منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

تفشي إيبولا في شرق الكونغو يتسارع وسط مخاوف من اتساع العدوى إقليمياً

22 مايو 2026
يتواصل تفشي فيروس إيبولا في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية
يتواصل تفشي فيروس إيبولا في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية

يتواصل تفشي فيروس إيبولا في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية بوتيرة متسارعة، وسط تحذيرات دولية من احتمال تحول الأزمة الصحية إلى تهديد إقليمي واسع، في ظل ضعف البنية الصحية واستمرار النزاعات المسلحة وصعوبة احتواء العدوى في المناطق الحدودية المكتظة بالسكان.

وأعلنت وزارة الصحة في جمهورية الكونغو الديمقراطية ارتفاع عدد الحالات المشتبه بها إلى 671 حالة، بينها 64 إصابة مؤكدة مخبرياً، إضافة إلى 160 وفاة، من بينها ست وفيات مؤكدة، مع تركّز الإصابات في مقاطعة إيتوري شمال شرقي البلاد قرب الحدود مع أوغندا وجنوب السودان.

وتشير تقديرات دولية إلى أن الأرقام الفعلية قد تكون أعلى بكثير من المعلن، بسبب ضعف أنظمة الترصد الصحي وصعوبة الوصول إلى المناطق المتضررة، خاصة في ظل استمرار أعمال العنف والنزوح الداخلي.

سلالة نادرة بلا لقاح

ويعود التفشي الحالي إلى سلالة “بونديبوجيو” النادرة من فيروس إيبولا، وهي سلالة لا يتوفر لها حتى الآن أي لقاح أو علاج معتمد دولياً، ما يزيد من تعقيد جهود الاحتواء مقارنة بالسلالات الأخرى التي طُورت لها لقاحات خلال السنوات الماضية.

وأكدت منظمة الصحة العالمية أن السلالة الحالية تختلف عن سلالة “زائير” التي استُخدمت ضدها لقاحات سابقة، موضحة أن السيطرة على التفشي تعتمد حالياً على العزل المبكر وتتبع المخالطين والرعاية الداعمة وعمليات الدفن الآمن والتوعية المجتمعية.

وحذّرت المنظمة من أن فترة التأخر في اكتشاف الفيروس، التي امتدت قرابة أربعة أسابيع بين ظهور أولى الأعراض وتأكيد الإصابة مخبرياً، سمحت بانتشار العدوى على نطاق أوسع داخل المجتمعات المحلية والمنشآت الصحية.

مخاوف من انتقال إقليمي

وأعلنت السلطات الصحية في أوغندا تسجيل حالتين مؤكدتين قادمتين من الكونغو، توفي أحدهما في العاصمة كمبالا، بينما خضع المصاب الثاني للعزل الطبي دون رصد انتقال محلي واسع حتى الآن، كما تراقب دول مجاورة، بينها رواندا وجنوب السودان، التطورات الصحية على حدودها تحسباً لأي انتقال جديد للفيروس.

وأكدت المركز الأوروبي للوقاية من الأمراض ومكافحتها أن خطر انتشار العدوى داخل أوروبا لا يزال منخفضاً، لكنه شدد على ضرورة تشديد المراقبة الصحية للمسافرين القادمين من المناطق المتضررة.

كما أعلنت الولايات المتحدة رفع مستوى المراقبة الصحية وفرض قيود إضافية على حركة القادمين من مناطق التفشي، بعد تأكيد إصابة مواطن أمريكي كان يعمل ضمن بعثة طبية في شرق الكونغو.

ضعف النظام الصحي

ويواجه النظام الصحي في الكونغو تحديات كبيرة تعوق احتواء الوباء، إذ تعاني المناطق المتضررة من نقص حاد في المرافق الطبية ومراكز العزل والمختبرات ووسائل النقل والإمدادات الوقائية.

وأشارت منظمة الصحة العالمية إلى أن إصابة عدد من العاملين الصحيين ووفاة أربعة منهم خلال أيام قليلة تعكس وجود ثغرات خطيرة في إجراءات مكافحة العدوى داخل المستشفيات والمراكز الصحية.

كما يواجه العاملون في المجال الإنساني صعوبات مرتبطة بانعدام الأمن، إذ تؤدي الاشتباكات المسلحة ووجود جماعات مسلحة في بعض مناطق إيتوري وشمال كيفو إلى عرقلة حركة فرق الاستجابة السريعة ومنع الوصول إلى القرى النائية.

احتجاجات ومخاوف مجتمعية

وتفاقمت الأزمة الصحية مع تصاعد التوترات المجتمعية المرتبطة بإجراءات الدفن الآمن والعزل الصحي، إذ شهدت بعض المناطق احتجاجات على منع الأهالي من تسلم جثامين ذويهم المصابين.

وأفادت تقارير إعلامية بأن محتجين اقتحموا مركزا لعلاج إيبولا في مقاطعة إيتوري وأضرموا النار في خيام طبية بعد خلافات تتعلق بإجراءات الدفن، ما اضطر السلطات إلى نشر قوات أمنية لحماية الطواقم الطبية.

ويرى خبراء الصحة أن انعدام الثقة بين المجتمعات المحلية والسلطات الصحية يمثل أحد أخطر التحديات، خاصة أن الفيروس ينتقل بسهولة عبر ملامسة سوائل المصابين أو الجثامين خلال مراسم الدفن التقليدية.

إعلان طوارئ صحية

وأعلنت منظمة الصحة العالمية في 17 مايو الجاري تصنيف تفشي إيبولا في الكونغو وأوغندا “حالة طوارئ صحية عامة تثير قلقا دوليا”، في محاولة لتعزيز التنسيق العالمي وتسريع الدعم المالي والطبي للدول المتضررة.

ورغم أن المنظمة أكدت أن الوضع لا يرقى حتى الآن إلى مستوى “جائحة عالمية”، فإنها حذرت من وجود “حالة عدم يقين كبيرة” بشأن الحجم الحقيقي للتفشي ومدى انتشاره داخل المناطق الحدودية والمجتمعات الريفية.

ودعت منظمات حقوقية وإنسانية دولية إلى ضمان وصول المساعدات الطبية والإنسانية إلى المناطق المتضررة دون عوائق، محذرة من أن استمرار النزاعات المسلحة قد يحول الأزمة الصحية إلى كارثة إنسانية أوسع.

كما طالبت جهات حقوقية بحماية المدنيين والطواقم الصحية ومنع استهداف المنشآت الطبية، مع ضمان حصول السكان على معلومات صحية دقيقة لمواجهة الشائعات والخوف المجتمعي.

وأكد التحالف من أجل ابتكارات التأهب للأوبئة أنه بدأ تسريع العمل على تطوير لقاحات تجريبية وأجسام مضادة محتملة ضد سلالة “بونديبوجيو”، لكنه حذرت من أن تطوير لقاح فعال قد يستغرق عدة أشهر، في وقت يواصل فيه الفيروس الانتشار داخل واحدة من أكثر مناطق إفريقيا هشاشة وفقرا.