منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

انطلاق فعاليات الدورة الـ63 لمجلس حقوق الإنسان

فولكر تورك يقرع جرس الإنذار من جنيف: حقوق الإنسان أمام اختبار حاسم

07 سبتمبر 2026
انطلاق فعاليات الدورة 63 لمجلس حقوق الإنسان في جنيف
انطلاق فعاليات الدورة 63 لمجلس حقوق الإنسان في جنيف

افتتحت اليوم الاثنين في جنيف أعمال الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، بمشاركة الدول الأعضاء والوفود والمنظمات الدولية وغير الحكومية، في دورة يُنتظر أن تركز على عدد من أكثر ملفات حقوق الإنسان إلحاحاً، في مقدمتها النزاعات المسلحة، وحماية المدنيين، والمساءلة، والانتقام من المتعاونين مع آليات الأمم المتحدة، إلى جانب تداعيات الذكاء الاصطناعي وأزمة المناخ والاختلالات الاقتصادية والاجتماعية.

وأعلن رئيس مجلس حقوق الإنسان، سيدهارتو ريزا سورياوديورو، افتتاح الدورة، مرحباً بالمفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك، وبوفود أنغولا وبربادوس وبنين وكمبوديا وجامايكا وجزر مارشال، التي تشارك بدعم من الصندوق الاستئماني للمساعدة التقنية الطوعية المخصص لدعم مشاركة أقل البلدان نموا والدول الجزرية الصغيرة النامية في أعمال المجلس.

وأكد رئيس المجلس أن الدورة، وفقا لبرنامج العمل المعدل، من المقرر أن تختتم في 7 أكتوبر المقبل، داعيا الوفود إلى الالتزام بالمواعيد المحددة للمداخلات والتسجيل في قوائم المتحدثين، بما يضمن إنجاز أعمال الدورة ضمن الإطار الزمني المقرر.

وشدد على أن الموعد النهائي لتقديم مشاريع القرارات للدورة هو 24 سبتمبر، مع التأكيد على ضرورة إجراء مشاورات غير رسمية مفتوحة حول مشاريع القرارات قبل عرضها على المجلس، بما يضمن توسيع دائرة المشاركة وتعزيز التنسيق والحوار بين الدول صاحبة المبادرات والدول الأخرى ومنظمات المجتمع المدني والمراقبين.

وفي جانب يتعلق ببيئة العمل داخل المجلس، أطلق رئيسه تحذيرا واضحا من الهجمات الشخصية وأعمال الترهيب والانتقام التي تستهدف المكلفين بولايات المجلس أو الأفراد والجماعات التي تتعاون مع الأمم المتحدة وآلياتها في مجال حقوق الإنسان.

وأكد أن الخلاف مع أصحاب الولايات والإجراءات الخاصة يمكن التعبير عنه بصورة مشروعة، لكن الهجمات الشخصية والأفعال غير القانونية لا يمكن قبولها، مشيرا إلى أن أعمال الترهيب والانتقام قد تقع داخل جلسات المجلس أو خارجها، أو خلال اجتماعات فرق العمل، والزيارات القطرية، والتواصل مع الخبراء والمقررين الخاصين.

بيئة آمنة قائمة على الثقة والحماية

أكد رئيس المجلس أن توفير بيئة آمنة قائمة على الثقة والحماية مسؤولية مشتركة، داعيا الدول إلى منع أي أعمال انتقامية ضد المتعاونين مع منظومة الأمم المتحدة، وفقا لقرارات مجلس حقوق الإنسان ذات الصلة.

وجدد التأكيد على سياسة الأمم المتحدة القائمة على عدم التسامح مطلقا مع التحرش، بما في ذلك التحرش الجنسي، داعيا جميع المشاركين إلى الالتزام بمدونة قواعد السلوك والإجراءات المعتمدة لمنع هذه الممارسات والإبلاغ عنها والتعامل مع الشكاوى بصورة سريعة.

وفي ملف آخر، شدد رئيس المجلس على أهمية إتاحة أعماله للأشخاص ذوي الإعاقة، داعيا إلى توفير الترجمة النصية المباشرة وترجمة لغة الإشارة خلال حلقات النقاش، وتحميل البيانات الشفوية بصيغ ميسرة، بما يضمن مشاركة أكثر شمولا في أعمال المجلس.

ومع انتقال المجلس إلى بند التقرير السنوي للمفوض السامي لحقوق الإنسان، رسم فولكر تورك صورة قاتمة للأوضاع العالمية، محذرا من أن العالم يعيش “عصرا من التطرفات”، تتداخل فيه الحروب والاستقطاب والتغير المناخي السريع والتحولات التكنولوجية مع تراجع احترام القانون الدولي.

وقال تورك إن السنوات الماضية شهدت زيادة في عدد النزاعات المسلحة وتراجعا في احترام القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني وميثاق الأمم المتحدة، مشيرا إلى وجود أكثر من 60 حربا تشمل دولة واحدة على الأقل، وهو مستوى وصفه بأنه الأعلى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

وحذّر المفوض السامي من خطورة تصاعد النزاعات بين الدول، متوقفاً عند المواجهات بين الولايات المتحدة وإيران، وما ترتب عليها من سقوط ضحايا مدنيين، داعيا إلى العودة الفورية إلى المفاوضات.

تصاعد أعداد الضحايا المدنيين

بشأن الحرب الروسية على أوكرانيا، أشار تورك إلى استمرار الحرب للعام الخامس وتصاعد أعداد الضحايا المدنيين وتكثيف الهجمات على البنية التحتية للطاقة، مؤكدا ضرورة الوصول إلى مفاوضات سلام تحترم ميثاق الأمم المتحدة.

وفي السودان، حذّر من اتساع الحرب وتواصل الهجمات على الأسواق والمستشفيات ومحطات الوقود وغيرها من المنشآت المدنية، معتبرا أن المدنيين في كردفان والنيل الأزرق ودارفور يواجهون مخاطر متزايدة، ودعا إلى وقف فوري لإطلاق النار وإنهاء التدخل الأجنبي والعودة إلى حكم مدني شامل.

وحَظِيَ الوضع في قطاع غزة والضفة الغربية بمساحة واسعة من كلمة المفوض السامي، الذي أعرب عن قلق بالغ إزاء استمرار سقوط المدنيين وتقييد دخول المساعدات الإنسانية، وكذلك المقترحات الرامية إلى الطرد القسري للفلسطينيين من قطاع غزة.

وأعرب عن قلقه إزاء الخطاب اللاإنساني الصادر عن بعض المسؤولين الإسرائيليين، وفي الوقت نفسه أشار إلى عمليات إعدام وتعذيب نفذتها جماعات مسلحة مرتبطة بحماس بحق فلسطينيين اتهموا بالتعاون.

وفي الضفة الغربية، انتقد استمرار التوسع الإسرائيلي وضم الأراضي، داعيا الدول إلى اتخاذ خطوات لمنع ترسيخ الاحتلال، ووقف نقل الأسلحة التي قد تستخدم في انتهاك القانون الدولي، كما دعا الشركات الدولية إلى إنهاء الممارسات التجارية التي تدعم أنشطة غير قانونية.

وأكد تورك أن المطلوب ليس مجرد إدانات، وإنما تحرك دولي أكثر قوة لتحقيق سلام مستدام يقوم على تعايش الفلسطينيين والإسرائيليين بكرامة وحقوق متساوية، وفقا لقرارات الأمم المتحدة والقانون الدولي.

وتطرق المفوض السامي إلى لبنان واليمن وجنوب السودان وإثيوبيا، محذرا من عودة أعمال العنف في عدد من المناطق، وداعيا إلى حماية المدنيين ومنع انزلاق الأزمات إلى حروب شاملة، كما طالب الحوثيين بالإفراج عن موظفي الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية المحتجزين في اليمن.

الذكاء الاصطناعي والمخاطر المرتبطة

لم تقتصر تحذيرات تورك على النزاعات المسلحة، إذ وضع الذكاء الاصطناعي والمخاطر المرتبطة به ضمن أولويات المرحلة المقبلة، محذرا من أن التطور السريع للتكنولوجيا يفرض الحاجة إلى قواعد وضمانات صارمة لحماية حقوق الإنسان والديمقراطية والأمن.

ودعا إلى تحرك دولي عاجل لوضع ضوابط للذكاء الاصطناعي المتقدم، بما في ذلك خطوط حمراء مشتركة بين الدول التي تستضيف أنظمته والدول المشاركة في سلاسل إمداده، إلى جانب آليات تحقق مستقلة وتعاون أقوى في مجال الأمن.

وأكد أن حقوق الإنسان يجب أن تكون جزءا أساسيا من حوكمة الذكاء الاصطناعي، خصوصا في ظل تأثيراته المحتملة على سوق العمل والخصوصية والديمقراطية والبيئة، مشيرا إلى ضرورة أن تخدم التكنولوجيا الإنسانية، لا أن تتحول إلى وسيلة لاستغلال البشر وبياناتهم.

وفي ملف المناخ، ربط تورك بين الأزمة البيئية والحقوق الأساسية، مشيرا إلى التكلفة الاقتصادية والصحية والبيئية الهائلة للوقود الأحفوري، وإلى الخسائر البشرية الناجمة عن موجات الحر والكوارث المناخية.

وأكد ضرورة مواصلة العمل للحد من ارتفاع درجة حرارة الأرض إلى 1.5 درجة مئوية، وتعزيز الاستثمار في التكيف والقدرة على الصمود وأنظمة الإنذار المبكر، باعتبارها قضايا مرتبطة مباشرة بحقوق الإنسان.

وانتقد المفوض السامي تزايد تركّز الثروة والسلطة، محذرا من اتساع الفجوة بين النمو الاقتصادي وتوزيع ثماره، ومن استمرار الفقر وعدم المساواة وارتفاع تكاليف المعيشة ونقص الخدمات الأساسية والبطالة والفساد.

وأشار إلى أن 36% فقط من أهداف التنمية المستدامة تسير على المسار الصحيح، بينما تراجعت 15 غاية على المستوى العالمي، مع اقتراب العالم من الموعد النهائي لأجندة 2030.

حقوق الإنسان كأداة للإنذار المبكر

في ختام كلمته، طرح تورك مجموعة من الأولويات لعمل مفوضيته خلال السنوات المقبلة، تشمل تعزيز تحليل المصالح الاقتصادية والتجارية التي تغذي الحروب، ودعم العدالة الانتقالية والمساءلة، وتوسيع مشاركة النساء في عمليات السلام، واستخدام حقوق الإنسان كأداة للإنذار المبكر، وتعزيز قدرات التحقيق والتوثيق، ودعم آليات المساءلة الوطنية والمحكمة الجنائية الدولية.

وبذلك تنطلق الدورة الثالثة والستون لمجلس حقوق الإنسان في ظل مشهد دولي شديد التعقيد، تتقاطع فيه الحروب والنزاعات مع أزمات المناخ والتفاوت الاقتصادي والتحولات التكنولوجية.

وبينما يسعى المجلس إلى مناقشة الملفات الحقوقية للدول ومشاريع القرارات والآليات الدولية، تضع كلمات افتتاح الدورة أمامه تحديا أساسيا: الانتقال من تشخيص الانتهاكات وإدانتها إلى تعزيز آليات الوقاية والمساءلة والحماية، وضمان أن تظل حقوق الإنسان والقانون الدولي في صميم التعامل مع أزمات العالم المتصاعدة.