في الوقت الذي يتواصل فيه البحث عن مصادر الفيروسات النادرة مثل “هانتا”، يظل الخطر الأكبر على صحة البشر آتياً من كائن أصغر بكثير وأكثر شيوعاً.. البعوض، فهذه الحشرة الدقيقة لا تُعد مجرد مصدر إزعاج موسمي، بل واحدة من أخطر النواقل المرضية في العالم، إذ ترتبط بأمراض واسعة الانتشار مثل الملاريا وحمى الضنك والحمى الصفراء وفيروس زيكا، وتُسهم في مئات آلاف الوفيات سنوياً.
وبينما تتطور الأبحاث للحد من خطرها، يتصاعد في المقابل نقاش علمي وأخلاقي معقد حول مدى مشروعية الذهاب إلى أبعد من المكافحة التقليدية، نحو التعديل الجيني أو حتى استهداف بعض الأنواع بالإزالة.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن الأمراض المنقولة بالنواقل تمثل أكثر من 17% من جميع الأمراض المعدية، وتتسبب في أكثر من 700 ألف وفاة سنوياً. وتُعد الملاريا وحدها من أخطر هذه الأمراض، إذ سجل العالم في عام 2023 نحو 263 مليون حالة إصابة و597 ألف وفاة.
وتبقى الغالبية العظمى من هذه الوفيات في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، وبخاصة في إفريقيا، حيث يتحمل الأطفال دون الخامسة العبء الأكبر.

مستوى قياسي من الإصابات
لا يتوقف الخطر عند الملاريا، فحمى الضنك التي ينقلها أساساً بعوض الزاعجة المصرية تشهد توسعاً لافتاً على مستوى العالم.
وتقول منظمة الصحة العالمية إن عام 2024 شهد مستوى قياسياً من الإصابات تجاوز 14.6 مليون حالة وأكثر من 12 ألف وفاة، في حين سُجل خلال الفترة من يناير إلى يوليو 2025 أكثر من 4 ملايين حالة وأكثر من 3 آلاف وفاة في 97 دولة.
كما تشير تقديرات نمذجة إلى وقوع نحو 390 مليون إصابة بفيروس الضنك سنوياً، منها 96 مليوناً تظهر بأعراض سريرية.
سر خطورة البعوض لا يكمن فقط في عدده، بل في قدرته الفائقة على التكيف والانتشار، ووفق مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها الأمريكية، فإن الإناث وحدهن من يلدغن البشر والحيوانات، لأنها تحتاج إلى وجبة دم لإنتاج البيض، في حين يعيش البعوض في بيئات داخلية وخارجية ويمكنه اللسع نهاراً أو ليلاً بحسب النوع.
هذه الخصائص البيولوجية تجعل مواجهته أكثر تعقيداً؛ لأنه يستفيد من قربه الشديد من النشاط البشري ومن سهولة تكاثره في المياه الراكدة الصغيرة.

سلالات من عصور قديمة
من الناحية التطورية، لا يُعد البعوض كائناً حديثاً على الإطلاق، فالأبحاث العلمية تشير إلى أن سلالة البعوض تعود إلى العصر الجوراسي، مع العثور على أحافير مبكرة في كهرمان من العصر الطباشيري.
وهذا الامتداد الزمني الطويل يعكس قصة نجاح بيولوجي نادرة، إذ تمكنت هذه الحشرة من البقاء والتكيف عبر تحولات بيئية هائلة على امتداد ملايين السنين.
اليوم، لا يتحرك البعوض داخل حدوده القديمة فقط، بل يستفيد من تغير المناخ والتمدن غير المخطط له وحركة السكان، وتوضح منظمة الصحة العالمية أن ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة والأمطار، إلى جانب هشاشة الأنظمة الصحية والاضطرابات السياسية والتحركات السكانية، كلها عوامل أسهمت في اتساع رقعة الضنك.
كما تربط المنظمة بين التوسع العمراني غير المنظم وزيادة فرص انتقال العدوى بسبب كثافة السكان، وممارسات تخزين المياه، وضعف الوصول إلى مصادر مياه موثوقة.
بمعنى آخر، فإن مكافحة البعوض لم تعد قضية صحية فقط، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بسياسات الإسكان والمياه والصرف الصحي والتخطيط الحضري والعدالة المناخية، فكلما ازداد الضغط على الخدمات الأساسية، ازداد المجال الحيوي أمام النواقل المرضية، وازدادت احتمالات تحوّل التفشيات المحلية إلى تهديدات إقليمية أو عالمية.

محاولات الحد من خطره؟
حتى الآن، لا تزال الأدوات التقليدية في صدارة المواجهة: الناموسيات المعالجة بالمبيدات، الرش، إدارة المياه الراكدة، تحسين الصرف الصحي، المراقبة الوبائية، والتوعية المجتمعية.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن الوقاية من الضنك، على سبيل المثال، تعتمد بشكل أساسي على خفض التعرض للدغات البعوض ومنع تكاثره، من خلال تغطية أوعية المياه، والتخلص من المخلفات التي تحتجز الماء، واستخدام الطاردات والشِباك الواقية.
لكن مع تزايد مقاومة المبيدات، وتوسع رقعة الأمراض، وتباطؤ المكاسب في بعض المناطق، تتجه الأبحاث أكثر فأكثر إلى أدوات جديدة، منها البعوض المعدل وراثياً أو تقنيات “الدفع الجيني” التي تهدف إما إلى تقليص أعداد أنواع بعينها أو تعديلها بحيث تصبح أقل قدرة على نقل الأمراض.
ولهذا أصدرت منظمة الصحة العالمية توجيهات خاصة للبحث في البعوض المعدل وراثياً، مؤكدة ضرورة الالتزام بمعايير تتعلق بالأخلاقيات والسلامة والفعالية والكلفة وإمكانية الإتاحة.

هل يمكن القضاء عليه؟
الإجابة العلمية الأقرب هي.. ليس على نحو شامل، ولا بالضرورة هذا هو الهدف، فالقضاء على جميع أنواع البعوض عالمياً ليس هدفاً عملياً أو متفقاً عليه؛ لأن الحديث يدور عن آلاف الأنواع المنتشرة في نظم بيئية مختلفة، ولأن جزءاً من النقاش العلمي ينبه إلى أن إزالة مجموعات حيوية واسعة قد تكون لها آثار غير محسوبة على السلاسل الغذائية والأنظمة البيئية.
بدلاً من ذلك، يتركز النقاش الجاد على استهداف عدد محدود من الأنواع الأشد خطراً على الإنسان، وخاصة تلك المرتبطة بقوة بنقل الملاريا والضنك وزيكا والحمى الصفراء.
وفي هذا الإطار، لا يتحدث العلماء فقط عن “الإبادة”، بل أيضاً عن “التحكم” و”الاحتواء” و”الإضعاف الوراثي” و”المنع من نقل المرض”، أي إن الهدف العملي هو تقليل العبء المرضي على البشر، لا خوض حرب شاملة على كل البعوض.


