحسب تقرير صادر عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة، فإن التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي أسهم بشكل مباشر في تعقيد هذا النوع من العنف وزيادة حدته، حيث باتت الصحفيات عرضة لحملات منظمة من التهديد والتشهير عبر المنصات الرقمية، في ظل محدودية الأطر القانونية الرادعة في العديد من الدول.
أشكال متعددة من الانتهاكات الرقمية
يوضح التقرير أن العنف الرقمي الموجه ضد الصحفيات لم يعد يقتصر على التنمر الإلكتروني التقليدي، بل تطوّر ليشمل أنماطا أكثر تعقيدا وتنظيما، تبدأ بحملات التشهير المنسقة التي تستهدف السمعة المهنية عبر نشر معلومات مضللة أو مجتزأة، مرورا بالكشف غير القانوني عن البيانات الشخصية مثل العناوين وأرقام الهواتف فيما يعرف بالتتبع الرقمي، وهو ما يعرض الضحايا لمخاطر مباشرة تتجاوز الفضاء الإلكتروني، كما يشمل هذا العنف التهديدات الصريحة بالعنف الجسدي أو الجنسي، والتحريض على الكراهية، إضافة إلى المضايقات الجماعية التي تتم عبر حسابات وهمية أو شبكات منظمة بهدف إسكات الصحفيات أو دفعهن إلى الانسحاب من النقاش العام.
ويشير التقرير إلى تصاعد استخدام تقنيات متقدمة مثل التزييف العميق، التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي لإنتاج صور ومقاطع فيديو مزيفة يصعب تمييزها عن الحقيقية، وغالبا ما تُستخدم في سياقات مسيئة تمس السمعة الشخصية والمهنية، منوهاً بأن 12 بالمئة من الصحفيات والمدافعات عن حقوق الإنسان تعرضن لنشر صورهن الخاصة دون موافقتهن، بينما وقعت 6 بالمئة منهن ضحايا لتقنيات التزييف العميق، كما برزت أنماط أخرى مثل انتحال الهوية الرقمية، واختراق الحسابات، ونشر محتوى مفبرك على لسان الضحية، وهو ما يضاعف من حدة الضرر ويقوّض الثقة في العمل الصحفي، وتؤكد هذه الممارسات مجتمعة أن العنف الرقمي بات منظومة متكاملة من الانتهاكات التي تستهدف تقويض حضور النساء في المجال العام، وتفرض تحديات متزايدة على المؤسسات الإعلامية والجهات التشريعية في التعامل معها.
أرقام مقلقة تعكس حجم الظاهرة
تشير البيانات إلى أن نسبة الشكاوى التي قدمتها الصحفيات إلى الجهات الأمنية ارتفعت لتصل إلى 22 بالمئة مقارنة بعام 2020، في مؤشر على تصاعد الظاهرة، كما أظهرت النتائج أن واحدة من كل أربع صحفيات تعاني من الاكتئاب أو القلق نتيجة التعرض للعنف الرقمي، في حين اضطرت نحو 45 بالمئة منهن إلى تقليل نشاطهن على منصات التواصل الاجتماعي.
تأثيرات نفسية ومهنية ممتدة
يحذّر التقرير من أن آثار العنف الرقمي الموجه ضد الصحفيات لا تتوقف عند حدود الأذى النفسي المباشر، بل تمتد لتشكل ضغطا مستمرا يؤثر على حياتهن المهنية وقدرتهن على أداء دورهن الإعلامي بحرية واستقلالية، فالتعرض المتكرر لحملات التشهير والتهديد والتحريض يخلق حالة من القلق المزمن والخوف من الاستهداف، ما ينعكس على مستوى الثقة بالنفس والاستقرار النفسي، ويؤدي في كثير من الحالات إلى أعراض مثل الاكتئاب واضطرابات القلق والعزلة الاجتماعية، خصوصا عندما تترافق هذه الهجمات مع صمت أو ضعف في الاستجابة القانونية والمؤسساتية.
وعلى الصعيد المهني، يشير التقرير إلى أن نحو 22 بالمئة من الصحفيات يلجأن إلى الصمت أو إلى ممارسة نوع من الرقابة الذاتية، عبر تجنب تناول ملفات حساسة أو التراجع عن تغطية قضايا تتعلق بالفساد أو حقوق الإنسان أو الشأن السياسي، خشية التعرض لهجمات رقمية منظمة.
هذا التراجع التدريجي في مساحة الحرية المهنية لا ينعكس فقط على الصحفيات أنفسهن، بل يمتد أثره إلى جودة المحتوى الإعلامي وتنوعه، حيث يؤدي إلى تقليص مساحة النقاش العام وإضعاف التعددية في الطرح.
كما يلفت التقرير إلى أن بعض الصحفيات يضطررن إلى تقليص وجودهن الرقمي أو إغلاق حساباتهن على منصات التواصل الاجتماعي، وهو ما يحرمهن من أدوات أساسية للتواصل مع الجمهور وبناء حضور مهني مؤثر في العصر الرقمي، وفي حالات أخرى، قد يؤدي استمرار الضغط إلى تغيير مسارات مهنية بالكامل أو ترك المجال الصحفي نهائيا، ما يشكل خسارة للقطاع الإعلامي ويؤثر على تمثيل النساء فيه، وتؤكد المعطيات أن هذا النوع من العنف يخلق بيئة عمل غير آمنة، تضعف من قدرة الصحافة على أداء دورها الرقابي والمجتمعي، وتحد من قدرة الصحفيات على المشاركة الفاعلة في النقاشات العامة، بما ينعكس في النهاية على حرية التعبير وتعددية الإعلام وجودة المحتوى الصحفي على نطاق أوسع.
قصور تشريعي وتحديات قانونية
أكدت هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن أقل من 40 بالمئة من دول العالم تمتلك قوانين واضحة لمكافحة العنف الرقمي، ما يترك فراغا تشريعيا يتيح استمرار الانتهاكات دون رادع كافٍ، ودعت الهيئة إلى ضرورة سن قوانين أكثر صرامة، إلى جانب تحميل المنصات الرقمية مسؤولية أكبر في حماية المستخدمين والتعامل مع المحتوى المسيء.
تحذيرات دولية من اتساع الظاهرة
في سياق متصل، حذّرت منظمات حقوقية ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة من أن نحو مليار و800 مليون امرأة حول العالم معرضات لتهديدات رقمية في ظل غياب الحماية الكافية، ما يعكس اتساع نطاق المشكلة وتجاوزها للحدود الجغرافية.
يمثل العنف الرقمي أحد أبرز التحديات المرتبطة بالتحول التكنولوجي في العصر الحديث، حيث أدى الانتشار الواسع للمنصات الرقمية إلى خلق فضاءات جديدة للتفاعل، لكنها في الوقت ذاته فتحت المجال أمام أنماط مستحدثة من الانتهاكات، وتواجه الصحفيات تحديات مضاعفة نتيجة طبيعة عملهن في المجال العام، ما يجعلهن أكثر عرضة للهجمات المنظمة التي تستهدف إسكات أصواتهن أو التأثير على مصداقيتهن، وتؤكد تقارير أممية أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب تعاونا دوليا يجمع بين تطوير التشريعات وتعزيز الوعي المجتمعي وتفعيل دور المنصات الرقمية في حماية المستخدمين، بما يضمن بيئة إعلامية آمنة تدعم حرية التعبير وتحمي حقوق النساء.
