توماس ب. إدسال*
تفقد الفجوة التقليدية بين الجنسين مكانتها بوصفها عاملاً رئيسياً في السياسة، لمصلحة فجوات داخل النوع نفسه ظهرت بين الناخبين الجمهوريين والديمقراطيين على خطوط التباين بين الذكورة والأنوثة.
يتعلق هذا التطور الحديث بالاختلافات داخل كل جنس، في مقابل الفجوة بين الجنسين بين الرجال والنساء التي برزت إلى الواجهة في أعقاب انتخابات عام 1980 بين رونالد ريغان وجيمي كارتر.
يميل الرجال، وتحديداً الرجال البيض الذين يرون أنفسهم شديدي الذكورة إلى دعم الرئيس ترامب، في حين تقل احتمالات دعم ترامب كثيراً بين من يقيّمون ذكورتهم بدرجة أقل، أو ينظرون إلى الذكورة بطريقة مختلفة، والفجوة بين الفريقين لا تقل أهمية، إن لم تكن أكثر أهمية، عن الفجوة بين الجنسين.
وظهرت فجوة مماثلة، وإن كانت أكثر تعقيداً، بين النساء، رغم أنها أصغر حجماً وتفتح الباب أمام تفسيرات متنافسة.
وقد يبدو الاستناد إلى الفجوات داخل النوع نفسه، بدلاً من “الفجوة بين الجنسين”، تمريناً فكرياً لا يهم سوى الأوساط الأكاديمية، لكن حجم هذه الفجوات يقدم رؤية ثاقبة للأجندات السياسية المختلفة للحزبين الجمهوري والديمقراطي التي ظهرت خلال السنوات الأخيرة.
طالما كان الحزب الجمهوري نصيراً لقيم الأسرة التقليدية، لكنه بات يستقطب الآن حصة كبرى من الناخبين الذين يؤمنون بأدوار الجنسين التقليدية، والذكورة التقليدية، والأعراف الأسرية المغايرة جنسياً، كما أصبح الحزب أكثر محافظة في هذه القضايا خلال السنوات القليلة الماضية.
فعلى سبيل المثال، انخفضت هذا العام نسبة الجمهوريين الذين يرون أن “العلاقات بين المثليين أو المثليات” “مقبولة أخلاقياً” إلى 35%، وفقاً لمؤسسة غالوب، مقارنة بـ56% في عام 2022.
ووجد تقرير لمركز بيو للأبحاث في عام 2024 أن 53% من الرجال الذين يميلون إلى الحزب الجمهوري يعتبرون أنفسهم شديدي الذكورة، مقارنة بـ29% من الرجال الذين يميلون إلى الحزب الديمقراطي.
ووجد الاستطلاع نفسه أن نسبة كبيرة من الرجال ذوي الميول الجمهورية، بلغت 45%، يعتقدون أن الأمريكيين عموماً لديهم نظرة سلبية في الغالب إلى “الرجولة أو الذكورة”، في حين يعتقد 46% من الرجال الديمقراطيين، وهي النسبة الكبرى بينهم، أن الأمريكيين عموماً لديهم نظرة إيجابية إلى الرجال “الرجوليين أو ذوي الذكورة”.
وربما بدأت هذه الفجوات داخل النوع نفسه في الظهور قبل أن يحتل ترامب مركز الصدارة، إلا أن حضوره الطاغي دفع إلى تكثيف، بل وإضفاء قدر من التبجيل، على الذكورة المفرطة بين الناخبين الجمهوريين، ولا سيما الرجال.
والفجوة بين الجنسين هي مقارنة بسيطة نسبياً للاختلافات بين الرجال والنساء في تصويتهم للديمقراطيين أو الجمهوريين، أو في مستويات تأييدهم لقضايا سياسية مثل الإنفاق العسكري والإنفاق على برامج الرعاية الاجتماعية.
أما في حالة النساء على وجه الخصوص، فإن الفجوة داخل النوع نفسه أكثر دقة، لكن قبل التطرق إليها، أود أن أسجل ملاحظة تحذيرية ومصدراً للإحباط.
فمقارنة بالدراسات الأكاديمية المتعلقة، على سبيل المثال، بالتصويت أو الاستقطاب، فإن نسبة غير متناسبة من الأبحاث الأكاديمية التي يمكن أن تقدم تحليلاً موضوعياً للنوع الاجتماعي والسياسة لكاتب غير متخصص مثلي، تعاني من هيمنة النشاط السياسي على البحث، ولحسن الحظ، فإن كثيراً من الدراسات المتعلقة بالذكورة المفرطة والأنوثة، رغم استخدام بعضها لغة متخصصة، لا تعاني من نقاط الضعف المتعلقة بالأدلة؛ إذ غالباً ما تكون الاستنتاجات مدعومة باستطلاعات الرأي وبيانات أخرى.
وفي مقالهما المنشور عام 2021 بعنوان “ما وراء الفجوة بين الجنسين: دور الهوية الجندرية”، سعت إليزابيث جيدنجيل وديليند شتوله، وهما عالمتا سياسة مخضرمتان في جامعة ماكجيل في مونتريال، إلى تحديد “إحساس الشخص بذاته من منظور جندري”.
وفي استطلاع، سألتا الرجال والنساء البيض “إلى أي مدى يشعرون بالأنوثة وإلى أي مدى يشعرون بالذكورة، باستخدام مقاييس من سبع درجات”.
وكتبتا أن وجود بُعدين كان أمراً حاسماً في تحديد الرجال ذوي الذكورة المفرطة، فهؤلاء الرجال لا يظهرون شكلاً مبالغاً فيه من الذكورة فحسب، بل يخشون أيضاً التحول إلى الأنوثة.. ومن أجل أخذ قوة هويتهم الجندرية في الاعتبار، سُئل المشاركون أيضاً عن مدى أهمية أن يشعروا بالأنوثة أو الذكورة بالنسبة إليهم، باستخدام مقياس من 1، أي ليس مهماً على الإطلاق، إلى 7، أي مهم جداً.
فماذا وجدت الدراستان؟
بالمقارنة مع الفجوة بين الجنسين التي بلغت 13.6 نقطة في تأييد ترامب، كانت الفروق بين الرجال أنفسهم أكبر بكثير؛ إذ تجاوزت 50 نقطة؛ فقد أيّد ترامب 81.9% من الرجال ذوي الذكورة المفرطة، مقابل أقل بقليل من 30% من الرجال الذين لديهم إحساس “ضعيف” بذكورتهم.
وبعبارة أخرى، فإن الفجوة داخل النوع نفسه بين الرجال تكاد تكون أكبر بأربع مرات من الفجوة بين الجنسين بين الرجال والنساء.
وهناك أدلة على أن تنامي الهوية الجندرية بين الرجال كان عاملاً رئيسياً في انتصارات ترامب في عامي 2016 و2024.
وفي فصل بعنوان “الشخصيات الجندرية والفجوة الحزبية بين الجنسين”، ضمن كتاب “الذكورة والأنوثة والسلوك السياسي الأمريكي”، نُشر قبل ثلاثة أشهر من فوز ترامب بالرئاسة في عام 2016، قدمت مونيكا إل. ماكديرموت، أستاذة العلوم السياسية في جامعة فوردهام، نظرية بديلة لما يُنظر إليه على أنه “فجوة بين الجنسين” حزبية، أو “فجوة بين الجنسين البيولوجيين”، بين الرجال والنساء.
وقالت إن التفسير التقليدي الذي يرى أن الاختلافات بين الرجال والنساء هي التي تقود هذه الظاهرة، يفترض أن الآليات السببية المفترضة، مثل درجة التعاطف، تنقسم بشكل واضح إلى حد ما على أساس الجنس البيولوجي، إلا أن الشخصيات الجندرية تظهر أن هذا الافتراض لم يعد مناسباً لعالم اليوم، وتظهر التحليلات أن مستويات الذكورة والأنوثة تؤثر في الانتماء الحزبي، واختيار المرشح، والأيديولوجية، بغض النظر عن جنس الفرد.
فكلما كان الفرد أكثر أنوثة، كان أكثر ميلاً إلى الديمقراطيين، سواء في تحديد هويته الحزبية أو تصويته، وكان أكثر ليبرالية، وكلما كان الفرد أكثر ذكورة كان أكثر ميلاً إلى الجمهوريين وأكثر محافظة، وتحدث هذه التأثيرات ليس فقط بغض النظر عن الجنس، بل أيضاً بدلاً منه.
ويحظى هذا الطرح بدعم من منظور مختلف قدمته ميليسا ديكمان، الرئيسة التنفيذية لمعهد أبحاث الدين العام، وإيرين كاسيز، عالمة السياسة في جامعة ديلاوير.
وتجادلان في بحثهما المنشور عام 2019 بعنوان “القومية الجندرية وانتخابات الرئاسة الأمريكية لعام 2016: كيف شكل الحزب والطبقة والمعتقدات بشأن الذكورة السلوك الانتخابي”، بأن نسبة 45% من الناخبين الأمريكيين الذين وافقوا على أن الولايات المتحدة أصبحت “لينة وأنثوية أكثر من اللازم” كانوا يعبرون عن “قومية جندرية”، وشكلوا كتلة أساسية من الأصوات لترامب.
وكتبتا: “بمجرد أن وضعنا المعتقدات الجندرية في الحسبان، وتحديداً تأييد فكرة أن أمريكا أصبحت لينة وأنثوية أكثر من اللازم، لم تعد الفروق بين الجنسين في اختيار المرشح ذات دلالة. وبدلاً من ذلك، ساعد تبني آراء قومية بدرجة كبرى في تشكيل قرارات الناخبين في عام 2016”.
ويرى إريك نولز، أستاذ علم النفس في جامعة نيويورك، في رسالة بالبريد الإلكتروني، أن هذه النتائج “منطقية إلى حد كبير”، مضيفاً أن أحد الأمور المشتركة بين الرجال “شديدي الذكورة” والنساء “شديدات الأنوثة” هو تمسكهم بالأعراف الجندرية الأمريكية التقليدية.
وقال نولز إن الحزب الجمهوري كان منذ فترة طويلة حزب القيم المحافظة ثقافياً، ومنها القيم المتعلقة بالجنس والنوع الاجتماعي، ولذلك فمن المنطقي أن يكون هؤلاء الرجال والنساء أكثر ميلاً نسبياً إلى التصويت للجمهوريين.
وأضاف نولز أن المستشارين والاستراتيجيين الجمهوريين “يفكرون تحديداً في الجنس والنوع الاجتماعي” باعتبارهما عاملَين حاسمَين في تجنب الهزيمة في انتخابات التجديد النصفي الشهر المقبل، وقال: “يعتمد الجمهوريون على القيم الجندرية التقليدية لانتزاع النصر من براثن الهزيمة”.
واستشهد بكين باكستون المرشح الجمهوري لمجلس الشيوخ في تكساس الذي صور جيمس تالاريكو -منافسه الديمقراطي- بأوصاف من قبيل “توفو تالاريكو”، و”جيمي ذو الأجناس الستة”، و”جيمس تالافريك-أو”، و”تالاريكو منخفض التستوستيرون”.
بالنسبة إلى الرجال، فإن فجوة الهوية الجندرية واضحة نسبياً، أما بالنسبة إلى النساء، فهي معقدة ويبدو أنها متناقضة، فالنساء اللاتي صنفهن اختبار بيم للأدوار الجنسية على أنهن يتمتعن بدرجة عالية من الأنوثة كن أكثر ميلاً إلى تفضيل الديمقراطيين على الجمهوريين. لكن عندما سُئلت النساء عن مدى شعورهن بأنهن أنثويات، ظهرت نتيجة مختلفة، إذ كانت النساء اللاتي وصفن أنفسهن بأنهن يتمتعن بدرجة عالية من الأنوثة أكثر ميلاً إلى دعم ترامب وتعريف أنفسهن بأنهن جمهوريات، مقارنة بالنساء اللاتي وصفن أنفسهن بأنهن أقل أنوثة.
لكن اتضح أنه لا يوجد تناقض، ففي الواقع، تحدد المنهجيتان المختلفتان مجموعتين منفصلتين من النساء، مع قدر ضئيل من التداخل بينهما.
ووفقاً لجيدنجيل وشتوله، فإن النساء البيض اللاتي يقلن إنهن يشعرن بدرجة عالية من الأنوثة هن “الأكثر ارتباطاً بنظام النوع الاجتماعي الثنائي التقليدي”، ومن ثم فمن الطبيعي أن يؤيدن أدوار الجنسين التقليدية، والزواج، والعلاقات المغايرة جنسياً، والأمومة، والممارسة الدينية، وهي جميعها قيم مرتبطة بالحزب الجمهوري.
أما اختبار بيم للأدوار الجنسية، فيستخدم في المقابل سلسلة من الأسئلة لتحديد ما إذا كان الشخص عطوفاً، ومتعاطفاً، ولطيفاً، ومتفهّماً، وحساساً لاحتياجات الآخرين، ودافئاً ومتفهّماً.. وترتبط هذه الصفات بالحزب الديمقراطي، وتكون النساء اللائي يتمتعن بدرجة عالية من هذه السمات الشخصية أكثر ميلاً إلى دعم المرشحين الديمقراطيين.
طلبت من شتوله مساعدتي في تفسير النتائج المتناقضة للنساء بحسب اختبار القياس المستخدم، فأجابت: “مقياسنا للأنوثة المفرطة هو: إلى أي مدى تشعرين بالأنوثة، وإلى أي مدى تشعرين بالذكورة؟ وأحياناً يضاف إلى ذلك مقياس للأهمية، وهذا في الأساس مقياس ذاتي للهوية الجندرية”.
وأضافت: “المرأة التي تصنف نفسها بدرجة عالية جداً في الأنوثة وبدرجة منخفضة جداً في الذكورة تقول شيئاً من قبيل: أنا أنثوية بوضوح، ولست ذكورية، وهذا جزء من الطريقة التي أفهم بها نفسي.. ويمكن أن يعكس ذلك هوية جندرية أكثر تميزاً أو تقليدية، وهو ما يمكن منطقياً أن يرتبط بالتصويت لترامب”.
“أما عناصر الأنوثة في اختبار بيم للأدوار الجنسية، فعلى العكس، تختار خصائص ارتبطت تقليدياً بكون الشخص امرأة أو رجلاً، وبالنسبة إلى السمات الأنثوية، فإنها في الغالب سمات شخصية جماعية، وتشمل أن يكون الشخص محباً، ومتعاطفاً، ولطيفاً، ومتفهّماً، ودافئاً، وحساساً تجاه الآخرين، وحنوناً، وما إلى ذلك، وفي السياسة المعاصرة، يمكن بشكل منطقي أن ترتبط هذه السمات بالتصويت للديمقراطيين”.
إن تنامي دور الجنس والذكورة والأنوثة في السياسة الأمريكية كان يتشكل منذ فترة طويلة.
كتب نيكولاس ج. ج. وينتر، أستاذ العلوم السياسية في جامعة فرجينيا، عام 2010، “خلال العقود الثلاثة الماضية، بدأ الأمريكيون ينظرون إلى الحزبين بصورة متزايدة من خلال مفاهيم جندرية تتعلق بالذكورة والأنوثة”.
وبقدر كبير من الاستشراف، قال وينتر إن هناك “تطورات مترابطة في أواخر سبعينيات القرن الماضي وأوائل الثمانينيات، يمكننا أن نتوقع أنها ربطت الذكورة والأنوثة اللتين كانتا مهمتين بالفعل للسياسة، بالحزبين الجمهوري والديمقراطي، على التوالي”.
ومن بين هذه التطورات:
“استقطاب قيادات الحزبين بشأن تعديل الحقوق المتساوية وقضايا أخرى تتعلق بالمساواة بين النساء في أواخر سبعينيات القرن الماضي”.
“يُعتقد أن الجمهوريين أفضل في التعامل مع قضايا مثل الدفاع، ومكافحة الإرهاب، والسيطرة على الجريمة والمخدرات، وهي بالضبط أنواع القضايا التي يربطها الأمريكيون بالرجال أو بالسمات الذكورية”.
“تعزز ارتباط النساء بالحزب الديمقراطي أيضاً لأن عدد النساء الديمقراطيات اللاتي انتُخبن كان أكبر بكثير من عدد النساء الجمهوريات اللاتي انتُخبن خلال العقود العديدة الماضية”.
“يحمل مفهوم القيادة والمجال السياسي نفسه دلالات رمزية ذكورية، وربما لهذا السبب، منذ بدايات الجمهورية، غالباً ما شدد المرشحون للرئاسة وحملاتهم الانتخابية على مؤهلاتهم الذكورية، وحاولوا تقويض مؤهلات خصومهم في هذا الجانب”.
وتؤدي الاختلافات المتزايدة بين الحزبين وناخبيهما بشأن الذكورة والأنوثة والجنس عموماً إلى تعميق الانقسام بين الديمقراطيين والجمهوريين بشأن مسائل تتعلق بالحياة والموت.
ففي ظل التقدم السريع في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والبحث العلمي، أصبحت استخدامات الخلايا الجذعية، وظهور قوانين الولايات التي تسمح بالمساعدة على الانتحار، ومصير الأجنة، جميعها قضايا حزبية، على غرار مسار قضية الإجهاض.
كما أصبح السؤال الأساسي حول ما إذا كانت الاختلافات بين الرجال والنساء متجذرة في الجينات أم ناجمة عن التوقعات الاجتماعية، مسألة سياسية شديدة الحساسية.
ويفيد مركز بيو للأبحاث بأن “أغلبية الجمهوريين تشير إلى أن البيولوجيا هي المحرك الرئيسي للاختلافات بين الرجال والنساء”، في حين يميل الديمقراطيون، في كثير من القضايا، إلى الاعتقاد بأن هذه الاختلافات “تستند في معظمها إلى التوقعات التي يفرضها المجتمع على الجنسين”.
ومع إنهائي هذا المقال، أدركت أن القضية الكبرى هي أن الانتماء الحزبي أصبح أشبه بسرطان ينتشر بلا حدود تلوح في الأفق.. وسرعان ما لن يبقى شيء لا يشوهه الانتماء الحزبي.
نيويورك تايمز
ملاحظة: أسهم ماثيو توبين في البحث لهذا المقال.
ترجمة: زينب مكي
