رغم تزايد الدعوات الدولية لتمكين النساء من المشاركة الفاعلة في عمليات السلام وصنع القرار الدبلوماسي، لا يزال العنف ضد المرأة في النزاعات المسلحة أحد أخطر انتهاكات حقوق الإنسان وأكثرها انتشاراً بالعالم، ما استدعى إطلاق الأمم المتحدة جرس إنذار حيال تصاعد غير مسبوق في العنف الجنسي، خصوصاً ضد النساء والفتيات النازحات في بؤر الصراعات والنزاعات.
واستحوذت هذه القضية على جانب من النقاشات السنوية لمجلس حقوق الإنسان بشأن حقوق الإنسان للمرأة، والتي عقدت في يونيو 2025، إذ أكد مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان أن هذه الانتهاكات ليست نتيجة حتمية للحروب، بل جرائم يمكن منعها ومحاسبة مرتكبيها، مشيراً إلى استمرار الإفلات من العقاب وضعف آليات العدالة والتعويض.
ووثقت الأمم المتحدة أكثر من 4500 حالة مؤكدة من العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات خلال عام 2024، كانت النساء والفتيات ضحايا في 91% منها، كما نبهت الأمم المتحدة إلى أن الجماعات المسلحة والتنظيمات المتطرفة تستخدم العنف الجنسي أداة للحرب والإرهاب والتجنيد والسيطرة على المجتمعات.
جهود العدالة وبناء السلام
ركزت المناقشات على ضرورة تبني نهج يضع الناجيات في صميم جهود العدالة وبناء السلام، حيث أكدت شهادات المشاركات أن آثار العنف لا تتوقف عند الانتهاكات الجسدية، بل تمتد إلى الوصم الاجتماعي، والحرمان الاقتصادي، وتقييد الوصول إلى الرعاية الصحية والدعم النفسي والقانوني.
وشددت المتحدثات على أهمية دعم المنظمات التي تقودها الناجيات والنساء، باعتبارها جهات أساسية في تقديم الخدمات وتوثيق الانتهاكات والدفاع عن الحقوق، كما برزت الدعوات إلى ضمان مشاركة الناجيات في تصميم برامج التعويضات وآليات العدالة الانتقالية، بدل الاكتفاء بالتعامل معهن بوصفهن مستفيدات من السياسات.
ولفتت المناقشات الانتباه إلى أشكال جديدة من العنف القائم على النوع الاجتماعي، منها التحرش الرقمي والتزييف العميق المدعوم بالذكاء الاصطناعي واستخدام التكنولوجيا لاستهداف النساء والمدافعات عن حقوق الإنسان في مناطق النزاع، كما أثيرت مخاوف متزايدة بشأن العنف الإنجابي، ومنه الحمل القسري والحرمان من خدمات الصحة الجنسية والإنجابية، باعتباره انتهاكاً خطيراً للكرامة الإنسانية والحق في تقرير المصير.
واتفقت الدول المشاركة ومنظمات المجتمع المدني على أن مكافحة العنف الجنساني تتطلب تعزيز آليات المساءلة الوطنية والدولية، وضمان التحقيق في الجرائم وملاحقة مرتكبيها، إلى جانب توفير تعويضات فعالة للضحايا، كما حذرت الأمم المتحدة من آثار تراجع التمويل الدولي المخصص للمنظمات النسائية والخدمات الأساسية، مؤكدة أن نقص الموارد يهدد استمرارية الدعم الطبي والنفسي والقانوني للناجيات ويضعف جهود الوقاية والاستجابة.
النساء وصناعة السلام
وفي الجلسة الثانية التي خصصت للاحتفال باليوم الدولي للمرأة في العمل الدبلوماسي، ناقش المشاركون العقبات التي لا تزال تحد من وصول النساء إلى مواقع القيادة في عمليات السلام والوساطة، فرغم مرور 25 عاماً على صدور قرار مجلس الأمن 1325 بشأن المرأة والسلام والأمن، لا تزال النساء ممثلات بشكل محدود في المفاوضات السياسية والدبلوماسية.
وأشارت الأمم المتحدة إلى أن النساء لا يشكلن سوى نحو 20% من السفراء عالمياً، في حين تبقى مشاركتهن في مفاوضات السلام أقل بكثير من المستويات المطلوبة، وأكدت المناقشات أن إشراك النساء ليس قضية مساواة فقط، بل عامل أساسي في تحقيق سلام أكثر استدامة وشمولاً.
وأكد المشاركون في المناقشات أن إسهامات النساء في مفاوضات السلام لم يعد يُنظر إليها باعتبارها مطلباً مرتبطاً بالمساواة فحسب، بل باتت ضرورة عملية لتعزيز فرص نجاح الاتفاقات واستدامتها، فالدراسات الدولية تشير إلى أن الاتفاقات التي تسهم النساء في صياغتها تكون أكثر شمولاً لاحتياجات المجتمعات المتضررة من النزاعات، وأكثر اهتماماً بقضايا العدالة والتعويض وإعادة الإعمار والحماية الاجتماعية.
وسلطت المداخلات الضوء على جملة من التحديات، منها التمييز المؤسسي والثقافات الأبوية داخل المؤسسات الدبلوماسية والأمنية وضعف التمويل الموجه للمنظمات النسائية، إضافة إلى التهديدات الرقمية والتحرش الذي تتعرض له الدبلوماسيات والمدافعات عن حقوق الإنسان، كما جرى تأكيد أن مشاركة النساء ما زالت في كثير من الأحيان شكلية أو رمزية، دون منحهن سلطة حقيقية في اتخاذ القرار أو صياغة أجندات التفاوض.
وخلصت المناقشات إلى أن إنهاء العنف الجنساني وتحقيق مشاركة النساء الكاملة في عمليات السلام يمثلان ركيزتين أساسيتين لتحقيق الأمن والعدالة والتنمية المستدامة، حيث أكد المشاركون أن السلام لا يمكن أن يكون مستداماً في ظل الإفلات من العقاب أو استمرار إقصاء النساء من مواقع القيادة وصنع القرار.
ودعا مجلس حقوق الإنسان والدول الأعضاء إلى زيادة الاستثمار في المنظمات النسائية، وحماية المدافعات عن حقوق الإنسان، وتعزيز تمثيل النساء في الدبلوماسية والوساطة، باعتبار ذلك شرطاً جوهرياً لبناء مجتمعات أكثر عدالة واستقراراً.
