بين وعود التحول إلى الطاقة النظيفة وواقع التعدين في جمهورية الكونغو الديمقراطية، يبرز الكوبالت بوصفه أحد أكثر المعادن إثارة للجدل حقوقياً، في ظل تحذيرات دولية من عمالة الأطفال، وظروف العمل الخطرة، وضعف الشفافية في سلاسل التوريد العالمية.
يرتبط التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة غالباً بخفض الانبعاثات ومواجهة تغير المناخ، لكن خلف بطاريات السيارات الكهربائية والهواتف الذكية وتقنيات تخزين الطاقة، تتصاعد أسئلة حقوقية حول الكلفة الإنسانية لاستخراج المعادن التي يقوم عليها هذا التحول.
وتقف جمهورية الكونغو الديمقراطية في قلب هذا الجدل، بوصفها المصدر الأكبر للكوبالت في العالم، فالمعدن الذي يمثل عنصراً أساسياً في بطاريات الليثيوم المستخدمة في السيارات الكهربائية والأجهزة الإلكترونية، يرتبط في بعض مناطق إنتاجه بمخاطر عمالية وحقوقية خطِرة، خصوصاً في التعدين الحرفي والصغير النطاق.
معدن استراتيجي
تؤكد هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية أن جمهورية الكونغو الديمقراطية هي المصدر العالمي الأول للكوبالت المستخرج من المناجم، إذ استحوذت على نحو 74% من إنتاج المناجم عالمياً في 2023.
وتشير بيانات رويترز إلى أن الكونغو الديمقراطية توفر أكثر من 70% من الإنتاج العالمي، وتمتلك نحو 72% من احتياطيات الكوبالت العالمية، ما يجعلها حلقة مركزية في سلاسل توريد البطاريات والسيارات الكهربائية.
وتوضح منصة “عالمنا في البيانات” أن نحو ثلاثة أرباع الكوبالت المستخرج عالمياً يأتي من الكونغو الديمقراطية، في حين تتم غالبية عمليات التكرير خارجها، خصوصاً في الصين، وهو ما يعكس اختلالاً بين موقع البلاد في الاستخراج ومحدودية دورها في القيمة الصناعية النهائية.
طلب متزايد
تؤكد رويترز أن الطلب العالمي على الكوبالت مرشح للارتفاع بنحو 40% بحلول عام 2030، مدفوعاً بتوسع صناعة البطاريات والسيارات الكهربائية وتقنيات التخزين.
ويجعل هذا النمو المتوقع ملف حقوق الإنسان في سلاسل التوريد أكثر إلحاحاً؛ لأن التحول إلى الطاقة النظيفة لا يمكن أن يحقق عدالة مناخية إذا ارتبط في مراحله الأولى بانتهاكات عمالية أو تهجير قسري أو عمل أطفال.
وتقول منظمة العفو الدولية إن العدالة المناخية تتطلب انتقالاً عادلاً، لا يكتفي بخفض الانبعاثات، بل يحمي المجتمعات المتضررة من التعدين ويضمن احترام الحقوق الأساسية في مناطق استخراج المعادن.
عمالة الأطفال
تؤكد منظمة الأمم المتحدة للطفولة أن الأطفال العاملين في المناجم يتعرضون لمخاطر صحية وحماية خطِرة، ويحرمون في كثير من الأحيان من التعليم، لذلك تعمل المنظمة، بالتعاون مع التحالف العالمي للبطاريات، على دعم إعادة إدماج أطفال خرجوا من العمل في التعدين داخل المدارس في مناطق التعدين بالكونغو الديمقراطية.
وفي نوفمبر 2024 أطلقت منظمة العمل الدولية مشروع “غالاب” في جمهورية الكونغو الديمقراطية بهدف تعزيز قدرة الحكومة والشركاء على القضاء على عمل الأطفال في قطاع الكوبالت، تحت هدف معلن هو الوصول إلى “صفر أطفال في قطاع التعدين”.
وتصف منظمة العمل الدولية استخراج الكوبالت، سواء في المناجم الصناعية أو الحرفية، بأنه نشاط شديد الخطورة على الأطفال، وترتبط به معدلات مرتفعة من المخاطر الصحية والوفيات.
تعدين هش
لا تقتصر المشكلة على وجود الأطفال في بعض مواقع التعدين، بل تمتد إلى طبيعة التعدين الحرفي نفسه، فوفق البنك الدولي، تحتاج سلاسل توريد الكوبالت في الكونغو الديمقراطية إلى تحسينات كبيرة في التتبع والشفافية، وإلا فقد تفقد البلاد جزءاً من موقعها الاستراتيجي على المدى الطويل.
وتشير مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية إلى أن قطاع التعدين الحرفي والصغير النطاق يحتاج إلى أطر أكثر وضوحاً للتتبع، وحوار منظم بين الدولة والشركات والمعدنين الحرفيين، إضافة إلى إحصاءات موثوقة تعكس حجم القطاع ودوره الاقتصادي.
وقد أظهر تقرير سوق الكوبالت لعام 2024 الصادر عن معهد الكوبالت أن حصة التعدين الحرفي في إنتاج الكونغو تراجعت في 2024 إلى أقل من 2% بحسب تقديرات “بنشمارك”، بعد أن كانت أعلى من ذلك في فترات سابقة، لكنه أشار إلى أن إنتاج التعدين الحرفي يظل شديد الحساسية لتقلبات الأسعار وقد يرتفع مجدداً مع تغير ظروف السوق.
مسؤولية الشركات
ترى منظمة العفو الدولية ومنظمة “أفرو ووتش” أن شركات التكنولوجيا والسيارات الكهربائية تتحمل مسؤولية حقوقية في فحص سلاسل توريدها، بعدما وثقتا منذ 2016 مخاطر ارتباط الكوبالت المستخدم في الهواتف الذكية والسيارات الكهربائية بعمل الأطفال في الكونغو الديمقراطية.
وفي 2017، قالت منظمة العفو الدولية، إن عدداً من كبريات شركات الإلكترونيات والسيارات الكهربائية لم يبذل ما يكفي لمنع دخول انتهاكات حقوق الإنسان إلى سلاسل توريد الكوبالت، خصوصاً بسبب ضعف الشفافية وعدم نشر تقييمات واضحة للمخاطر لدى الموردين.
وفي أكتوبر 2024 نشرت منظمة العفو الدولية تصنيفاً حقوقياً لصناعة السيارات الكهربائية خلص إلى أن عدداً من كبار المصنعين لا يثبتون بصورة كافية كيفية تعاملهم مع مخاطر حقوق الإنسان في سلاسل توريد المعادن المستخدمة في البطاريات.
تهجير وانتهاكات
لا تقتصر المخاوف الحقوقية على التعدين الحرفي، ففي سبتمبر 2023 قالت منظمة العفو الدولية إن توسع المناجم الصناعية للكوبالت والنحاس في الكونغو الديمقراطية أدى إلى إخلاءات قسرية وانتهاكات جسيمة، شملت اعتداءات وحرقاً وضرباً في بعض الحالات التي وثقتها المنظمة.
وتكشف هذه الوقائع أن “الاقتصاد الأخضر” قد يحمل آثاراً اجتماعية قاسية إذا جرى التوسع في استخراج المعادن دون حماية المجتمعات المحلية، أو دون تعويض عادل، أو دون رقابة مستقلة على تعامل الشركات والسلطات مع السكان.
ولهذا تتحول قضية الكوبالت إلى اختبار حقيقي لمفهوم “الانتقال العادل”.. هل يكون التحول البيئي طريقاً لحماية الناس والكوكب معاً، أم ينتج أنماطاً جديدة من الاستغلال باسم الطاقة النظيفة؟
شفافية في الكونغو الديمقراطية
بدأت الكونغو الديمقراطية خلال السنوات الأخيرة خطوات لتنظيم التعدين الحرفي وتعزيز التتبع، وفي نوفمبر 2025 أعلنت البلاد إنتاج أول 1,000 طن متري من الكوبالت الحرفي القابل للتتبع، في خطوة وصفتها رويترز بأنها محاولة لتنظيف سلاسل التوريد ومواءمتها مع المعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة.
وفي ديسمبر 2025 علقت السلطات الكونغولية معالجة وتسويق النحاس والكوبالت الحرفيين ضمن حملة لمكافحة الفساد والصادرات غير القانونية وتعزيز التحقق من مصدر المعادن.
وتظهر هذه الخطوات أن معالجة الانتهاكات لا تتطلب إقصاء التعدين الحرفي بالكامل، بل تنظيمه، وتحسين شروط السلامة، ومنع عمل الأطفال، وضمان دخل كريم للعمال، وربط التصدير بنظم تتبع مستقلة وشفافة.
الكوبالت في الكونغو الديمقراطية
تكشف تجربة الكوبالت في الكونغو الديمقراطية أن الطاقة النظيفة ليست عادلة تلقائياً. فالتحول الأخضر لا يقاس فقط بانخفاض الانبعاثات، بل أيضاً بمدى احترام حقوق العمال والأطفال والمجتمعات المحلية في مواقع استخراج المعادن.
وتؤكد مصادر دولية وحقوقية، من منظمة العمل الدولية واليونيسف إلى منظمة العفو الدولية والبنك الدولي، أن مستقبل سلاسل توريد الكوبالت يتوقف على ثلاثة شروط أساسية؛ القضاء على عمل الأطفال، حماية العمال والمجتمعات، وفرض شفافية حقيقية على الشركات التي تربح من هذا المعدن الاستراتيجي.
بطاريات المستقبل ينبغي ألا تُبنى على انتهاكات الحاضر، والانتقال إلى الطاقة النظيفة لا يكتمل إلا إذا كان انتقالاً عادلاً يحمي المناخ والإنسان معاً.
مسؤولية تتجاوز الحدود
يرى الباحث القانوني أحمد أبوهزيم أن العمل القسري في قطاع استخراج المعادن النادرة في جمهورية الكونغو الديمقراطية يمثل انتهاكاً خطِراً للقانون الدولي لحقوق الإنسان ومعايير العمل الدولية، خاصة عندما يرتبط بالإكراه على العمل أو استغلال الأطفال أو تشغيل العمال في بيئات تفتقر إلى الحد الأدنى من شروط السلامة والكرامة الإنسانية.
ويشير أبوهزيم، في حديثه لمنصة “صفر”، إلى أن خطورة القضية لا تقتصر على الانتهاكات المحلية، بل تمتد إلى ارتباط هذه المعادن بسلاسل التوريد العالمية التي تعتمد عليها الصناعات التكنولوجية وقطاع الطاقة المتجددة حول العالم.
ويؤكد أن الحكومة الكونغولية تتحمل المسؤولية الرئيسة في حماية العمال وتطبيق قوانين العمل ومكافحة الاستغلال، إلا أن المسؤولية لا تقع على عاتق الدولة وحدها، بل تشمل أيضاً الشركات متعددة الجنسيات والدول المستوردة للمعادن.
ويضيف أن المعايير الدولية الحديثة تفرض على الشركات ممارسة العناية الواجبة والتحقق من مصادر المعادن المستخدمة في منتجاتها، ما يضمن خلو سلاسل التوريد من العمل القسري والانتهاكات الحقوقية.
التحول الأخضر وامتحان العدالة
تكشف تجربة الكوبالت في جمهورية الكونغو الديمقراطية أن نجاح التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة لا يقاس فقط بقدرته على خفض الانبعاثات أو تطوير التقنيات الحديثة، بل أيضاً بمدى احترامه لحقوق الإنسان داخل سلاسل الإنتاج التي يقوم عليها.
وكلما ارتفع الطلب على المعادن الاستراتيجية، ازدادت الحاجة إلى رقابة أكثر فعالية وشفافية كبرى وضمانات حقيقية تحمي العمال من الاستغلال.
وفي عالم يسعى إلى بناء اقتصاد أكثر استدامة، لا تبدو العدالة الاجتماعية وحقوق العمال قضية منفصلة عن التحول الأخضر، بل شرط أساسي لنجاحه واستمراره.

