منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

العنصرية تصل لحمامات السباحة.. تهديدات تلغي فعالية للأطفال السود في برلين

24 أغسطس 2026
تهديدات عنصرية تلغي فعالية للأطفال السود في برلين
تهديدات عنصرية تلغي فعالية للأطفال السود في برلين

ألغى مسرح “فولكسبيون” في برلين ومنظمة “كل واحد يعلّم واحداً” (EOTO) فعالية سباحة كانت مخصصة للأطفال والمراهقين السود وأقاربهم، بعدما تحولت المبادرة إلى هدف لحملة من التحريض اليميني والعنصري، وتلقى منظموها رسائل إلكترونية عنصرية وتهديدات بالعنف، وسط مخاوف من عدم القدرة على ضمان السلامة الجسدية والنفسية للمشاركين.

كانت الفعالية تستهدف إتاحة مساحة آمنة للأطفال والشباب السود للاستمتاع بالسباحة، في وقت أكدت فيه مصادر إعلامية أن الفئات السوداء والأقليات تواجه حواجز متعددة تحول دون الاستفادة المتساوية من حمامات السباحة، بعضها مرتبط بالتمييز والعنصرية، وبعضها الآخر بعوامل ثقافية واجتماعية وشعور بعدم الانتماء.

وأعلنت منظمة  EOTO، المعنية بمكافحة العنصرية وتمكين السود والأفارقة وأفراد الشتات الإفريقي في ألمانيا، بالتعاون مع مسرح “فولكسبيون”، إلغاء الفعالية التي كان مقرراً إقامتها بعد ظهر يوم الجمعة، بعدما خلص الطرفان إلى أنه لم يعد بالإمكان ضمان وصول المشاركين المسجلين ومغادرتهم بأمان، أو قضاء فترة بعد الظهر في أجواء هادئة، وفقاً لما أورده موقع “ذا لوكال” الألماني.

وكانت الفعالية ستستمر لمدة ست ساعات، بحيث يُخصص المسبح خلالها حصرياً لبرنامج الشباب التابع لمنظمة  EOTO، قبل أن يُعاد فتحه أمام الجمهور في وقت لاحق من المساء.

وأوضحت وكالة فرانس برس أن المبادرة كانت تستهدف الأطفال والشباب السود وأقاربهم، واعتبرها المنظمون “إجراءً إيجابياً لدعم الفئات المهمشة هيكلياً”.

وأقيم مسبح “فولكسباد” الخارجي أمام مسرح “فولكسبيون” ضمن مشروع صيفي أطلقه المدير الفني للمسرح ماتياس ليلينتال، واستمر لمدة ثمانية أسابيع، وأوضحت “فرانس برس” أن المشروع أتاح للناس حجز أوقات مجانية للسباحة عبر الإنترنت، مع تخصيص بعض الأيام لمنظمات شريكة.

ومن جانبها، أفادت صحيفة “فيلت” الألمانية بأن المسبح كان مفتوحاً منذ 7 أغسطس 2026 وحتى بداية أكتوبر ، وأن الدخول إليه مجاني، مع تخصيصه في أيام محددة لجمعيات ومنظمات بعينها، وكان يوم الجمعة مقرراً أن يكون مخصصاً حصرياً لجمعية  EOTO.

موجة من الانتقادات
أثار تخصيص المسبح للأطفال والمراهقين السود موجة من الانتقادات، سرعان ما انتقلت إلى وسائل التواصل الاجتماعي، وتحوّلت، وفقاً للمصادر، إلى تهديدات ورسائل عنصرية.

وذكرت وكالة فرانس برس أن حزب “البديل من أجل ألمانيا” (AfD) اليميني المتطرف كان من بين أبرز المعترضين على الفعالية، في حين وصفت الرئيسة المشاركة للحزب أليس فايدل المبادرة بأنها “فصل عنصري”، وكتبت عبر منصة “إكس”: “هل يُطبّق نظام الفصل العنصري في ألمانيا؟ في مشروع “فولكسباد” الفني الممول من الضرائب، يُمنع البيض مؤقتاً من الدخول”.

وانتقدت السياسية المحلية عن حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي أيلين فايبلر الفعالية أيضاً، وقالت عبر وسائل التواصل الاجتماعي: “برلين مدينة نابضة بالحياة، متنوعة، نابضة بالألوان، وحرة، فلماذا نحتاج إلى مساحات آمنة؟”

وأوضح موقع “ذا لوكال” الألماني أن الجدل انتشر بسرعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بعدما حصد مقطع فيديو نشرته فايبلر على “إنستغرام” آلاف التعليقات، في حين أفادت منظمة EOTO بتلقي رسائل إلكترونية عنصرية وتهديدية، وتهديدات بالعنف وتعليقات تمييزية عبر الإنترنت.

وأكدت منظمة EOTO أن النقاش العام حول الفعالية أدى إلى استهدافها مباشرة، وقالت إنها تلقت “رسائل بريد إلكتروني عنصرية تهديدية، وتهديدات بالعنف، وتعليقات تمييزية على وسائل التواصل الاجتماعي”.

وأعلن مسرح “فولكسبيون” إلغاء الفعالية بعدما أصبحت، بحسب وصفه، “هدفاً للتحريض اليميني والعنصري”، مؤكداً أن سلامة الضيوف والموظفين تمثل أولويته القصوى.

ونقلت “فرانس برس” عن المدير الفني للمسرح ماتياس ليلينتال تأكيده أن إلغاء فعالية الجمعة لن يمنع المسرح من مواصلة تقديم مبادرات تستهدف دعم الفئات المهمشة، معلناً تضامنه “اليوم وكل يوم” مع ضحايا العنصرية والعداء اليميني.

تاريخ طويل للعنصرية

ربطت صحيفة “الغارديان” الواقعة في برلين بتاريخ طويل من النزاعات المرتبطة بالعنصرية وحمامات السباحة في أوروبا وأمريكا الشمالية، مشيرة إلى أن هذه الأماكن تحولت في مناسبات عديدة إلى نقاط توتر مرتبطة بالإقصاء والتمييز العنصري.

وأشارت الصحيفة إلى أن بحيرة سباحة مفتوحة في مدينة هاله شرقي ألمانيا أثارت عناوين الأخبار في وقت سابق من هذا الصيف بعدما رفضت دخول أشخاص لا يتحدثون الألمانية، في حين قضى معهد حقوق الإنسان في هولندا مؤخراً ضد حمام سباحة بعدما تبين أنه أخضع طفلاً أسود تحديداً لفحص للتحقق من هويته.

وامتدت الوقائع إلى عقود سابقة؛ إذ اتجهت بلدة بريمنغارتن السويسرية عام 2013 إلى فرض قيود على دخول طالبي اللجوء إلى حمامات السباحة.

وفي بلغاريا، حذر أفراد من مجتمع الروما من تعرضهم للتمييز في حمامات السباحة العامة، في حين فُرضت في رومانيا عام 2022 غرامة تزيد قليلاً على ألفي يورو على حمام سباحة بعدما منع أطفالاً من الروما من الدخول.

وربط مؤلف كتاب “مياه متنازع عليها: تاريخ اجتماعي لحمامات السباحة في أمريكا”، جيف ويلتسه، بين طبيعة هذه الأماكن وبين التوترات الاجتماعية المرتبطة بها، موضحاً أنها “أماكن شديدة الخصوصية بصرياً وجسدياً واجتماعياً”، وهو ما قال إنه يستمر في إثارة المخاوف والقلق الاجتماعي لدى الناس.

واستعاد ويلتسه تاريخ حمامات السباحة في الولايات المتحدة، مشيراً إلى أنها كانت خلال معظم القرن العشرين أماكن متجانسة اجتماعياً، وشهدت “فصلاً عنصرياً صريحاً” في حمامات السباحة العامة.

وذكر أن إلغاء الفصل العنصري في حمامات السباحة العامة بدأ في الولايات المتحدة في أواخر أربعينيات القرن الماضي، بالتزامن مع ظهور حمامات سباحة خاصة، خصوصاً في الضواحي التي كان سكانها من البيض بشكل شبه حصري.

عواقب مميتة

كشفت “الغارديان” أن الإرث العنصري لحمامات السباحة لم يتوقف عند مسألة الوصول إليها، بل ارتبط أيضاً بفجوة عرقية في القدرة على السباحة، كانت لها عواقب مميتة.

وأظهرت البيانات التي أوردتها الصحيفة أن معدل وفيات الأطفال السود والأمريكيين من أصل إفريقي بسبب الغرق في الولايات المتحدة يبلغ ثلاثة أضعاف معدل الوفيات بين الأطفال البيض.

وأظهرت بيانات حديثة في إنجلترا أن الأطفال من مجتمعات السود والآسيويين والأقليات العرقية أكثر عرضة للغرق بمقدار 3.5 مرة مقارنة بنظرائهم من البيض، في حين تشير أرقام حديثة من مؤسسة “سبورت إنجلاند” إلى أن 95% من البالغين السود و80% من الأطفال السود لا يجيدون السباحة على الإطلاق.

ودفعت هذه الفجوة كاتريس رودريغز إلى إطلاق منظمة “يونيتي سويمينغ” عام 2022، وهي منظمة مجتمعية تنظم دروساً أسبوعية تستهدف مجتمعات السود والآسيويين.

وأوضحت رودريغز أن المبادرة تواجه حواجز ثقافية متعددة تحول دون ارتياد الأقليات لحمامات السباحة، من خوف بعض الآباء من المياه، إلى الشعور بعدم الانتماء، والمخاوف المتعلقة بالملابس المحتشمة وحماية شعر النساء السود.

وحذرت رودريغز أيضاً من استمرار الصور النمطية: “هناك خرافة وصورة نمطية مفادها أن السود لا يستطيعون الطفو ولا يستطيعون السباحة”، مؤكدة أن هذا الاعتقاد “غير صحيح”.

وأكدت رودريغز أن ارتفاع درجات الحرارة عالمياً خلال الصيف، ودفع ذلك مزيداً من الأشخاص إلى البحث عن متنفس في الأنهار والبحيرات وحمامات السباحة، يزيد من أهمية ضمان معرفة أكبر عدد ممكن من الناس بكيفية السباحة.

وقالت: “إنها الرياضة الوحيدة التي يمكن أن تنقذ الأرواح”، موضحة أن امتلاك المعرفة بسلامة التعامل مع المياه يمكن أن يساعد الشخص على إنقاذ حياته وحياة الآخرين وأفراد أسرته، ما يمتد أثره إلى “الأسر والمجتمعات والأجيال”.

واعتبرت مسؤولة مكافحة التمييز في برلين جانسل كيزيلتيبي، وفقاً لـ”فرانس برس”، أن ما أثارته المبادرة يعكس مشكلة أوسع، منددة بـ”حملة العداء والتهديدات المحتدمة”، ومؤكدة أن “العنصرية والإقصاء جزء من الواقع اليومي الذي يعيشه السود”.

أكد مسرح “فولكسبيون” و منظمة EOTO، رغم إلغاء الفعالية، استمرار تعاونهما، في حين شدد المدير الفني للمسرح ماتياس ليلينتال على أن دعم الفئات المهمشة سيستمر، مع وضع سلامة الزوار والشركاء والموظفين في مقدمة الأولويات.