أظهرت بيانات رسمية إسرائيلية تصاعد ظاهرة مغادرة المهاجرين اليهود الجدد لإسرائيل، في تطور يثير تساؤلات متزايدة بشأن فعالية سياسات الاستيعاب والاندماج التي تعتمدها الحكومة، وتعكس الأرقام اتجاهاً متنامياً بين الوافدين الجدد نحو إنهاء إقامتهم بعد فترة قصيرة من وصولهم، رغم أن إسرائيل تضع تشجيع الهجرة اليهودية في صدارة أولوياتها الاستراتيجية والديموغرافية، وتخصص لها موارد مالية وبرامج حكومية واسعة.
وأفادت بيانات مؤسسة التأمين الوطني الإسرائيلية بأن المهاجرين اليهود الجدد شكلوا النسبة الكبرى من الإسرائيليين الذين أنهوا إقامتهم خلال عام 2025، سواء من خلال مغادرة البلاد أو تقديم طلبات لإلغاء صفة الإقامة.
وأظهرت البيانات أن 35 ألفاً و625 شخصاً أنهوا إقامتهم خلال العام الماضي، بينهم نحو 20 ألف مهاجر جديد، وهو ما يمثل 56 في المئة من إجمالي المغادرين، بحسب ما نقلته صحيفة “يسرائيل هايوم” التي تناولت تفاصيل هذه الأرقام وردود الفعل السياسية عليها.
أرقام تعكس اتجاهاً متصاعداً
تكشف المقارنة بين بيانات العامين الأخيرين أن الظاهرة لم تعد حالة استثنائية، بل تحولت إلى اتجاه متواصل يزداد وضوحاً مع مرور الوقت، ففي عام 2024 بلغ عدد الأشخاص الذين أنهوا إقامتهم في إسرائيل 46 ألفاً و385 شخصاً، بينهم 18 ألفاً و841 مهاجراً جديداً، وهو ما يعادل نحو 40 في المئة من إجمالي المغادرين خلال ذلك العام.
وتوضح هذه المقارنة أن نسبة المهاجرين الجدد بين المغادرين ارتفعت بصورة ملحوظة خلال عام 2025، الأمر الذي يعكس تنامي الصعوبات التي يواجهها القادمون الجدد بعد انتقالهم إلى إسرائيل، ويشير إلى أن برامج الاستيعاب الحالية لم تنجح في الحفاظ على نسبة كبيرة منهم أو توفير الظروف التي تشجعهم على الاستقرار طويل الأمد.
بداية الظاهرة قبل الحرب
تشير البيانات الرسمية إلى أن هذا المسار بدأ قبل اندلاع الحرب الحالية، وهو ما يدحض التفسيرات التي تربط الظاهرة حصراً بالتطورات الأمنية الأخيرة. فقد سجل عام 2022 ارتفاعاً واضحاً في أعداد المهاجرين الذين غادروا إسرائيل خلال أول عامين من وصولهم، ثم ازدادت الظاهرة بصورة كبرى خلال عام 2023، قبل أن تستمر في تسجيل مستويات مرتفعة خلال العامين التاليين.
وتعكس هذه المعطيات وجود عوامل هيكلية تتجاوز الأوضاع الأمنية، إذ تواجه فئات من المهاجرين تحديات اقتصادية واجتماعية ومهنية تؤثر بصورة مباشرة في قرار البقاء أو المغادرة، خاصة خلال السنوات الأولى التي تعد الأكثر حساسية في رحلة الاندماج داخل المجتمع الإسرائيلي.
انتقادات لبرامج الاستيعاب
أثارت هذه الأرقام نقاشاً داخل الأوساط السياسية الإسرائيلية بشأن كفاءة منظومة استيعاب المهاجرين، ونقلت صحيفة “يسرائيل هايوم” عن رئيس لجنة الهجرة والاستيعاب وشؤون الشتات في الكنيست، جلعاد كاريف، قوله إن مغادرة أعداد كبيرة من المهاجرين الجدد ترتبط بضعف برامج الاستيعاب، إضافة إلى محدودية الدعم المالي الذي يحصل عليه القادمون الجدد بعد انقضاء الأشهر الستة الأولى من وصولهم.
وأوضح كاريف أن تكاليف المعيشة المرتفعة، إلى جانب صعوبة الاندماج في سوق العمل، تضع المهاجرين أمام تحديات معقدة، وتجعل حزمة المساعدات الحكومية الحالية غير كافية لتأمين استقرارهم الاقتصادي والاجتماعي، الأمر الذي يدفع عدداً متزايداً منهم إلى التفكير في مغادرة إسرائيل والبحث عن فرص فضلى في دول أخرى.
تحديات اقتصادية واجتماعية
يرتبط قرار مغادرة المهاجرين بمجموعة من العوامل المتداخلة، وفي مقدمتها ارتفاع أسعار السكن والخدمات الأساسية، وصعوبة الحصول على وظائف تتناسب مع المؤهلات العلمية والخبرات المهنية التي يمتلكها القادمون الجدد، كما يواجه كثير منهم تحديات تتعلق بإتقان اللغة العبرية، وبناء العلاقات الاجتماعية، والتكيف مع بيئة عمل جديدة تختلف عن الدول التي قدموا منها.
ويرى متابعون أن هذه العقبات تؤثر بصورة مباشرة في قدرة المهاجرين على تحقيق الاستقرار خلال السنوات الأولى، وهي الفترة التي تحتاج إلى برامج دعم أكثر شمولاً، تشمل التدريب المهني، وتعزيز فرص التشغيل، وتقديم حوافز اقتصادية تساعدهم على تجاوز مرحلة الانتقال.
انعكاسات على سياسة الهجرة
تمثل هذه المؤشرات تحدياً مهماً أمام السياسات الإسرائيلية التي تنظر إلى الهجرة اليهودية باعتبارها أحد أهم ركائز النمو السكاني وتعزيز البنية الديموغرافية للدولة، ولذلك فإن استمرار مغادرة نسبة مرتفعة من المهاجرين الجدد يفرض على صناع القرار إعادة تقييم السياسات الحالية، والبحث عن آليات أكثر فاعلية للحفاظ على الوافدين وتشجيعهم على البقاء.
نجاح أي سياسة للهجرة لا يقتصر على جذب المهاجرين، بل يعتمد أيضاً على توفير بيئة اقتصادية واجتماعية مستقرة تمكنهم من بناء حياة جديدة، وتمنحهم فرصاً حقيقية للاندماج والمشاركة في سوق العمل، مع الحفاظ على مستوى معيشة مناسب يحد من التفكير في الهجرة العكسية.
دعوات إلى مراجعة شاملة
دفعت الأرقام الجديدة عدداً من المسؤولين والمهتمين بملف الهجرة إلى المطالبة بإجراء مراجعة شاملة لمنظومة استيعاب المهاجرين، ومنها إعادة النظر في برامج الدعم المالي، وتطوير خدمات الإسكان، وتوسيع برامج التدريب المهني، وتسهيل دمج المهاجرين في سوق العمل خلال الفترة الأولى من وصولهم.
ويرى أصحاب هذه الدعوات أن الاستثمار في استقرار المهاجرين الجدد يمثل ضرورة استراتيجية؛ لأن استمرار ارتفاع معدلات المغادرة قد ينعكس على خطط استقطاب مهاجرين جدد في المستقبل، كما قد يؤثر في صورة إسرائيل لدى المجتمعات اليهودية التي تفكر في الهجرة إليها.
تمنح إسرائيل المهاجرين اليهود الجدد الذين يطلق عليهم اسم “العوليم” مجموعة من الامتيازات فور وصولهم، تشمل مساعدات مالية مؤقتة، ودورات لتعليم اللغة العبرية، وتسهيلات ضريبية، وبرامج للمساعدة في السكن والاندماج المهني، وذلك في إطار تطبيق قانون العودة الذي يتيح لليهود الهجرة إلى إسرائيل والحصول على الإقامة والجنسية.
وخلال العقود الماضية اعتبرت الحكومات الإسرائيلية استقطاب المهاجرين أحد أهم أهدافها الاستراتيجية، لما يمثله من أهمية ديموغرافية واقتصادية وسياسية، إلا أن ارتفاع تكاليف المعيشة، وأزمة الإسكان، وصعوبة الاندماج في سوق العمل، إضافة إلى التطورات الأمنية خلال السنوات الأخيرة، دفعت عدداً متزايداً من المهاجرين إلى إعادة تقييم قرار الاستقرار، وهو ما جعل ظاهرة الهجرة العكسية تحظى باهتمام متزايد داخل المؤسسات الرسمية والأوساط السياسية في إسرائيل.
