ناثان لو*
يواجه النشطاء المهددون من قبل بكين صعوبات غريبة مع نظام الهجرة البريطاني، وينبغي ألا تكون سلامتهم ثمناً لعلاقات أكثر دفئاً مع الصين.
في الوقت الذي أصبحت فيه دول سلطوية مثل روسيا والصين وإيران أكثر نشاطاً في تبني استراتيجيات عابرة للحدود لإسكات منتقديها في المملكة المتحدة، بات القمع العابر للحدود الوطنية يحظى باهتمام أكبر، ومن الصواب أن تمتلك شرطة العاصمة البريطانية وغيرها من أجهزة إنفاذ القانون وحدات وآليات متخصصة لمواجهته، لكن جعل المعارضين السياسيين القادمين من هذه الدول السلطوية يشعرون بالأمان في المملكة المتحدة يتطلب أكثر من مجرد التصدي لهذا القمع البعيد المدى، والحكومة البريطانية لا ترقى إلى مستوى التوقعات.
فالتهديد حقيقي.. فقد تلقى أفراد من مجتمع أبناء هونغ كونغ تهديدات من النظام الصيني، إذ تلقى بعضهم رسائل تهديد، وتعرض آخرون لتزييف عميق (Deepfake) حوّل صورهم إلى محتوى جنسي، في حين تعرضت عائلات بعضهم للاستجواب والاعتقال في هونغ كونغ، ومع تصاعد هذا الاستهداف بالتزامن مع تدهور الأوضاع السياسية في هونغ كونغ، لجأ كثيرون إلى المسار الإنساني الذي أتاحته الحكومة البريطانية السابقة للانتقال إلى المملكة المتحدة.
وقد فُتح مسار تأشيرة المواطن البريطاني (ما وراء البحار) (BN(O)) في 31 يناير 2021، ما أتاح لأبناء هونغ كونغ القدوم والإقامة في المملكة المتحدة، وقد مُنح بالفعل أكثر من 230 ألف تأشيرة عبر هذا المسار، ويُنظر إليه على أنه قصة نجاح ودليل على أن الحكومة البريطانية تفي بالتزامها تجاه من يواجهون ضغوطاً سياسية في هونغ كونغ، إلا أنه مع مواجهة عدد أكبر من المنتقدين البارزين للنظام الصيني عراقيل داخل نظام الهجرة البريطاني، بدأت تتزايد الشكوك حول ما إذا كانت الحكومة الحالية لا تزال تأخذ هذا الالتزام على محمل الجد.
في مايو تقدمت كلوي تشيونغ التي أصدرت سلطات هونغ كونغ بحقها مذكرة توقيف ورصدت مكافأة قدرها مليون دولار هونغ كونغي (100 ألف جنيه إسترليني) لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى القبض عليها، بطلب للحصول على الإقامة الدائمة، لكن البت في طلبها جرى تعليقه، في حين تمت الموافقة على طلبات أفراد أسرتها.
وطلبت وزارة الداخلية البريطانية من ضحية للاضطهاد السياسي أن تشرح “إجرامها”، وهي عبارة تعكس ميل بكين إلى تصوير المعارضة السياسية على أنها جريمة، وقد تسبب ذلك لها بقدر هائل من الضغوط النفسية، ولم تُمنح الإقامة الدائمة إلا بعد موجة من الانتقادات العامة وضغوط مارسها أعضاء في البرلمان.
أما فين لاو الذي رُصدت أيضاً مكافأة مقابل القبض عليه، فتقدم بطلب للحصول على الجنسية البريطانية في يونيو 2025، مستوفياً جميع الشروط المطلوبة، وبحلول مارس من هذا العام، كانت وزارة الداخلية قد أمضت أكثر من ثمانية أشهر في تقييم “حسن سيرته”، رغم أن الهدف المحدد داخل الوزارة يقضي باتخاذ قرار في 95% من الطلبات خلال ستة أشهر، وظل يخشى أن يُحسب نشاطه السياسي ضده، وفي النهاية اضطر إلى إعلان القضية للرأي العام، ولم توافق وزارة الداخلية على طلبه إلا بعد سلسلة من الحملات العامة.
أما أحدث القضايا فهي التي كسرت قلبي، فقد كان وو تشي-واي البالغ من العمر 63 عاماً رئيساً للحزب الديمقراطي في هونغ كونغ وعضواً منتخباً في المجلس التشريعي لمدة ثماني سنوات، وسُجن لأكثر من خمس سنوات بسبب شجاعته في الدفاع عن الحرية والديمقراطية في هونغ كونغ، وبعد انتهاء مدة سجنه، سافر إلى المملكة المتحدة حيث استقرت أسرته. وكانت القنصلية البريطانية في هونغ كونغ قد أبلغته بأنه يستطيع التقدم بطلب للحصول على تأشيرة BN(O) بمجرد دخوله المملكة المتحدة.
لكن عند وصوله إلى مطار هيثرو، مُنع من دخول البلاد، وصودِر جواز سفره، وأُبلغ بأنه سيُرحل إلى هونغ كونغ خلال سبعة أيام، وهو موجود الآن في المملكة المتحدة، لكن بموجب إذن دخول مؤقت فقط.
وقد وصفت وزارة الداخلية الأمر بأنه مشكلة إدارية تتعلق بأوراقه، وأبلغت وسائل الإعلام بأنها كانت تخشى أن تكون زيارته ليست زيارة شخصية، بل محاولة لتقديم طلب لجوء، ولم يُمدد له حق الإقامة إلا بعد أن أصبحت قضيته خبراً متداولاً داخل المملكة المتحدة وخارجها، وأصبح لديه الآن تصريح بالبقاء مع أسرته في المملكة المتحدة لمدة ستة أشهر.
أين الإنسانية في كل هذا؟ بعد سنوات لم يتمكن خلالها من معانقة أفراد أسرته أو الإمساك بأيديهم، كاد لمّ شمله بهم أن ينتهي قبل أن يبدأ، ماذا كان يمكن أن يفعل مع أسرته خلال سبعة أيام فقط بعد كل تلك السنوات من الفراق؟ حتى مجرد طرح هذا السؤال يبدو قاسياً.
والأهم من ذلك أن وو لم يرتكب أي خطأ، فلم يدخل البلاد بصورة غير قانونية، ولم يكذب بشأن نواياه، وكان ينبغي أن يُنظر إلى تاريخه في التعرض للاضطهاد السياسي باعتباره عاملاً أساسياً يفسر قراره بالمجيء إلى المملكة المتحدة لزيارة أسرته، لا أن يُستخدم دليلاً على احتمال عدم التزامه بقواعد الهجرة.
ومن حقه التقدم بطلب للحصول على تأشيرة BN(O)، أو العودة إلى هونغ كونغ بعد بضعة أشهر، بحسب ظروفه. وفي عالم يتسم بالمنطق، لم يكن هناك أي مبرر معقول لرفض طلب وو، بل كان ينبغي للسلطات أن تراعي ظروفه وتقدم له المساعدة.
لقد كان المسؤولون محقين في إعادة النظر في قراره، لكن عليهم أيضاً إعادة النظر في نهجهم، فالإحساس بالأمان لا يتحقق فقط عبر التصدي للقمع العابر للحدود الوطنية، بل ينبع أيضاً من الشعور المشروع بأن الدولة المضيفة تتخذ إجراءات تحترم خياراتك وتحميك من الضغوط السياسية غير العادلة.
ومن المحزن أن كثيراً من أبناء هونغ كونغ الذين تعرضوا لاضطهاد النظام الصيني يواجهون عراقيل وتعقيدات من جانب الحكومة البريطانية، ما يزيد من قلقهم الشديد أصلاً.
لقد قدمت لنا بريطانيا وعداً بتوفير المساعدة الإنسانية، ولا ينبغي التفريط في هذا الوعد لأن الحكومة الحالية تسعى إلى إقامة علاقة ثنائية أكثر دفئاً مع الصين.. إذ إن إزالة جميع العراقيل غير المبررة التي تواجه أبناء هونغ كونغ المضطهدين هي الخطوة الأولى للعودة إلى الوفاء بوعد المملكة المتحدة.. وعلى بريطانيا أن تقوم بذلك.
*الغارديان
*ناشط مؤيد للديمقراطية وعضو سابق في المجلس التشريعي في هونغ كونغ، ويعيش حالياً لاجئاً سياسياً في المملكة المتحدة.
