منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

المغرب.. رسوم التعليم الجامعي تضيق فرص الموظفين في استكمال دراستهم

25 أكتوبر 2026
المغرب.. رسوم التعليم الجامعي تضيق فرص الموظفين في استكمال دراستهم
المغرب.. رسوم التعليم الجامعي تضيق فرص الموظفين في استكمال دراستهم

بين طموحه في استكمال تعليمه والتزاماته الأسرية، وجد أحمد شفيق نفسه أمام معادلة مالية صعبة، فبعد سنوات جمع فيها بين العمل والرغبة في العودة إلى الجامعة، بات عليه أن يحسب كلفة التسجيل والدراسة إلى جانب احتياجات بيته. وبالنسبة إلى موظف محدود الدخل قد لا تكون العقبة في إيجاد وقت للمحاضرات بعد انتهاء الدوام، بل في توفير رسومها دون المساس بنفقات الأسرة الأساسية.

تختصر معضلة أحمد جانباً من التحدي الذي يواجه موظفين وأجراء في المغرب مع إتاحة مسارات جامعية بتوقيت ميسر يراعي ظروف العمل. فالمرونة الزمنية تفتح باب العودة إلى الدراسة، لكنها لا تضمن عبوره حين تصبح القدرة على الدفع عاملاً حاسماً في الالتحاق والاستمرار.

رسوم الدراسة تتجاوز كلفة التسجيل

تختلف رسوم التعليم بالتوقيت الميسر الذي يرد أيضاً تحت مسمى التعليم المفتوح، بحسب المؤسسة الجامعية والمسار الدراسي.

وتشير وثيقة جامعية رسمية أوردها التقرير إلى رسوم سنوية تبلغ خمسة آلاف درهم للدراسة الجامعية، و14 ألف درهم للماجستير، وعشرة آلاف درهم للدكتوراة.

وتخص هذه المبالغ المسارات الواردة في الوثيقة المعنية، ولا تمثل تعرفة موحدة لجميع الجامعات المغربية. كما ينبغي الرجوع إلى المؤسسة المختصة لمعرفة الرسوم المعتمدة وشروط التسجيل والإعفاء. ولا تتوقف الكلفة عند هذا الحد؛ إذ تضاف إليها نفقات النقل والكتب والمراجع والبحث العلمي، وربما الإقامة إذا كانت الجامعة خارج مدينة سكن الطالب.

وتصبح المعادلة أكثر صعوبة بالنسبة إلى الموظف الذي يعيل أسرة ويتحمل نفقات السكن وتعليم الأبناء والعلاج. وقد تدفعه الأعباء إلى الاقتراض أو تأجيل الدراسة، رغم امتلاكه الرغبة والقدرة العلمية على مواصلتها.

التعليم المفتوح.. مرونة الوقت لا تكفي

تتيح المسارات الجامعية الميسرة للعاملين الجمع بين الوظيفة والتحصيل العلمي، غير أن تنظيم المحاضرات خارج ساعات العمل لا يعالج وحده الفوارق الاقتصادية بين الراغبين في الدراسة.

وتثير هذه المسارات تساؤلات بشأن وضوح شروط الالتحاق، وإمكانية الاختيار بينها وبين الدراسة بالتوقيت العادي وفق الضوابط المعمول بها، ومدى إتاحة معلومات كافية عن الرسوم والإعفاءات وإجراءات الاستفادة منها.

وتشير المادة إلى القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي، ولا سيما المادة 81 التي تتناول تنظيم برامج دراسية بمقابل مادي ضمن التعليم المفتوح والتعليم المستمر، وإتاحتها للعاملين في القطاعين العام والخاص وغيرهم من الراغبين في الالتحاق. ويبقى الاستناد القانوني إلى هذه المادة مرتبطاً بالتحقق من الصيغة الرسمية للنص ووضعه التشريعي عند النشر.

وتشير وثائق جامعية كذلك إلى إعفاء الموظفين والأجراء الذين لا يتجاوز دخلهم الحد الأدنى للأجور من رسوم التسجيل في بعض مسارات التوقيت الميسر. غير أن هذه الإجراءات تخضع لشروط المؤسسة المعنية، ولا يصح تعميمها على جميع الجامعات.

كما أن الراتب وحده قد لا يعكس القدرة الفعلية على الدفع؛ فموظف يعيل أسرة كبيرة قد يواجه أعباءً تختلف عن موظف آخر يتقاضى الدخل نفسه.

ومن هنا تبرز أهمية معايير اجتماعية واضحة تراعي الالتزامات المعيشية، إلى جانب شفافية طلبات الإعفاء والمراجعة.

تكافؤ الفرص يتطلب أكثر من فتح باب التسجيل

يرى عادل تشيكيطو، رئيس العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان، أن تمكين الموظفين من استكمال تعليمهم وتطوير مؤهلاتهم يمثل استثماراً في الرأسمال البشري ينعكس على كفاءتهم وأدائهم المهني.

ويقول لـ«صفر» إن تشجيع العاملين على تطوير قدراتهم، ثم وضع معوقات مالية قد تدفعهم إلى التخلي عن طموحهم العلمي، يخلق تناقضاً بين الحاجة إلى تنمية الموارد البشرية والقدرة الفعلية على تحقيق ذلك.

ويوضح أن الإشكالية لا تتعلق بالضرورة بمشروعية إحداث مسارات التعليم المفتوح، بل بالشروط المالية المصاحبة لها ومدى انسجامها مع مبدأ تكافؤ الفرص و الحق في التعليم الذي يكفله الفصل 31 من الدستور المغربي.

ويحذر من اتساع الفوارق بين الموظفين إذا أصبح تطوير المؤهلات متاحاً للقادرين مالياً، في حين يواجه محدودو الدخل صعوبة في مواصلة تعليمهم رغم كفاءتهم.

ويدعو تشيكيطو إلى اعتماد رسوم متدرجة تراعي الدخل والوضع الاجتماعي، وإقرار إعفاءات وتخفيضات ومنح لمحدودي الدخل، وتشجيع الإدارات والمؤسسات العمومية على الإسهام في تمويل دراسة موظفيها باعتبارها مستفيدة من تطوير كفاءاتهم. كما يشدد على شفافية معايير الرسوم والإعفاءات وتقييم آثارها الاجتماعية، ما يوازن بين تمويل البرامج والوظيفة الاجتماعية للجامعة العمومية.

الأسرة تتحمل جزءاً من كلفة الطموح

من جانبها، تقول بشرى عبدو، رئيسة جمعية التحدي للمساواة والمواطنة في المغرب، لـ«صفر»، إن المعوقات المالية والتنظيمية قد تحول التعليم المستمر من فرصة تقوم على الكفاءة إلى امتياز يرتبط بالقدرة على تحمل التكاليف.

وتوضح أن الرسوم المرتفعة قد تدفع بعض الموظفين إلى الاقتراض أو استنزاف مدخراتهم المحدودة، ما يزيد الضغوط المالية والنفسية وينعكس على استقرار أسرهم. وقد يترتب على تعذر استكمال الدراسة شعور بالإحباط المهني وانسداد فرص الترقية وتطوير الذات.

وتؤكد عبدو أن المحاضرات المسائية أو التي تنظم خلال عطلة نهاية الأسبوع تعالج مشكلة الوقت، لكنها لا تحل مشكلة التمويل حين يجد الموظف نفسه أمام الاختيار بين رسوم الجامعة ونفقات السكن والمعيشة وتعليم الأبناء.

وتقترح إقامة شراكات بين الجامعات ومؤسسات العمل لتمويل دراسة الموظفين المتفوقين كلياً أو جزئياً، إلى جانب رسوم تفضيلية وإعفاءات لمحدودي الدخل وفق معايير معلنة تراعي أوضاعهم الاجتماعية.

وتعيد هذه المقترحات طرح مسؤولية توزيع كلفة تطوير المهارات، بدلاً من تحميلها بالكامل للموظف وأسرته، في حين تستفيد مؤسسة العمل والمجتمع من مؤهلاته بعد التخرج.

الحق في التعلم ينبغي ألا يتوقف عند القدرة على الدفع

تكشف قضية التعليم الجامعي الميسر في المغرب أن إتاحة الدراسة خارج ساعات العمل خطوة مهمة، لكنها تظل غير مكتملة إذا لم تصاحبها شروط مالية عادلة، وإجراءات واضحة للإعفاء والدعم، وفرص فعلية للاستمرار.

ولا يعني ذلك تجاهل كلفة تنظيم البرامج الجامعية، بل إيجاد توازن يحافظ على استدامتها دون أن تتحول الرسوم إلى حاجز اقتصادي أمام محدودي الدخل. ويقتضي هذا التوازن أيضاً توضيح شروط المسارات المختلفة، وإتاحة مراجعة قرارات الاستحقاق، وتشجيع المؤسسات المستفيدة من تطوير كفاءات موظفيها على الإسهام في تمويل دراستهم.

بالنسبة إلى أحمد، لا تمثل العودة إلى الجامعة مجرد الحصول على شهادة إضافية، بل فرصة لتوسيع مستقبله المهني دون التضحية باستقرار أسرته، وهنا يظهر الاختبار الحقوقي الأوسع في أن يجد الموظف الذي يعجز عن تحمل الرسوم مساراً واضحاً لطلب الدعم ومراجعة قرار رفضه، وألا تتحول سنوات العمل أو محدودية الدخل إلى سبب لإغلاق باب التعليم أمامه؛ فنجاح التعليم المفتوح لا يقاس بعدد المقاعد أو مرونة المواعيد وحدهما، بل بقدرته على إبقاء فرصة التعلم متاحة لمن يمتلكون الاستعداد للدراسة، وإن لم يمتلكوا كلفتها كاملة.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية