بدت أزمة مدينة سبتة الإسبانية تتجاوز حدود كونها حادثاً حدودياً لتتحول إلى اختبار جديد لحقوق المهاجرين، بعدما أعادت السلطات الإسبانية عشرات الآلاف من الوافدين إلى المغرب خلال فترة وجيزة، في أعقاب عملية اقتحام جماعي غير مسبوقة للحدود البحرية والبرية أودت بحياة ما لا يقل عن 67 شخصاً، بينهم من غرقوا وآخرون لقوا حتفهم في تدافع أثناء محاولة العبور.
وفي الوقت نفسه، اتسع الجدل داخل إسبانيا والاتحاد الأوروبي بشأن أسباب ما حدث، وسط تبادل للاتهامات، وتساؤلات حول ما إذا كانت موجة العبور تمت بصورة تلقائية أم ارتبطت باعتبارات سياسية، وفقاً لصحيفة “واشنطن بوست”.
وأعادت السلطات الإسبانية غالبية من وصلوا إلى مدينة سبتة خلال أيام قليلة، بعدما تراوح عدد الواصلين بين 50 ألفاً إلى 60 ألف مهاجر، بحسب ما أعلنته الحكومة، مؤكدة أن المدينة التي يبلغ عدد سكانها نحو 83 ألف نسمة عادت إلى “الوضع الطبيعي”. كما شرعت في إقامة حاجز بحري بطول 500 متر، أو نحو 1600 قدم، على الحدود البحرية مع المغرب، في محاولة لمنع تكرار عمليات العبور الجماعي.
وأثارت عمليات العبور، التي انطلقت من الجانب المغربي نحو المدينة الإسبانية الواقعة على الساحل الشمالي لإفريقيا، أزمة إنسانية أعادت ملف الهجرة إلى صدارة النقاش الأوروبي والدولي، خاصة مع سقوط عشرات الضحايا، وظهور آلاف المهاجرين في وقت قصير داخل مدينة صغيرة ذات إمكانات محدودة، قبل أن تبدأ عمليات الإعادة الجماعية إلى المغرب.
وأكدت الحكومة الإسبانية أن سياسة تسوية أوضاع بعض المهاجرين غير النظاميين لا تنطبق على من دخلوا سبتة خلال هذه الأحداث، مشددة على أن جميع من دخلوا بصورة غير نظامية في 30 يوليو لا يملكون فرصة لتقنين أوضاعهم القانونية، ولذلك جرت إعادتهم إلى بلد المنشأ خلال ما يزيد قليلاً على 24 ساعة.
وقال وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي-مارلاسكا إن السلطات “لا تتهاون مع من يخالفون القانون”، موضحاً أن التعاون مع المغرب مكّن مدريد من احتواء الأزمة خلال يوم واحد، ومؤكداً أن المغرب “لا يمثل تهديداً لسبتة أو لبقية إسبانيا، بل هو شريك موثوق”.
وفي المقابل، وجد رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز نفسه أمام ضغوط سياسية متزايدة، بعدما استغل خصومه مشاهد الاقتحام الجماعي لاتهام حكومته بفقدان السيطرة على الحدود، رغم أن حكومته تعد من أبرز الحكومات الأوروبية التي تبنت نهجاً أكثر انفتاحاً تجاه المهاجرين، عبر خطة لتسوية أوضاع العمال الذين دخلوا البلاد دون تصريح قبل عام 2026، بهدف دعم الاقتصاد.
جدل سياسي وتحركات أوروبية
اتهم زعيم المعارضة المحافظة ألبرتو نونييث فيخو الحكومة الإسبانية بالعجز عن حماية الحدود، مطالباً سانشيز بالإجابة عن أسباب وصول البلاد إلى هذا الوضع، معتبراً أن إسبانيا تفتقر إلى استراتيجية فعالة لحماية حدودها.
وفي المقابل، انقسم الائتلاف الحكومي نفسه بشأن تفسير ما جرى. ففي حين دافع سانشيز وعدد من الوزراء عن المغرب ونفوا مسؤوليته عن الأزمة، اتهم حزب “سومار”، الشريك في الحكومة، السلطات المغربية بتسهيل العبور، وأحال القضية إلى المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان للمهاجرين، معتبراً أن عبور عشرات الآلاف خلال فترة زمنية قصيرة لا يتوافق مع أنماط الهجرة المعتادة، وقد يشير إلى وجود تسهيل مباشر من جانب السلطات المغربية.
وأشار الناشط الحقوقي في الجمعية المغربية لحقوق الإنسان عمر ناجي إلى أن الجمعية رصدت انخفاضاً ملحوظاً في الدوريات الأمنية على الجانب المغربي قبل موجة العبور، مضيفاً أن كثيراً من المهاجرين الذين دخلوا سبتة واجهوا أوضاعاً إنسانية صعبة داخل المدينة، إذ لم يجدوا الطعام أو المياه، وهو ما دفع أعداداً كبيرة منهم إلى العودة، كما أوضح أن معظم العائدين كانوا من المواطنين المغاربة ونُقلوا داخل شاحنات حكومية إلى داخل المغرب، وفقاً لصحيفة “واشنطن بوست”.
وامتد الجدل إلى المستوى الأوروبي، بعدما طالبت غالبية حكومات الاتحاد الأوروبي بعقد اجتماع عاجل لوزراء الداخلية لبحث تطورات الأزمة وصياغة استجابة مشتركة، في ظل مخاوف من أن يؤدي نجاح عمليات العبور الجماعي إلى تشجيع مزيد من محاولات الدخول غير النظامي إلى الاتحاد الأوروبي.
وأكدت رسالة وقّعها قادة 22 دولة أوروبية أن الاتحاد لا يمكنه السماح بعمليات عبور جماعية غير خاضعة للسيطرة أو باستغلال الهجرة لخلق انطباع بإمكانية الدخول غير القانوني إلى أوروبا، محذرين من أن مثل هذا الانطباع يقوض الثقة في سياسة الهجرة المشتركة وسيؤثر في جميع الدول الأعضاء، بحسب ما أوردته وكالة أسوشيتد برس.
بدوره، دعا سانشيز إلى عقد اجتماع افتراضي لوزراء الداخلية الأوروبيين، مؤكداً أن أمن الحدود الخارجية مسؤولية مشتركة لجميع الدول الأعضاء، وليس فقط الدول الواقعة على خطوط المواجهة الأولى.
وانتقد أيضاً ردود فعل بعض الحكومات الأوروبية، معتبراً أن الدعوات إلى تعليق عضوية إسبانيا في منطقة شنغن جاءت نتيجة “الأحكام المسبقة والأخبار الزائفة والجهل أو المصالح السياسية”، كما شدد على أن أعداد المهاجرين غير النظاميين الذين دخلوا إسبانيا خلال السنوات الأخيرة ظلت أقل من تلك التي دخلت إلى إيطاليا واليونان.
أبعاد الأزمة الإنسانية
روى عدد من المهاجرين الذين تمكنوا من الوصول إلى سبتة أن الطريق من الجانب المغربي كان مفتوحاً بصورة غير معتادة، مؤكدين أنهم لم يواجهوا عراقيل تذكر قبل الوصول إلى المدينة.
وقال محمد خليل، البالغ من العمر 25 عاماً، إنه سبح إلى سبتة بعدما شاهد دعوات عبر مجموعة على “فيسبوك” توثق نجاح آخرين في الوصول، مضيفاً أن الحكومة المغربية “لم تهتم” بعبوره، بينما لم يشهد استخداماً للعنف من الجانب الإسباني إلا بعد دخوله المدينة، وفق ما نقلته واشنطن بوست.
كما قال أيوب قراباني إنه فوجئ بسهولة الطريق، متسائلاً عن سبب عدم منعه من العبور، بينما أوضح ميلاد الرملي أنه اتخذ القرار بعد متابعته منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، مؤكداً أنه كان يبحث عن فرصة لحياة أفضل في إسبانيا.
وأوضح محمد بردي أن أحد السياسيين المحليين شجع السكان على التوجه إلى سبتة، فيما قال يونس مراد إنه سبح لساعات لعبور الحدود لأنه حاصل على شهادة جامعية ولا يجد عملاً، مضيفاً أن أسرته تعيش أوضاعاً اقتصادية صعبة، كما أكدت خديجة الموفي أنها كانت تسعى إلى تحسين ظروف حياتها وإعالة أسرتها في ظل الفقر ونقص الخدمات.
وفي الجانب الآخر، قال مهاجرون عادوا إلى المغرب إنهم اضطروا إلى المغادرة بسبب نقص الغذاء والمأوى داخل سبتة.
وأوضح وعيل لمزايز أنه بقي ثمانية أيام في المدينة وكان على وشك الحصول على مكان داخل مركز استقبال، لكنه لم يتمكن من الحصول على الطعام لأيام، فيما أكد مهاجرون آخرون أنهم قضوا لياليهم في الغابات المحيطة بالمدينة بسبب عدم توفر أماكن للإيواء، وأنهم دخلوا في مشاجرات متكررة بسبب الغذاء.
وقال عثمان المرزوق إنه كان يحاول الاتصال بأسرته لطلب المال اللازم للعودة إلى مسقط رأسه، بينما أكد محمد حطري أنه لا يعتزم العودة إلى المغرب، متهماً السلطات بإغلاق منافذ شراء الطعام لإجبار المهاجرين على المغادرة، ومشدداً على تمسكه بالبقاء رغم الجوع.
وأظهرت الأزمة كذلك آثارها على الحياة اليومية داخل سبتة، إذ بقيت متاجر عديدة مغلقة، فيما ظلت آثار الاقتحام الجماعي واضحة على الشواطئ والطرقات، بينما انتشرت المركبات المحترقة وآثار المواجهات على الطريق المؤدي إلى المعبر الحدودي مع مدينة الفنيدق المغربية.
وأكد رئيس حكومة سبتة خوان خيسوس فيفاس أن الحياة في المدينة تعطلت نتيجة حادث الحدود، مشيراً إلى أن عمليات إعادة المهاجرين تسير بصورة مرضية، لكنها لا تزال بحاجة إلى الاستكمال، في وقت تواصل فيه السلطات الإسبانية تعزيز وجود الجيش والشرطة، بينما واصلت القوات المغربية استخدام خراطيم المياه والغاز المسيل للدموع والطلقات التحذيرية لمنع مزيد من محاولات العبور، لتبقى الأزمة مفتوحة على نقاش أوسع حول كيفية التوفيق بين حماية الحدود وصون حقوق المهاجرين في واحدة من أكثر بؤر الهجرة حساسية على حدود أوروبا.
