منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

إعداد فريق الدراسات والأبحاث في منصة صفر

عشرات الوفيات على حدود سبتة تحوّل أزمة العبور إلى اختبار لحق الإنسان في الحياة

08 أغسطس 2026
العبور إلى سبتة أزمة إنسانية تثير قلقاً حقوقياً
العبور إلى سبتة أزمة إنسانية تثير قلقاً حقوقياً

لم تعد موجة العبور غير المسبوقة التي شهدتها مدينة سبتة الإسبانية خلال الأيام الماضية مجرد أزمة مرتبطة بالهجرة وإدارة الحدود، بعدما ارتفع عدد الجثامين التي عثرت عليها السلطات الإسبانية إلى 80 شخصاً، في حين لا تزال هوية الغالبية الساحقة منهم مجهولة.

مع انحسار التدفق الذي أدخل عشرات الآلاف إلى المدينة خلال فترة قصيرة، بدأت الأسئلة تنتقل من كيفية ضبط الحدود إلى ما حدث للأشخاص الذين فقدوا حياتهم أثناء محاولة الوصول إليها، ومدى استعداد منظومة إدارة الهجرة الأوروبية للتعامل مع حماية الحياة باعتبارها التزاماً سابقاً على مسألة الوضع القانوني للمهاجر أو الطريقة التي حاول بها عبور الحدود.

وبحسب أحدث المعلومات التي نشرتها وكالة رويترز في 7 أغسطس، تعمل الشرطة الإسبانية وفرق الطب الشرعي في سبتة على تحديد هويات 80 شخصاً عُثر على جثامينهم بعد موجة العبور الجماعي من المغرب، في وقت لم تتمكن فيه السلطات حتى الآن من التعرف بصورة مؤكدة إلا على أربعة منهم من خلال السجلات الإسبانية.

واضطرت السلطات إلى استقدام فرق إضافية وإنشاء مشرحة مؤقتة بسبب العدد الكبير من الضحايا، بالتوازي مع جمع عينات الحمض النووي ومحاولة مطابقتها مع بيانات الأشخاص الذين تبحث عائلاتهم عنهم، كما أنشئ مكتب قرب الحدود لاستقبال بلاغات المفقودين وتبادل المعلومات مع السلطات المغربية، في حين تستعد السلطات لدفن من يتعذر التعرف عليهم في سبتة مع مراعاة الشعائر الإسلامية، وإعادة الجثامين التي تحدد هويتها إلى دولها عندما تطلب الأسر ذلك.

الآلاف يعبرون إلى سبتة

جاءت هذه الحصيلة بعد أيام شهدت حركة عبور هائلة إلى المدينة الإسبانية الواقعة على الساحل الشمالي لإفريقيا، وقدرت السلطات الأوروبية والإسبانية أن نحو 72 ألف شخص عبروا إلى سبتة خلال نحو 24 ساعة في ذروة الأزمة، قبل أن يعود قسم كبير منهم لاحقاً، في واحدة من كبريات موجات الدخول الجماعي إلى أراضي الاتحاد الأوروبي في السنوات الأخيرة.

وخلال الأيام الأولى كانت أعداد الوفيات ترتفع بصورة متتالية مع العثور على جثامين جديدة على الساحل، قبل أن تصل الحصيلة المعلنة إلى 80 شخصاً، ولا تزال الملابسات الدقيقة لكل وفاة بحاجة إلى استكمال التحقيقات، ومنها تحديد عدد الذين فقدوا حياتهم أثناء السباحة أو في مناطق الاكتظاظ والاندفاع قرب الحدود.

لكن القيمة الحقوقية للقضية لا تكمن في العدد وحده، فالقانون الدولي لحقوق الإنسان لا يجعل حماية الحق في الحياة مرتبطة بوجود الشخص بصورة قانونية داخل الدولة، ولا يسقط هذا الحق بسبب محاولة عبور الحدود بطريقة غير نظامية، وتؤكد المبادئ التي وضعتها مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان بشأن حقوق الإنسان على الحدود الدولية أن للدول الحق في مراقبة حدودها وتنظيم الدخول إلى أراضيها، إلا أن ممارسة هذه الصلاحيات يجب أن تتم مع احترام حقوق جميع الأشخاص الخاضعين لإجراءات إدارة الحدود، بغض النظر عن جنسيتهم أو وضعهم المتعلق بالهجرة، وهذا يعني أن مكافحة العبور غير النظامي وضبط الحدود لا يلغيان الالتزام باتخاذ الإجراءات المعقولة لمنع فقدان الأرواح عندما تكون المخاطر معروفة أو متوقعة.

الإجراءات الوقائية المطلوبة

من هذه الزاوية، فإن السؤال الحقوقي الذي تطرحه سبتة لا يتعلق فقط بمن سمح للأشخاص بالعبور أو لماذا تجمعوا بهذه الأعداد، بل أيضاً بما إذا كانت ترتيبات الطوارئ والإنقاذ والقدرة الاستيعابية على جانبي الحدود تتناسب مع حجم الخطر الذي كان يتشكل، فحين يتحرك عشرات الآلاف خلال فترة زمنية قصيرة عبر منطقة حدودية محدودة جغرافياً، يصبح احتمال وقوع وفيات أو إصابات نتيجة الغرق أو الازدحام أو التدافع خطراً يمكن توقعه، وهو ما يرفع مستوى الإجراءات الوقائية المطلوبة من السلطات التي تدير الحدود.

وتأتي الأزمة في توقيت حساس بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي، بعد دخول ميثاق الهجرة واللجوء الأوروبي حيز التطبيق في يونيو 2026، وقبل أقل من عشرة أيام على أزمة سبتة، حذرت وكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية من استمرار مخاطر جدية على الحقوق الأساسية عند الحدود الخارجية للاتحاد، مشيرة إلى استمرار حالات الوفاة وتقارير العنف والإعادة السريعة وصعوبات الوصول إلى إجراءات اللجوء في عدة مسارات.

وقالت الوكالة إن 559 شخصاً على الأقل لقوا حتفهم أو فُقدوا بين أبريل ويونيو على طرق البحر المتوسط والمحيط الأطلسي المؤدية إلى أوروبا، رغم انخفاض أعداد الوافدين مقارنة بفترات سابقة.

منظومة جديدة لإدارة الهجرة

هذا السياق يجعل وفيات سبتة اختباراً مبكراً لما إذا كان تطبيق المنظومة الأوروبية الجديدة لإدارة الهجرة سيقترن فعلياً بآليات أكثر فاعلية لحماية الحقوق الأساسية، فالوكالة الأوروبية نفسها حذرت من أن التحقيقات في الانتهاكات المزعومة على الحدود ما تزال في حالات كثيرة بطيئة أو غير مكتملة، ما يمكن أن يخلق شعوراً بالإفلات من المساءلة.

ولهذا فإن الوصول إلى رقم نهائي للضحايا في سبتة ينبغي ألا يكون نهاية التحقيق، بل بدايته؛ إذ يحتاج الأمر إلى إعادة بناء ما حدث خلال ساعات التدفق الأكثر كثافة، وتحديد مناطق الخطر، وطبيعة إجراءات الإنقاذ، والموارد التي كانت متاحة للسلطات، وما إذا كانت هناك تحذيرات أو مؤشرات سبقت وقوع الوفيات.

ولا تنفصل مسألة تحديد هوية القتلى عن هذه المسؤولية، فالمهاجر الذي يموت على الحدود لا يفقد حقه في أن يعرف اسمه أو في أن تتلقى أسرته معلومات موثوقة بشأن مصيره، وتبرز في سبتة فجوة واضحة بين عدد الضحايا وعدد من تمكنت السلطات من التعرف عليهم حتى الآن، وهو ما يجعل إجراءات جمع الحمض النووي وتسجيل الخصائص الشخصية والتواصل مع الأسر والسلطات في دول المنشأ جزءاً من الاستجابة الحقوقية وليس مجرد إجراء إداري، وتكتسب القضية حساسية إضافية في حالات الأشخاص الذين لا تحمل جثامينهم وثائق تعريف، أو الذين لم تكن أسرهم تعرف أصلاً أنهم وصلوا إلى المنطقة الحدودية.

وتتقاطع الأزمة مع أوضاع الأطفال غير المصحوبين بذويهم الذين وصلوا إلى سبتة خلال موجة العبور، فقد أفادت تقارير خلال الأيام الماضية بوجود مئات القاصرين في المدينة وسط ضغوط كبيرة على قدراتها الاستيعابية، وهو ما يضع السلطات الإسبانية أمام التزامات إضافية تتعلق بحماية الطفل والإيواء وتحديد الهوية والمصلحة الفضلى للقاصر، بصرف النظر عن الطريقة التي دخل بها الأراضي الإسبانية، وهذه المسألة ينبغي ألا تُختزل في كيفية إعادتهم أو توزيعهم؛ لأن القانون الإسباني والأوروبي يمنح القاصرين غير المصحوبين معاملة حماية خاصة قبل اتخاذ القرارات المتعلقة بوضعهم.

الحق في مراقبة الحدود

في المقابل، لا يلغي البعد الحقوقي حق إسبانيا والاتحاد الأوروبي في مراقبة الحدود أو اتخاذ إجراءات لمكافحة شبكات التهريب وتنظيم عمليات الدخول، وقد دعا مفوض الهجرة الأوروبي ماغنوس برونر إلى استخدام أدوات الاتحاد السياسية والتجارية لتعزيز التعاون مع المغرب في إدارة الحدود وإعادة الأشخاص الذين لا يملكون حق البقاء، معتبراً أن حجم الأزمة كشف هشاشة الاعتماد الأوروبي على تعاون دول الجوار في إدارة الهجرة.

غير أن التركيز على تشديد المراقبة والإعادة لا يحسم وحده الإشكالية التي كشفتها حصيلة الوفيات؛ لأن نجاح السياسة الحدودية لا يمكن قياسه فقط بعدد الأشخاص الذين منعوا من العبور أو أعيدوا، وإنما أيضاً بقدرته على منع تحول الحدود إلى مساحة تتكرر فيها خسارة الأرواح.

وتظهر هذه المعضلة بصورة أوضح عند النظر إلى الاتجاه الأوروبي الأوسع، فقد سجلت وكالة الحقوق الأساسية استمرار الوفيات على الطرق المؤدية إلى أوروبا رغم تراجع أعداد الوافدين، وهو ما يعني أن انخفاض الهجرة لا يقود تلقائياً إلى انخفاض متناسب في الخطر الذي يواجه الأشخاص أثناء الرحلة.

وحذرت الوكالة من أن القيود على عمليات الإنقاذ والمساعدات الإنسانية وصعوبة الوصول إلى إجراءات الحماية يمكن أن تزيد هشاشة الأشخاص الموجودين على الحدود، ودعت إلى تحقيقات فعالة في الانتهاكات والحوادث الخطرة التي تقع فيها.

خطط الطوارئ والإنقاذ

بهذا المعنى، فإن التعامل مع ما وقع في سبتة بوصفه «أزمة هجرة» فقط قد يحجب السؤال الحقوقي الأكثر إلحاحاً، فثمانون شخصاً لم يعودوا مجرد رقم داخل تدفق ضخم، بل حالات وفاة تحتاج كل واحدة منها إلى تحديد هوية وسبب ومكان وظروف، وإلى معرفة ما إذا كان بالإمكان منعها، كما أن وجود الآلاف على الحدود لا يقلل المسؤولية تجاه الفرد، بل يزيد الحاجة إلى أن تكون خطط الطوارئ والإنقاذ والمراقبة قادرة على حماية الأشخاص عندما يتحول التدفق الجماعي نفسه إلى خطر على حياتهم.

ومن هنا يفرض ملف سبتة انتقال النقاش من سؤال من دخل ومن عاد إلى سؤال أكثر صعوبة: كيف يمكن للدولة أن تحمي حدودها من دون أن يصبح فقدان الحياة نتيجة مقبولة أو متوقعة لإدارة الهجرة؟ فحق الدولة في السيطرة على حدودها ثابت، لكن الحق في الحياة ثابت كذلك، والاختبار الحقيقي للسياسات الحدودية يكمن في قدرتها على الجمع بين الاثنين.

ومع استمرار العمل على تحديد عشرات الجثامين والبحث عن مفقودين محتملين في سبتة، تبقى الحاجة إلى تحقيق كامل في الوفيات ضرورية ليس فقط لتحديد ما حدث خلال تلك الساعات، بل لمنع أن تتحول الكارثة إلى رقم جديد يضاف إلى سجل الوفيات المتزايد على حدود أوروبا.