لم تعد المناطق الحدودية في كثير من الدول النامية مجرد أطراف جغرافية بعيدة عن مراكز القرار، بل أصبحت مرآة كاشفة لاختلالات أعمق في توزيع التنمية والحقوق داخل الدولة الواحدة، فحين تغيب الخدمات الأساسية، وتتراجع فرص العمل، وتضعف البنية التحتية، يصبح البعد الجغرافي عاملًا مؤثرًا في قدرة المواطنين على الوصول إلى التعليم والصحة والعمل والعدالة.
ولا يُقرأ التهميش في هذه المناطق بوصفه خللًا اقتصاديًا فقط، بل باعتباره قضية حقوقية تمس مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية، فالمواطن في المناطق الطرفية لا يعاني فقط من نقص الموارد، بل من فجوة مركبة في حضور الدولة، وفي قدرته على الاستفادة المتكافئة من السياسات العامة، بما يجعل التنمية المتوازنة شرطًا أساسيًا لحماية المواطنة المتساوية والاستقرار الاجتماعي.
وتكشف أوضاع المناطق الحدودية أن العدالة لا تتحقق بوجود القوانين والمؤسسات وحدها، بل بقدرة الأفراد، خصوصًا الفئات الأكثر هشاشة، على الوصول الفعلي إلى الحقوق والخدمات والفرص، ومن هنا، يصبح غياب التنمية في الأطراف أحد أوجه اللامساواة، ومؤشرًا على حاجة الدول إلى إعادة النظر في سياساتها التنموية بحيث لا تبقى الحدود جغرافيا مهمشة خارج أولويات التخطيط الوطني.
الفقر في المناطق الحدودية
تشير بيانات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن أكثر من 1.1 مليار شخص حول العالم يعيشون في فقر متعدد الأبعاد، مع تركز النسب الأعلى في المناطق الهشة والنائية التي تعاني ضعف الخدمات والبنية التحتية وغياب فرص التنمية.
وتوضح التقارير الأممية أن الفقر لا يرتبط فقط بانخفاض الدخل، بل بحرمان السكان من التعليم والرعاية الصحية والخدمات الأساسية والقدرة على الوصول إلى المؤسسات الرسمية، بما فيها القضاء والخدمات القانونية.
وفي المناطق الحدودية، يؤدي ضعف حضور الدولة إلى اتساع الفجوة القانونية والاجتماعية، حيث تصبح العدالة أقل وصولًا للفئات الأكثر هشاشة، خصوصًا النساء والشباب واللاجئين وسكان المناطق الريفية.
فجوة العدالة والتفاوت
يشير تقرير “العدالة وسيادة القانون” الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 2024 إلى اتساع ما يُعرف بـ“فجوة العدالة” في البيئات الهشة والمتأثرة بالأزمات، نتيجة ضعف المؤسسات القانونية وتراجع الحماية الاجتماعية.
وتظهر هذه الفجوة بصورة أوضح في المناطق الحدودية التي تعاني ارتفاع معدلات البطالة والفقر وضعف الاستثمار، ما يخلق بيئة خصبة للهجرة غير النظامية، والاقتصاد غير الرسمي، والنزاعات الاجتماعية.
كما تؤكد بيانات البرنامج الأممي أن نحو 887 مليون شخص من الفقراء حول العالم يعيشون في مناطق معرضة لمخاطر مناخية وأزمات اقتصادية متداخلة، الأمر الذي يزيد هشاشة المجتمعات الطرفية ويعمّق الفوارق التنموية بينها وبين المراكز الحضرية.
التنمية الغائبة والاستقرار
لا يقتصر أثر التهميش في المناطق الحدودية على الجانب الاقتصادي، بل يمتد إلى الاستقرار الاجتماعي وفرص التنمية طويلة الأمد، خاصة مع ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب وضعف الخدمات الأساسية.
وتشير تقارير أممية إلى أن الأطفال والشباب يشكلون النسبة الأكبر من المتضررين من الفقر متعدد الأبعاد، ما يهدد فرص التعليم والعمل ويزيد احتمالات الانخراط في الاقتصاد غير الرسمي أو الهجرة غير النظامية.
وبذلك، تتحول التنمية الغائبة إلى عامل ضغط مستمر على المجتمعات الطرفية، إذ تضعف قدرة السكان على الصمود، وتدفع فئات واسعة إلى البحث عن بدائل خارج الأطر الرسمية، سواء عبر الهجرة أو العمل غير المنظم أو الاعتماد على شبكات محلية بديلة عن مؤسسات الدولة.
التنمية ليست امتيازًا
ترى منظمات دولية أن معالجة التهميش في المناطق الحدودية لا يمكن أن تقتصر على المقاربات الأمنية أو الإغاثية، بل تتطلب سياسات تنموية شاملة تقوم على العدالة في توزيع الخدمات والموارد، وتعزيز المشاركة المجتمعية، وتوسيع الوصول إلى القضاء والتعليم والعمل.
ويؤكد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن تقليص الفجوات الاجتماعية والاقتصادية يمثل شرطًا أساسيًا لتعزيز سيادة القانون والاستقرار المجتمعي، خصوصًا في البيئات الحدودية التي غالبًا ما تبقى خارج أولويات التنمية الوطنية.
ومن ثم، فإن التعامل مع المناطق الحدودية باعتبارها مجرد مناطق أمنية أو نقاط عبور لا يكفي لمعالجة جذور الأزمة، لأن الاستقرار الحقيقي يبدأ عندما يشعر السكان بأنهم جزء متساوٍ من الدولة، لا أطراف مؤجلة في خطط التنمية.
التفاوت إشكالية دستورية
في حديثه لـ“صفر”، أكد الدكتور ليث نصراوين، أستاذ القانون الدستوري، أن التهميش الذي تعانيه بعض المناطق الحدودية لم يعد يُفهم باعتباره فجوة تنموية فقط، بل أصبح يثير تساؤلات قانونية ودستورية تتعلق بمدى التزام الدولة بتحقيق العدالة الاجتماعية وضمان تكافؤ الفرص بين المواطنين.
وأوضح نصراوين أن مفهوم المساواة في الدساتير الحديثة لا يقتصر على المساواة الشكلية أمام القانون، بل يمتد إلى المساواة الفعلية القائمة على التوزيع العادل للخدمات العامة وفرص التنمية والبنية التحتية بين مختلف المناطق داخل الدولة.
وأشار إلى أن استمرار حرمان بعض المناطق من فرص العمل والاستثمار والخدمات الأساسية يمثل إخلالًا بدور الدولة في تمكين المواطنين، لا سيما الشباب والنساء، من المشاركة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ولفت إلى أن هذا الواقع قد يتعارض مع الالتزامات الواردة في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966، الذي يضمن الحقوق المرتبطة بالعمل والتعليم والصحة والسكن والتنمية دون تمييز.
الحقوق الاقتصادية والاجتماعية
يرى نصراوين أن ضعف الخدمات الأساسية وغياب التنمية في المناطق الحدودية يمكن اعتباره مساسًا مباشرًا بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية المكفولة دستوريًا ودوليًا، خاصة عندما يؤدي ذلك إلى ارتفاع معدلات الفقر والبطالة وتراجع فرص الوصول المتكافئ إلى التعليم والرعاية الصحية والبنية التحتية.
وقال إن القانون الدولي لحقوق الإنسان لم يعد يكتفي بتحميل الدولة مسؤولية الامتناع عن انتهاك الحقوق، بل بات يفرض عليها التزامًا إيجابيًا يتمثل في اتخاذ تدابير تشريعية وإدارية ومالية تضمن التمتع الفعلي بهذه الحقوق، بما يشمل تحقيق التنمية العادلة بين مختلف المناطق الجغرافية.
ويعني ذلك أن الدولة لا تفي بالتزاماتها بمجرد النص على الحقوق في الدستور أو القوانين، بل بقدرتها على تحويل هذه الحقوق إلى خدمات وفرص ملموسة تصل إلى المواطنين في المركز والأطراف على قدم المساواة.
التنمية كجزء من العدالة
شدد نصراوين على أهمية تبني سياسات قانونية وتنموية متكاملة لمعالجة مظاهر التهميش في المناطق الحدودية، من خلال تعزيز العدالة في توزيع المشاريع والخدمات، وتطوير البنية التحتية، وتوسيع فرص الاستثمار والعمل، بما ينسجم مع مبادئ العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة.
ولفت إلى الدور الذي يمكن أن يضطلع به المجتمع المدني ووسائل الإعلام في رصد مظاهر التفاوت والتهميش والدفع نحو سياسات عامة أكثر اتساقًا مع مبادئ حقوق الإنسان والمساواة، باعتبار أن العدالة التنموية أصبحت جزءًا أساسيًا من مفهوم العدالة القانونية والاجتماعية الحديثة.
وقال إن أوضاع المناطق الحدودية تظهر أن العدالة لا تُقاس فقط بوجود القوانين، بل بقدرة المواطنين على الوصول المتكافئ إلى الحقوق والخدمات والفرص التنموية، فاستمرار التفاوت الجغرافي في توزيع التنمية والبنية التحتية يحوّل المناطق الطرفية إلى بيئات أكثر هشاشة وإقصاء.
وختم تصريحاته بقوله إن التنمية المتوازنة لم تعد خيارًا اقتصاديًا فقط، بل التزامًا حقوقيًا ودستوريًا يرتبط بحماية المواطنة المتساوية وتعزيز الاستقرار الاجتماعي.

