منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

المغرب والمهاجرون الأفارقة.. تصاعد العنف يفتح ملف العنصرية

12 مايو 2026
قوات أمن مغربية أمام مهاجرون أفارقة
قوات أمن مغربية أمام مهاجرون أفارقة

في أحد شوارع الدار البيضاء المزدحمة، تحوّل مقطع فيديو قصير صُوّر بهاتف محمول إلى مشهد صادم أعاد ملف المهاجرين الأفارقة في المغرب إلى واجهة النقاش الحقوقي والإعلامي، حيث تضمن قيام شاب مغربي بتوجيه عبارات عنصرية وشتائم إلى مهاجر من إفريقيا جنوب الصحراء قبل الاعتداء عليه جسدياً وسط الشارع، و انتشر المقطع بسرعة واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، مثيراً موجة غضب وتحذيرات من تصاعد خطاب الكراهية ضد المهاجرين داخل المملكة.

ووفق بيان رسمي صادر عن المديرية العامة للأمن الوطني المغربية، أوقفت الشرطة القضائية بمدينة الدار البيضاء، مساء الجمعة الماضية شخصاً يبلغ من العمر 28 عاماً للاشتباه في تورطه في “العنف والتشهير والتحريض على الكراهية”، وأوضح البيان أن التحقيقات التقنية والميدانية قادت إلى تحديد هوية المشتبه فيه بعد تداول الفيديو على مواقع التواصل، في حين أسفرت عملية التفتيش عن حجز سلاحين أبيضين وقناع لإخفاء الهوية وكمية من مخدر الشيرا وهاتفين محمولين يشتبه في استخدامهما في الأفعال الإجرامية.

الحادثة لم تُقرأ باعتبارها واقعة معزولة، بل أعادت تسليط الضوء على أزمة أكثر تعقيداً تتعلق بتصاعد العنف والتمييز ضد المهاجرين الأفارقة في المغرب، في وقت تواجه فيه المملكة ضغوطاً متزايدة باعتبارها إحدى أهم بوابات الهجرة نحو أوروبا.

تصاعد أعداد اللاجئين والمهاجرين

تشير بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن المغرب استضاف حتى بداية عام 2026 نحو 18 ألفاً و878 لاجئاً وطالب لجوء مسجلين رسمياً، ينحدر أغلبهم من السودان وسوريا واليمن ودول الساحل وغرب إفريقيا، كما أكدت المفوضية تسجيل أكثر من 4600 طلب لجوء جديد خلال عام 2025 وحده، في ظل استمرار الحروب والأزمات السياسية والاقتصادية في عدد من الدول الإفريقية.

وفي تقريرها الإقليمي الصادر مطلع 2026 قالت المنظمة الدولية للهجرة إن المغرب تحول خلال السنوات الأخيرة من بلد عبور إلى بلد استقرار نسبي لآلاف المهاجرين، نتيجة تشديد القيود الأوروبية على الهجرة وإغلاق العديد من المسارات التقليدية نحو أوروبا.

وتؤكد وزارة الداخلية المغربية بدورها أن المملكة تواجه ضغوطاً متصاعدة مرتبطة بالهجرة غير النظامية، ووفق معطيات رسمية نقلتها وكالة المغرب العربي للأنباء ووكالة رويترز في أبريل 2026، أحبطت السلطات المغربية خلال عام 2025 نحو 73 ألفاً و640 محاولة للهجرة غير النظامية نحو أوروبا، كما فككت أكثر من 300 شبكة لتهريب المهاجرين، وأنقذت ما يزيد على 13 ألف مهاجر في البحر.

خطاب الكراهية والعنصرية الرقمية

يرى المجلس الوطني لحقوق الإنسان في المغرب أن تصاعد خطاب الكراهية ضد المهاجرين عبر وسائل التواصل الاجتماعي بات يشكل تهديداً متزايداً للسلم المجتمعي، وأكد المجلس، في تقريره السنوي حول وضعية حقوق الإنسان لعام 2025، أن بعض المنصات الرقمية تحولت إلى فضاءات لنشر الصور النمطية والعنصرية ضد المهاجرين الأفارقة، داعياً إلى تشديد الملاحقات القانونية ضد جرائم التحريض والتمييز.

كما حذرت منظمة العفو الدولية، في تقريرها السنوي لعام 2025 حول المغرب والصحراء الغربية، من “تزايد خطابات الكراهية الرقمية والمضايقات العنصرية” التي تستهدف المهاجرين واللاجئين، معتبرة أن السلطات مطالبة بتطوير آليات أكثر فاعلية لحماية الفئات الهشة من التحريض والعنف.

أما الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، فأكدت في تقريرها السنوي لعام 2025 أن مهاجرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء تعرضوا خلال العام الماضي “لاعتداءات لفظية وجسدية متكررة”، إضافة إلى حملات تنمر وتحريض عبر الإنترنت، معتبرة أن هذه الممارسات تعكس “تنامياً مقلقاً للخطاب العنصري”.

المقاربة الأمنية تحت الانتقاد

منذ إطلاق “الاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء” عام 2013، سعت المملكة المغربية إلى تقديم نفسه بوصفه نموذجاً إقليمياً في مجال إدماج المهاجرين وتسوية أوضاعهم القانونية، وسمحت حملتا التسوية الاستثنائية عامي 2014 و2017 بتقنين أوضاع آلاف المهاجرين ومنحهم بطاقات إقامة رسمية.

لكن منظمة “هيومن رايتس ووتش” أكدت في تقريرها السنوي لعام 2025 أن السلطات المغربية ما تزال تعتمد بشكل كبير على المقاربة الأمنية في إدارة ملف الهجرة، خاصة في المناطق الشمالية القريبة من الحدود الإسبانية.

وذكرت المنظمة أن قوات الأمن نفذت خلال عام 2025 حملات نقل جماعي لمهاجرين من مدن مثل الناظور وطنجة نحو مدن داخلية وجنوبية، في إطار جهود منع محاولات العبور نحو أوروبا، كما انتقد التقرير استمرار غياب قانون وطني شامل للجوء رغم مرور سنوات على طرح مشروع القانون.

وفي السياق نفسه، قالت منظمة أطباء بلا حدود في تقريرها حول الهجرة في غرب المتوسط لعام 2025 إن تشديد الإجراءات الأمنية على الحدود المغربية الإسبانية يدفع المهاجرين إلى الاعتماد على مسارات أكثر خطورة وشبكات تهريب أكثر عنفاً.

مأساة مليلية.. نقطة تحول دامية

لا تزال أحداث مليلية في يونيو 2022 تمثل واحدة من أكثر المحطات دموية في ملف الهجرة بالمغرب، ووفق الأرقام الرسمية المغربية، قُتل 23 مهاجراً خلال محاولة جماعية لعبور السياج الحدودي نحو الجيب الإسباني، في حين تحدثت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان عن سقوط 27 قتيلاً على الأقل وعشرات المفقودين.

وفي يوليو 2022 دعا خبراء تابعون للأمم المتحدة إلى إجراء تحقيق مستقل وفعال بشأن الأحداث، معبرين عن قلقهم من “الاستخدام المفرط للقوة” ضد المهاجرين.

كما قالت منظمة العفو الدولية إن المأساة كشفت فشل السياسات الأمنية في التعامل الإنساني مع الهجرة، في حين وصفت هيومن رايتس ووتش المشاهد بأنها كارثة إنسانية على حدود أوروبا.

ومنذ تلك الأحداث، تصاعد الجدل الحقوقي حول طبيعة التعاون الأمني بين المغرب والاتحاد الأوروبي في ملف الهجرة.

المغرب ودور حارس الحدود

أكدت المفوضية الأوروبية، في تقريرها حول التعاون مع دول جنوب المتوسط الصادر أواخر 2025، أن الاتحاد الأوروبي عزز دعمه المالي والتقني للمغرب في مجالات مراقبة الحدود ومكافحة شبكات التهريب والهجرة غير النظامية.

ووفق التقرير نفسه، خصص الاتحاد الأوروبي عشرات ملايين اليوروهات لدعم برامج المراقبة والتجهيزات الأمنية والتعاون الاستخباراتي مع الرباط خلال السنوات الأخيرة.

لكن منظمات حقوقية اعتبرت أن هذه السياسات تدفع دول العبور، ومنها المغرب، إلى إعطاء الأولوية للمقاربة الأمنية على حساب الجوانب الإنسانية وحقوق المهاجرين.

وقالت منظمة أطباء بلا حدود إن تشديد الرقابة الحدودية لا يوقف الهجرة بل يجعلها أكثر خطورة، موضحة أن المهاجرين يضطرون إلى استخدام طرق بحرية وبرية أكثر خطورة هرباً من الملاحقات الأمنية.

طرق الهجرة الأكثر فتكاً

تشير بيانات المنظمة الدولية للهجرة إلى أن طريق غرب المتوسط الرابط بين شمال إفريقيا وإسبانيا ما يزال من أخطر طرق الهجرة في العالم، ووفق مشروع المهاجرون المفقودون التابع للمنظمة، تم تسجيل وفاة وفقدان مئات المهاجرين خلال محاولات العبور نحو أوروبا عبر هذا المسار في عام 2025.

وأكدت المنظمة أن كثيراً من الجثث لا يتم التعرف عليها بسبب غياب الوثائق الرسمية وصعوبة عمليات الإنقاذ، في حين يظل آلاف المفقودين دون أي معلومات عن مصيرهم.

أزمات اجتماعية ومعيشية

بعيداً عن الحدود، يواجه آلاف المهاجرين الأفارقة أوضاعاً معيشية صعبة داخل المغرب، ووفق تقرير الجمعية المغربية لحقوق الإنسان لعام 2025، يعاني كثير من المهاجرين من البطالة والسكن الهش والعمل غير النظامي، إلى جانب صعوبات الولوج إلى الرعاية الصحية والتعليم.

كما أشارت منظمة “GADEM” المغربية، المتخصصة في قضايا الهجرة، إلى أن النساء المهاجرات يواجهن بشكل خاص مخاطر الاستغلال الاقتصادي والعنف والتحرش، في حين يعاني أطفال مهاجرون من صعوبات التسجيل في المدارس أو الحصول على الوثائق الإدارية اللازمة.

وفي تقريرها حول المغرب لعام 2025، أكدت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين أن عدداً من اللاجئين والمهاجرين يعتمدون بشكل متزايد على المساعدات الإنسانية بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع فرص العمل.

القانون الدولي والتزامات المغرب

تنص الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري على التزام الدول بحماية الأجانب والمهاجرين من الكراهية والعنف، بغض النظر عن وضعهم القانوني، كما تؤكد اتفاقية جنيف الخاصة باللاجئين لعام 1951 مبدأ عدم الإعادة القسرية الذي يمنع ترحيل اللاجئين إلى أماكن قد يتعرضون فيها للخطر.

وأكدت لجنة الأمم المتحدة المعنية بالقضاء على التمييز العنصري، في ملاحظاتها الدورية بشأن المغرب عام 2025، ضرورة تعزيز الحماية القانونية للمهاجرين واللاجئين، وتسريع اعتماد قانون وطني خاص باللجوء، ومواجهة تصاعد خطابات الكراهية والعنصرية.

كما دعا المجلس الوطني لحقوق الإنسان بالمغرب إلى تعزيز ثقافة التعايش ومحاربة الصور النمطية المرتبطة بالمهاجرين، معتبراً أن المقاربة الحقوقية تظل عنصراً أساسياً في إدارة ملف الهجرة.

أزمة مفتوحة على مزيد من التعقيد

ومع استمرار النزاعات المسلحة والانقلابات والأزمات الاقتصادية والتغيرات المناخية في دول الساحل والسودان وغرب إفريقيا، تبدو تدفقات الهجرة نحو شمال إفريقيا مرشحة للتصاعد خلال السنوات المقبلة.

وفي ظل هذا الواقع، تجد السلطات المغربية نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد: حماية الحدود من جهة، واحترام الالتزامات الإنسانية والحقوقية من جهة أخرى.

لكن بالنسبة لآلاف المهاجرين الأفارقة العالقين بين حلم الوصول إلى أوروبا وواقع العنف والتمييز، تبقى الأسئلة الأكثر إلحاحاً مرتبطة بالأمان والكرامة وحقهم في الحماية الإنسانية، بعيداً عن خطابات الكراهية والسياسات الأمنية المتشددة.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية