منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

بعد اختفائها.. عائلة نيوزيلندية تخوض معركة لإنقاذ ابنتها من الاحتجاز الأمريكي

21 مايو 2026
مركز احتجاز إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) في أديلانتو
مركز احتجاز إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) في أديلانتو

عاشت النيوزيلندية إيفرلي ويهونغي، خلال الأسابيع الأخيرة، تجربة قاسية داخل مراكز احتجاز إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية، بعدما تحولت رحلة عائلية قصيرة إلى كابوس طويل من العزلة والخوف والانقطاع عن العالم، في قضية أعادت تسليط الضوء على المعاملة الإنسانية للمهاجرين وحاملي الإقامة الدائمة داخل منظومة الاحتجاز في الولايات المتحدة الأمريكية.

روت والدة إيفرلي، بيتي ويهونغي، تفاصيل الأيام التي تلت احتجاز ابنتها في مطار لوس أنجلوس يوم 10 أبريل الماضي، بعد عودتها من زيارة عائلية إلى نيوزيلندا، وفق ما أوردته صحيفة “الغارديان”.

انتظرت إيفرلي سبع ساعات داخل المطار قبل أن تتمكن من الاتصال بعائلتها وإبلاغهم بوجود “مشكلة” تتعلق بإدانة قديمة مرتبطة بحيازة الماريجوانا، تعود إلى أكثر من عقد، وأنها ستنقل إلى مركز احتجاز تابع لإدارة الهجرة والجمارك الأمريكية في أديلانتو بولاية كاليفورنيا.

لم تستوعب العائلة ما حدث، فإيفرلي البالغة من العمر 37 عاماً تعيش في الولايات المتحدة منذ طفولتها وتحمل البطاقة الخضراء، كما أنها سافرت مراراً من وإلى البلاد من دون أن تواجه أي مشكلة مشابهة.

قالت بيتي إن الخوف سيطر على العائلة منذ اللحظة الأولى، مضيفة: “شعرنا بالغثيان.. كنا مرعوبين؛ لأن ظهور عناصر إدارة الهجرة والجمارك على التلفزيون هنا لا يبشر بالخير أبداً”.

تحولت الأيام سريعاً إلى أسابيع، في حين بقيت إيفرلي خلف أسوار الاحتجاز، وسط ظروف وصفتها والدتها بأنها “مرهقة نفسياً وإنسانياً”.

قضت ويهونغي، بحسب رواية والدتها، معظم وقتها داخل غرفة تضم نحو 45 محتجزاً، ولم تكن تغادرها سوى لساعات محدودة يومياً، في حين ظلت الأضواء مضاءة طوال الليل وسط صراخ الحراس وضجيج الممرات.

وصفت بيتي ما شاهدته ابنتها داخل المركز بأنه عالم مكتظ بأشخاص عاديين لا يشبهون الصورة النمطية التي ترسم للمحتجزين.

قالت: “هناك ممرضات يرتدين ملابس العمل، وعمال طرق، وأمهات حوامل مع أطفالهن.. جميعهم مكبلون بالأصفاد”.

وأضافت أن ابنتها شاهدت حراسًا يصرخون في وجه محتجزين لا يتحدثون الإنجليزية، كما سمعت امرأة حامل تبلغ بأن طفلها قد ينتزع منها بعد الولادة.

بدت تلك المشاهد، بالنسبة للعائلة، أبعد من مجرد إجراءات هجرة، بل تجربة إنسانية قاسية تشعر المحتجزين بأنهم فقدوا السيطرة على حياتهم بالكامل.

الاختفاء ثلاثة أيام

استيقظت إيفرلي، ذات ليلة بعد منتصف الليل بقليل، على قرار مفاجئ بنقلها من مركز الاحتجاز في كاليفورنيا، في اليوم نفسه الذي كان يفترض أن تلتقي فيه بمحاميها للمرة الأولى عبر اتصال مرئي.

لم تمنح تفسيراً واضحاً، كما لم تتمكن من حضور اللقاء القانوني الذي انتظرته طويلاً، قبل أن تقتاد إلى وجهة مجهولة.

قالت بيتي إن ابنتها اتصلت سريعاً لتخبر العائلة بأنها قد تنقل إلى تكساس أو أريزونا، ثم اختفت أخبارها تماماً.

لمدة ثلاثة أيام، لم تعرف الأسرة أين توجد إيفرلي، كما اختفى اسمها من نظام تتبع المحتجزين التابع لإدارة الهجرة والجمارك الأمريكية.

وصفت والدتها تلك الأيام بأنها الأصعب منذ بداية الأزمة، مضيفة: “أثرنا ضجة كبيرة.. كنا عنيدين للغاية، ولكن لولا وجودنا لكانت في مأزق حقيقي”.

أعادت تلك الساعات الطويلة من الغياب إلى ذهن العائلة سؤالاً مؤلماً: ماذا يحدث للمحتجزين الذين لا يملكون عائلة تتابع أخبارهم أو المال لتوكيل محامين؟

بعد ثلاثة أيام اتصلت إيفرلي مجدداً بعائلتها من مركز احتجاز إيلوي في ولاية أريزونا، حيث لا تزال محتجزة حتى الآن.

أدى نقلها إلى ولاية جديدة إلى إلغاء موعد جلسة الهجرة التي كانت مقررة في 10 يونيو، بسبب انتقال القضية إلى نطاق قضائي مختلف، من دون تحديد موعد جديد.

قالت بيتي إن ابنتها شعرت وكأنها “عادت إلى نقطة الصفر”، بعدما تبخرت الأسابيع التي انتظرت خلالها أول جلسة قانونية.

وفي بعض المكالمات الهاتفية، كانت إيفرلي تبكي لساعات، في حين تحاول والدتها إبقاءها متماسكة نفسياً.

قالت بيتي إنها تخبر ابنتها دائماً: “لا تستسلمي لهم.. إنهم يريدونك أن تنهاري، يريدونك أن تفقدي الأمل”.

مجرد سؤال

بدأ محامي ويهونغي التحرك لإلغاء الإدانة القديمة التي تستند إليها السلطات الأمريكية في احتجازها، بحجة أن محاميها السابق لم يبلغها حينها بأن الاعتراف بالذنب قد يعرضها لاحقاً لخطر الترحيل أو فقدان الإقامة الدائمة.

أوضحت بيتي أن المحامي السابق شطب لاحقاً من نقابة المحامين بسبب قضايا مرتبطة بالكذب على موكليه وتزوير وثائق.

وأضافت: “كانت ستدفع ببراءتها لو عرفت أن الأمر قد يقودها إلى هذا المصير”.

لم تطلب العائلة من الحكومة النيوزيلندية أكثر من التدخل الدبلوماسي وطرح الأسئلة على السلطات الأمريكية بشأن ظروف احتجاز ابنتهم.

قالت بيتي: “لا نطالبهم باقتحام منزلها أو دفع أي تكاليف.. نريد فقط أن يسألوا: لماذا تعامل مواطنتنا بهذه الطريقة؟”

قدمت القنصلية النيوزيلندية بعض المساعدة القنصلية للعائلة، كما التقت إيفرلي داخل مركز الاحتجاز، لكن الأسرة ترى أن ذلك لا يكفي أمام ما تصفه بانهيار إنساني ونفسي تعيشه ابنتهم خلف الأسوار.

وأكد مكتب وزير الخارجية النيوزيلندي أن الوزارة تقدم المساعدة القنصلية اللازمة، لكنه أوضح أن ويلينغتون لا تستطيع التدخل في قرارات الهجرة الخاصة بالحكومات الأخرى.

اختتمت صحيفة “الغارديان” تقريرها بالإشارة إلى أنها تواصلت مع إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية للحصول على تعليق، دون أن تتلقى رداً.