تكشف المدن الكبرى أحياناً مفارقة يصعب تجاهلها؛ فبينما تقود النمو الاقتصادي وتستقطب الاستثمارات، تحتضن في الوقت ذاته أحياء يعيش سكانها على هامش ثمار هذا النمو.
وفي العاصمة الفلبينية مانيلا، تمثل منطقة توندو إحدى أبرز صور هذه المفارقة، حيث يتقاطع الاكتظاظ السكاني مع الفقر وضعف الخدمات الأساسية، لتتحول الحقوق الاقتصادية والاجتماعية إلى تحديات يومية تواجه مئات الآلاف من السكان.
وتبرز توندو نموذجاً يعكس الفجوة بين المؤشرات الاقتصادية الوطنية والواقع المعيشي للفئات الأكثر هشاشة، إذ يبقى الوصول إلى السكن الملائم، والرعاية الصحية، والتعليم، والعمل اللائق، تحدياً مستمراً رغم التحسن الذي سجلته الفلبين في معدلات الحد من الفقر خلال السنوات الأخيرة.
الاكتظاظ يضاعف الضغوط
تضم توندو أكثر من 637 ألف نسمة وفق بيانات هيئة الإحصاء الفلبينية لعام 2024، ما يجعلها كبرى المناطق الإدارية في مدينة مانيلا من حيث عدد السكان.
ويعيش كثير من سكانها في مساكن متلاصقة داخل أحياء غير رسمية تعاني نقصاً في المساحات والخدمات، الأمر الذي يفرض ضغوطاً متزايدة على شبكات المياه والصرف الصحي وإدارة النفايات والمرافق الصحية والتعليمية.
ولا يقتصر أثر هذا الواقع على تراجع مستوى الخدمات، بل ينعكس أيضاً على الصحة العامة وجودة الحياة، ويزيد من هشاشة السكان أمام الحرائق والفيضانات والأوبئة.
وتشير بيانات هيئة الإحصاء الفلبينية إلى انخفاض معدل الفقر على المستوى الوطني إلى 15.5% عام 2023، مقارنة بـ 18.1% عام 2021، إلا أن أكثر من 17.5 مليون شخص ما زالوا يعيشون تحت خط الفقر، في حين تعجز نسبة من الأسر عن تأمين احتياجاتها الغذائية الأساسية.
ويرى مختصون أن هذه المؤشرات لا تعكس واقع المناطق الحضرية الفقيرة، حيث تتداخل البطالة، والعمل غير المنظم، وارتفاع تكاليف المعيشة، مع محدودية الخدمات العامة، لتبقي آلاف الأسر في دائرة الفقر متعدد الأبعاد.
حق السكن اللائق
يمثل السكن أحد أبرز التحديات في توندو، إذ تنتشر مساكن غير رسمية أقيمت في مناطق ضيقة أو بمحاذاة الممرات المائية والطرق العامة، ما يجعل سكانها أكثر عرضة للإخلاءات والحرائق والكوارث الطبيعية.
وتؤكد الأمم المتحدة أن الحق في السكن لا يقتصر على وجود مأوى، وإنما يشمل الأمن القانوني للحيازة، وتوافر المياه والصرف الصحي، وسلامة المباني، وإمكانية الوصول إلى الخدمات الأساسية، وهي معايير ما تزال تواجه تحديات كبيرة في عدد من الأحياء الفقيرة داخل العاصمة الفلبينية.
ويفرض الاكتظاظ وضعف البنية التحتية ضغوطاً مستمرة على القطاعين الصحي والتعليمي. فازدحام المرافق الصحية، وارتفاع احتمالات انتشار الأمراض المعدية، والصعوبات الاقتصادية التي تدفع بعض الأطفال إلى مغادرة مقاعد الدراسة والانخراط في سوق العمل مبكراً، جميعها عوامل تحد من تكافؤ الفرص وتؤثر في تمتع السكان بحقوقهم الأساسية.
وتشير الأمم المتحدة إلى أن تحقيق أهداف التنمية المستدامة في الفلبين يتطلب تعزيز الاستثمار في الخدمات العامة وتقليص الفجوات الاجتماعية، خصوصاً في المناطق الحضرية الأكثر هشاشة.
التنمية مسؤولية حقوقية
يرى الخبير القانوني المختص بحقوق الإنسان كمال بن عمر أن الأوضاع في توندو تتجاوز كونها مشكلة تنموية، لتشكل قضية حقوق إنسان تمس الحقوق الاقتصادية والاجتماعية التي يكفلها العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
ويؤكد ابن عمر، في حديثه لـ”صفر”، أن استمرار الفقر والاكتظاظ ينعكس مباشرة على الحق في السكن والصحة والتعليم والعمل اللائق، كما يزيد من تعرض السكان للإخلاءات القسرية والعمل غير المنظم وغياب الحماية الاجتماعية.
ويضيف أن مسؤولية الدولة لا تقتصر على تحسين البنية التحتية، بل تشمل توسيع برامج الإسكان الاجتماعي، وتطوير شبكات المياه والصرف الصحي، وتوفير فرص العمل، وإشراك المجتمعات المحلية في إعداد وتنفيذ خطط تطوير الأحياء الفقيرة، ما يضمن عدم تحول مشاريع التنمية إلى سبب إضافي لتهميش السكان.
التنمية تقاس بكرامة الإنسان
تعكس تجربة توندو تحدياً يتكرر في كثير من المدن سريعة النمو، حيث لا تكفي المؤشرات الاقتصادية للحكم على نجاح السياسات العامة إذا بقيت الفئات الأكثر هشاشة محرومة من حقوقها الأساسية، فالتنمية التي لا تضمن السكن الملائم، والخدمات الأساسية، والعمل اللائق، تظل تنمية ناقصة مهما ارتفعت معدلات النمو.
وفي هذا السياق، تبقى حماية الحق في الحياة الكريمة والحد من الفقر الحضري وتعزيز العدالة في توزيع الخدمات، من أهم المؤشرات على قدرة الدول على تحويل النمو الاقتصادي إلى تنمية يشعر بها جميع المواطنين، ولا سيما أولئك الذين يعيشون في أطراف المدن وعلى هامشها.
