منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

الغضب الشعبي.. البطالة والفقر يشعلان موجات كراهية الأجانب في جنوب إفريقيا

28 مايو 2026
مظاهرات شعبية ضد المهاجرين في جنوب إفريقيا
مظاهرات شعبية ضد المهاجرين في جنوب إفريقيا

تعيش جنوب إفريقيا واحدة من أكثر أزماتها الاجتماعية والحقوقية تعقيدا منذ نهاية نظام الفصل العنصري، مع تصاعد الهجمات والخطابات المعادية للمهاجرين واللاجئين في ظل أزمة اقتصادية خانقة وارتفاع معدلات البطالة والفقر والجريمة، وبينما تحذر الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان من انفجار موجات جديدة من العنف الجماعي ضد الأجانب، تتزايد المخاوف من تحول ملف الهجرة إلى قنبلة اجتماعية وسياسية تهدد الاستقرار الداخلي في أكبر اقتصاد صناعي بالقارة الإفريقية.

وتشير بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن جنوب إفريقيا تستضيف خلال عام 2025 أكثر من 167 ألف لاجئ وطالب لجوء مسجلين رسميا، إضافة إلى مئات آلاف المهاجرين القادمين من دول إفريقية مجاورة، أبرزها زيمبابوي وموزمبيق والكونغو الديمقراطية والصومال وإثيوبيا ونيجيريا، وأكدت المفوضية أن معظم اللاجئين يعيشون داخل المدن والمناطق الحضرية وليسوا داخل مخيمات، ما يجعلهم أكثر عرضة للاحتكاك المباشر بالأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة داخل البلاد، ووفقا للمفوضية، يواجه اللاجئون والمهاجرون في جنوب إفريقيا تحديات متزايدة تتعلق بالعنصرية والتمييز والعنف وصعوبة الوصول إلى الخدمات الأساسية والعمل والسكن.

اقتصاد مأزوم وغضب متصاعد

وتكشف بيانات هيئة الإحصاء الجنوب إفريقية أن معدل البطالة الرسمي بلغ خلال الربع الأول من عام 2025 نحو 32.9 بالمئة، بينما وصل معدل البطالة الموسع، الذي يشمل المحبطين من البحث عن العمل، إلى 43.1 بالمئة، وهو من أعلى المعدلات عالميا، كما تجاوز عدد العاطلين عن العمل 8.2 مليون شخص، وسط استمرار تباطؤ النمو الاقتصادي وارتفاع معدلات التضخم والفقر وانقطاع الكهرباء وتراجع الخدمات العامة.

ويعيش أكثر من 55 بالمئة من سكان جنوب إفريقيا تحت خط الفقر بحسب بيانات البنك الدولي، فيما تصنف البلاد ضمن أكثر دول العالم تفاوتا في توزيع الثروة والدخل، كما أظهرت بيانات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي استمرار اتساع الفجوة الاجتماعية بين الأحياء الفقيرة والمناطق الغنية، خاصة داخل المدن الكبرى مثل جوهانسبرغ وديربان وكيب تاون.

ويرى باحثون في مركز الدراسات الإفريقية بجامعة ويتواترسراند أن الأزمة الاقتصادية العميقة أسهمت في خلق بيئة خصبة لتنامي الخطاب الشعبوي المعادي للمهاجرين، خاصة مع تصاعد الغضب الشعبي من البطالة وتدهور الخدمات العامة وعجز الحكومات المتعاقبة عن تحقيق إصلاحات اقتصادية ملموسة.

صعود جماعات الحراسة الأهلية

وتقود جماعات مناهضة للهجرة، أبرزها أوبريشن دودولا ومارش آند مارش، حملات متصاعدة ضد المهاجرين في عدد من المدن الجنوب أفريقية، مطالبة بترحيل الأجانب وتشديد القيود على الهجرة غير النظامية.

وأكد تقرير صادر عن منظمة هيومن رايتس ووتش خلال عام 2026 أن هذه الجماعات نفذت أعمال ترهيب وهجمات واعتداءات ضد مهاجرين أفارقة وآسيويين، إضافة إلى استهداف متاجر يملكها أجانب في أحياء فقيرة ومناطق تجارية شعبية، كما أشار التقرير إلى أن بعض الجماعات نظمت عمليات تفتيش غير قانونية داخل الأحياء والأسواق بحثا عن مهاجرين غير موثقين.

وتظهر منشورات متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي دعوات صريحة تطالب المهاجرين بمغادرة البلاد، وسط تحذيرات من تصاعد أعمال العنف الجماعي ضد الأجانب خلال الفترة المقبلة.

ووفق منظمة العفو الدولية، فإن خطاب الكراهية ضد المهاجرين في جنوب إفريقيا تصاعد بصورة ملحوظة خلال العامين الماضيين، خاصة عبر المنصات الرقمية وبعض الحملات السياسية والشعبوية التي تربط بين الهجرة والجريمة والبطالة وتراجع الخدمات.

المهاجرون بين الخوف والعزلة

وتكشف شهادات المهاجرين عن حالة خوف متزايدة داخل المجتمعات الأجنبية في جنوب إفريقيا، ونقلت منظمة هيومن رايتس ووتش عن مهاجر كاميروني مقيم في ديربان تعرض متجره لهجوم عنيف خلال احتجاجات استهدفت متاجر يملكها أجانب في أبريل 2026.

وأوضح الرجل أن مجموعة من المهاجمين اقتحمت متجره بعد تحطيم الباب واعتدت عليه وعلى زملائه باستخدام العصي والسياط والغاز المسيل للدموع وأجهزة الصعق الكهربائي، مؤكدا أن الشرطة لم تتدخل لحمايتهم، كما تحدث مهاجرون آخرون عن تعرضهم للطرد من منازلهم وفقدان أعمالهم التجارية ومصادر دخلهم بسبب حملات التحريض ضد الأجانب، خاصة في المناطق المحيطة بديربان وبيترماريتسبورغ وبريتوريا.

وأكد اتحاد اللاجئين والمهاجرين في جنوب إفريقيا أن كثيرا من اللاجئين باتوا يخشون مغادرة منازلهم أو التوجه إلى الأسواق وأماكن العمل خوفا من التعرض للاعتداءات أو التوقيف التعسفي.

الحرمان من العلاج والتعليم

وأصبحت الأزمة أكثر خطورة مع انتقال الممارسات العدائية من التحريض السياسي إلى التضييق المباشر على الحياة اليومية للمهاجرين.

وأكد تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش لعام 2026 أن جماعات مناهضة للهجرة منعت مهاجرين ولاجئين من دخول مستشفيات ومراكز صحية ومدارس حكومية، رغم أن الدستور الجنوب إفريقي يكفل الحق في الصحة والتعليم لجميع المقيمين دون تمييز.

وأشار التقرير إلى حادثة وفاة طفل مالاوي يبلغ عاما واحدا بعد منع عائلته من الوصول إلى العلاج داخل مركزين صحيين بسبب عدم امتلاك الأسرة وثائق جنوب إفريقية، وأثارت الحادثة موجة انتقادات واسعة من منظمات حقوقية محلية ودولية اعتبرت ما جرى انتهاكا خطيرا للحق في الحياة والرعاية الصحية.

كما أصدرت محكمة غوتنغ العليا في نوفمبر 2025 أمرا قضائيا يمنع مؤيدي حركة أوبريشن دودولا من عرقلة وصول المهاجرين إلى المرافق الصحية العامة، بعد تزايد الشكاوى من منع المرضى الأجانب من تلقي العلاج.

الأحزاب الشعبوية وتأجيج الأزمة

وتشير تقارير سياسية إلى أن بعض الأحزاب الشعبوية استغلت تصاعد الغضب الشعبي لتوسيع خطابها المعادي للمهاجرين، خاصة قبل الانتخابات الأخيرة.

وأكد تقرير صادر عن معهد الدراسات الأمنية في بريتوريا أن قوى سياسية عدة لجأت إلى تحميل المهاجرين مسؤولية البطالة والجريمة والضغط على الخدمات العامة، بهدف استقطاب الناخبين الغاضبين من التدهور الاقتصادي.

كما حذر مركز العدالة الاجتماعية بجامعة كيب تاون من أن استمرار استخدام ملف الهجرة في الصراعات السياسية الداخلية قد يؤدي إلى ترسيخ الكراهية والعنف المجتمعي ضد الأجانب.

مسؤولية الجريمة

ورغم الخطاب السياسي والشعبي المتصاعد ضد الأجانب، تؤكد دراسات أكاديمية أن تحميل المهاجرين مسؤولية الجريمة والبطالة يفتقر إلى الأدلة العلمية.

وأظهر تقرير صادر عن جامعة جوهانسبرغ أن معدلات الجريمة في جنوب إفريقيا ترتبط بصورة أساسية بالفقر والبطالة وضعف المؤسسات الأمنية وانتشار العصابات، وليس بوجود المهاجرين.

كما أكدت الدراسة أن المهاجرين يسهمون بصورة كبيرة في قطاعات التجارة الصغيرة والعمل غير الرسمي والخدمات.

ووفقا لمنظمة العمل الدولية، فإن نسبة كبيرة من المهاجرين يعملون في وظائف منخفضة الأجر يرفض كثير من المواطنين العمل فيها، خاصة في قطاعات الزراعة والبناء والخدمات والأسواق الشعبية.

الأمم المتحدة تدق ناقوس الخطر

وأعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال أبريل 2026 عن قلقه إزاء تصاعد المضايقات والهجمات ذات الطابع المعادي للأجانب في جنوب إفريقيا، داعيا السلطات إلى ضمان حماية المهاجرين واللاجئين ومحاسبة المسؤولين عن أعمال العنف والتحريض.

كما طالبت اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب الحكومة الجنوب إفريقية بفتح تحقيقات عاجلة في الهجمات ضد الأجانب وضمان توفير الحماية القانونية والأمنية للضحايا.

وأكدت لجنة الأمم المتحدة للقضاء على التمييز العنصري أن جنوب إفريقيا مطالبة، بموجب التزاماتها الدولية، باتخاذ إجراءات فورية لمواجهة خطاب الكراهية والعنف ضد المهاجرين وإنهاء الإفلات من العقاب.

 الفصل العنصري يعود بوجه جديد

ترتبط أزمة المهاجرين الحالية بصورة غير مباشرة بالإرث العميق لنظام الفصل العنصري الذي ترك وراءه مجتمعا يعاني من تفاوت اقتصادي هائل وفقر مزمن وانقسامات اجتماعية حادة، وفق هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية.

ومنذ نهاية نظام الأبارتهايد عام 1994، تحولت جنوب إفريقيا إلى وجهة رئيسية للمهاجرين واللاجئين من مختلف أنحاء القارة، لكن تباطؤ النمو الاقتصادي وارتفاع البطالة خلال العقدين الأخيرين دفعا قطاعات من المجتمع إلى اعتبار الأجانب منافسين مباشرين على فرص العمل والخدمات والسكن.

وشهدت البلاد موجات عنف خطيرة ضد الأجانب في أعوام 2008 و2015 و2019، أسفرت عن مقتل وإصابة عشرات الأشخاص ونزوح آلاف المهاجرين داخليا، وسط انتقادات متكررة لعجز الحكومات المتعاقبة عن معالجة جذور الأزمة.

خطر الانفجار الاجتماعي

وتحذر منظمات حقوقية من أن استمرار ارتفاع البطالة والفقر والجريمة، إلى جانب تصاعد خطاب الكراهية والتحريض ضد المهاجرين، قد يدفع جنوب إفريقيا نحو انفجار اجتماعي واسع خلال السنوات المقبلة.

وأكدت منظمة هيومن رايتس ووتش أن تحويل المهاجرين إلى كبش فداء للأزمات الاقتصادية يغذي العنف ويهدد منظومة حقوق الإنسان والسلم الأهلي داخل البلاد، كما شددت على أن حماية المهاجرين واللاجئين تمثل اختبارا حقيقيا لقدرة جنوب إفريقيا على الحفاظ على نموذجها الديمقراطي الذي تأسس بعد نهاية الفصل العنصري.

وفي بلد لا تزال ذاكرته الجماعية مثقلة بتاريخ التمييز والعنف والانقسام، تبدو أزمة المهاجرين اليوم أكثر من مجرد قضية حدود أو إقامة قانونية، بل معركة مفتوحة بين قيم الدستور وحقوق الإنسان من جهة، وضغوط الغضب الشعبي والانهيار الاقتصادي والخطابات الشعبوية من جهة أخرى.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية