كشفت مناقشات مجلس حقوق الإنسان بشأن بوروندي عن انقسام واضح في طريقة النظر إلى الأزمة الحقوقية في البلاد، فمن جهة، هناك دول ومنظمات ترى أن استمرار الرقابة الدولية ضرورة لحماية المدنيين، وفتح الفضاء المدني، ومواجهة الإفلات من العقاب، ومن جهة أخرى تتمسك الحكومة البوروندية وعدد من الدول الداعمة لها بخطاب السيادة الوطنية، وترفض ما تعتبره تسييساً وانتقائية في التعامل مع أوضاع حقوق الإنسان.
هذا الانقسام ليس جديداً في مجلس حقوق الإنسان، لكنه بدا واضحاً في الملف البوروندي، فقد اعتبرت بوروندي أن الولاية الدولية المفروضة عليها منذ سنوات تمثل تدخلاً سياسياً، وأنها لا تعكس تقييماً موضوعياً للتطورات الداخلية، كما ربطت بعض المداخلات الداعمة لبوروندي بين احترام حقوق الإنسان واحترام السيادة وعدم التدخل، مؤكدة أن الاستعراض الدوري الشامل والتعاون التقني وبناء القدرات هي المسارات الأنسب لمعالجة التحديات.
في المقابل، شدد المقرر الخاص المعني بحالة حقوق الإنسان في بوروندي، فورتوني غيتان زونغو، على أن ولايته ليست أداة اتهام، بل إطار للحوار والرصد والمساعدة، وأكد أن التحديات الحقوقية في البلاد لا تزال عميقة، خصوصاً في ما يتعلق بالحريات الأساسية، واستقلال القضاء، وحماية المجتمع المدني، وأوضاع الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، والاستعداد لانتخابات 2027.
الاختلاف هنا لا يتعلق فقط باللغة الدبلوماسية، بل بالسؤال الجوهري: متى تصبح السيادة حماية للحقوق، ومتى تتحول إلى حاجز أمام المساءلة؟ فالقانون الدولي لا يلغي سيادة الدول، لكنه يربطها بالتزامات واضحة تجاه الأفراد والجماعات، والدولة التي ترفض الرقابة الدولية باسم السيادة مطالبة في المقابل بإظهار أن مؤسساتها الوطنية قادرة على حماية الحقوق، والتحقيق في الانتهاكات، وضمان العدالة للضحايا.
وقد برز هذا التوتر في مداخلات الاتحاد الأوروبي ودول الشمال والبلطيق وسويسرا والمملكة المتحدة، التي طالبت بوروندي بالتعاون مع المقرر الخاص وآليات الأمم المتحدة، وفتح المجال أمام الزيارات القطرية، وإعادة فتح مكتب المفوضية السامية لحقوق الإنسان، وضمان بيئة آمنة للمجتمع المدني، هذه الدول رأت أن استمرار القيود على الحريات، وغياب التعاون الكامل، ومخاوف الإفلات من العقاب، تبرر بقاء الرقابة الدولية.
في المقابل، دافعت دول مثل فنزويلا وكوبا وروسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية وإريتريا عن مقاربة قائمة على عدم التدخل ورفض الولايات القطرية غير الموافق عليها، واعتبرت أن الأولوية يجب أن تكون للتعاون التقني وبناء القدرات، لا للضغط السياسي أو فرض آليات رقابية على دولة ذات سيادة، كما شددت بعض هذه المداخلات على أن الاستعراض الدوري الشامل هو الإطار الأكثر توازناً وموضوعية.
لكن السؤال الحقوقي يبقى: هل يكفي التعاون التقني إذا كانت الانتهاكات المزعومة مستمرة؟ وهل يمكن الاعتماد على الآليات الوطنية وحدها إذا كان المجتمع المدني نفسه يشتكي من التضييق؟ فالرقابة الدولية لا تصبح مبررة فقط بسبب وجود انتهاكات، بل أيضاً عندما تكون هناك مخاوف من ضعف المساءلة الداخلية أو غياب الشفافية أو عدم تعاون الدولة مع الآليات المستقلة.
ومن القضايا التي عززت مطالب المساءلة الحديث المتكرر عن الاعتقالات التعسفية، والاختفاء القسري، والتعذيب، والعنف الجنسي والجندري، والتضييق على الإعلام والمعارضة، كما أثير ملف عدم تعاون بوروندي مع المحكمة الجنائية الدولية بعد سنوات من فتح تحقيقات في جرائم مزعومة ضد الإنسانية خلال الفترة المرتبطة بأزمة 2015، وهذا الملف تحديداً يضع خطاب السيادة أمام اختبار صعب: فرفض الولاية الدولية يصبح أكثر إشكالية عندما لا تقابله مساءلة وطنية فعالة.
في الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل أن بوروندي وداعميها يحاولون إبراز جوانب أخرى من الصورة: المصالحة، والتنمية، وتخفيف اكتظاظ السجون، وعودة بعض اللاجئين، وتمثيل النساء في المؤسسات، وهذه عناصر يمكن أن تكون مهمة إذا جاءت ضمن مسار إصلاح حقيقي، لكن المشكلة، كما أشار المقرر الخاص وعدد من المنظمات، أن المؤشرات الإيجابية المحدودة لا تكفي لإخفاء استمرار القيود البنيوية على الحقوق والحريات.
اللافت أن كثيراً من المداخلات الداعمة لبوروندي ربطت بين حقوق الإنسان والتنمية والاستقرار، وهذا الربط صحيح من حيث المبدأ، لكنه يصبح ناقصاً إذا استخدم لتأجيل الحقوق المدنية والسياسية أو تقليل أهمية حرية التعبير والتنظيم والمساءلة، فالتنمية لا تكون بديلاً عن الحقوق، كما أن الاستقرار لا يمكن أن يقوم على إغلاق المجال العام أو إسكات الأصوات المعارضة.
ومن ناحية أخرى، فإن الدول والمنظمات التي تدعو إلى استمرار الرقابة الدولية مطالبة أيضاً بتجنب تحويل الملف إلى مواجهة سياسية مجردة، فالمساءلة تكون أقوى عندما تُبنى على أدلة واضحة، وتوصيات عملية، ودعم فعلي للضحايا والمجتمع المدني، لا على بيانات عامة فقط، وهذا ما حاول المقرر الخاص التأكيد عليه حين دعا إلى دعم منظمات المجتمع المدني داخل بوروندي وفي المنفى، وتوثيق الانتهاكات، واستخدام الاستعراض الدوري الشامل لتسليط الضوء على توصيات الهيئات الأممية.
تمثل انتخابات 2027 اختباراً أساسياً لهذا الجدل، فإذا فتحت بوروندي حواراً سياسياً شاملاً، وأفرجت عن المحتجزين السياسيين، وسمحت بالمراقبة الدولية، وحمت الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، فقد يتحول خطاب السيادة إلى إطار إيجابي للإصلاح الوطني، أما إذا استمرت القيود والرفض وعدم التعاون، فسيبقى خطاب السيادة في نظر المنتقدين غطاءً لإغلاق المجال العام.
في النهاية، لا ينبغي النظر إلى السيادة والمساءلة كخصمين مطلقين، السيادة الحقيقية تعني قدرة الدولة على حماية مواطنيها وضمان حقوقهم، لا فقط رفض الرقابة الخارجية، والمساءلة الدولية لا تهدف بالضرورة إلى إضعاف الدولة، بل إلى منع الإفلات من العقاب عندما تفشل الآليات الوطنية أو تُقيد.
تكشف حالة بوروندي أن التحدي الأكبر ليس في اختيار أحد المسارين فقط، بل في تحويل السيادة إلى مسؤولية، والرقابة الدولية إلى أداة حماية لا أداة صراع سياسي، وحتى يتحقق ذلك، ستبقى الأسئلة مفتوحة أمام مجلس حقوق الإنسان: هل تستطيع بوروندي أن تقدم ضمانات حقيقية قبل انتخابات 2027؟ وهل يكفي خطاب الإصلاح من دون فتح المجال أمام المجتمع المدني والمعارضة والرقابة المستقلة؟ الإجابة عن هذه الأسئلة ستحدد ما إذا كانت البلاد تتجه نحو انفراج حقوقي، أم نحو استمرار الأزمة تحت عنوان السيادة.
