تضع الاحتجاجات المتصاعدة للمعلمين في المكسيك قضية الحقوق الاجتماعية والعمالية في صدارة المشهد العام، بعدما تحوّلت مطالب تتعلق بالأجور والتقاعد إلى مواجهة مفتوحة مع السلطات قبل أيام قليلة من انطلاق كأس العالم 2026، في وقت يؤكد فيه المحتجون أن معركتهم لا تتعلق بمكاسب مالية محدودة، بل بحقوق يعتبرون أنها انتزعت منهم على مدى سنوات طويلة.
وأشعل معلمون ينضمون لنقابة المعلمين الوطنية المنسقة (CNTE) موجة جديدة من الاحتجاجات في العاصمة مكسيكو سيتي، حيث عمدوا إلى إغلاق طرق رئيسية وإحراق كرات قدم ومجسمات ضخمة للاعبي كرة القدم في شارع باسيو دي لا ريفورما، ملوّحين بتوسيع تحركاتهم خلال بطولة كأس العالم إذا لم تستجب الحكومة لمطالبهم، وفق ما أوردته صحيفة “الغارديان”.
وطالب المحتجون بزيادة الرواتب وإلغاء القوانين المنظمة للتقاعد التي يعتبرون أنها أضرت بمستقبلهم الاجتماعي والاقتصادي، مؤكدين أن الاحتجاجات ستستمر إلى حين التوصل إلى حل حقيقي يعالج جذور الأزمة.
وأربك إغلاق الطرق في العاصمة سير الأعمال الرسمية، إذ اضطرت رئيسة المكسيك كلوديا شينباوم إلى عقد اجتماع كان مقرراً حضورياً مع مسؤول إسباني رفيع المستوى عبر تقنية الاتصال المرئي، بعدما حال إغلاق الطرق المؤدية إلى ساحة زوكالو والقصر الوطني دون انعقاده بالشكل المعتاد.
وتصاعد التوتر بعد يوم واحد من اشتباكات وقعت بين محتجين وقوات الأمن خلال مسيرة باتجاه ساحة زوكالو التاريخية، قبل أيام من استضافتها فعاليات مرتبطة بكأس العالم، وأعلنت قيادة النقابة إصابة خمسة متظاهرين، بينهم معلم فقد إحدى عينيه، بينما نفت سلطات العاصمة استخدام الرصاص المطاطي أو الغاز المسيل للدموع ضد المحتجين.
وردد المتظاهرون خلال تجمعاتهم شعار “إذا لم يكن هناك حل، فلن تتحرك الكرة”، في إشارة مباشرة إلى البطولة العالمية المرتقبة، معتبرين أن حقوق العمال لا يمكن تأجيلها أو تهميشها لصالح الفعاليات الرياضية الكبرى.
وأكد أحد قادة النقابة، فيليبرتو فراوستو، أن ما يجري يكشف، من وجهة نظر المحتجين، عن تحويل المساحات العامة إلى فضاءات تخدم مصالح الشركات الكبرى المرتبطة بكأس العالم على حساب الحقوق الاجتماعية والعمالية، معتبراً أن ذلك ينتقص من قيمة النضال من أجل حقوق العاملين.
معركة التقاعد
تجاوزت مطالب المعلمين حدود زيادة الأجور لتتركز بصورة أساسية حول ملف التقاعد والضمان الاجتماعي، الذي يشكل محور الأزمة الحالية بين النقابة والحكومة.
وأوضحت منصة “مكسيكو سوليداريتي” أن المطلب المركزي للنقابة يتمثل في الإلغاء الكامل لقانون الضمان الاجتماعي للمعلمين (ISSSTE) الصادر عام 2007، والعودة إلى نظام تقاعد قائم على مبدأ التضامن الاجتماعي، بحيث يسهم العاملون في تمويل معاشات المتقاعدين، ويُحتسب المعاش وفق آخر راتب وعدد سنوات الخدمة، وليس وفق المدخرات الفردية وتقلبات الأسواق المالية.
وطالبت النقابة كذلك بإعادة اعتماد التقاعد على أساس سنوات الخدمة بدلاً من السن القانونية، بحيث يصبح بإمكان الرجال التقاعد بعد ثلاثين عاماً من الخدمة والنساء بعد ثمانية وعشرين عاماً، بصرف النظر عن أعمارهم.
ودعت أيضاً إلى احتساب المعاشات على أساس الحد الأدنى للأجور بدلاً من وحدة قياس المعاشات (UMA)، معتبرة أن هذه الوحدة فقدت جزءاً كبيراً من قوتها الشرائية وأدت إلى تقليص القيمة الفعلية للمعاشات.
وشددت النقابة على ضرورة رفع الرواتب بنسبة 100%، مؤكدة أن ضعف الرواتب الأساسية يجعل حتى المعاشات المستندة إلى النظام التضامني غير كافية لتأمين حياة كريمة بعد التقاعد.
وبررت الحكومة رفضها إلغاء قانون عام 2007 بالمخاوف المرتبطة بالكلفة المالية الضخمة المترتبة على العودة إلى النظام السابق، غير أن النقابة ترى أن المشكلة لا تقتصر على الاعتبارات المالية، بل ترتبط بمصير الأموال المتراكمة في حسابات الادخار الفردية التي تستخدم في استثمارات وقروض ومعاملات مالية مختلفة.
واعتبرت المنصة أن المعلمين لا يطالبون بمنح أو امتيازات إضافية، بل باستعادة حقوق مرتبطة بمفهوم الضمان الاجتماعي والتضامن بين الأجيال، وترى أن نظام الحسابات الفردية أدى إلى إضعاف الحماية الاجتماعية وإلى تحميل العمال وحدهم مخاطر مستقبلهم التقاعدي.
احتجاجات وإصابات
اتسعت دائرة الاحتجاجات لتشمل ولايات أخرى، وعلى رأسها ولاية أواكساكا، حيث شهدت الأحداث منحى أكثر عنفاً.
وأفادت صحيفة “مكسيكو نيوز ديلي” بأن نقابة المعلمين أوقفت مشاركتها في المحادثات مع الحكومة الفيدرالية بعدما تعرض معلمون معتصمون في بلدة فيلا دي ميتلا لهجوم أدى إلى إصابة عدد من المحتجين.
وأقام معلمو الفرع 22 التابع للنقابة مخيماً احتجاجياً وأغلقوا الطريق السريع الفيدرالي رقم 190 الذي يربط مدينة أواكساكا ببرزخ تيهوانتيبيك، قبل أن تتصاعد التوترات مع بعض السكان المحليين.
ووصل عمدة بلدية ميتلا، إيساو لوبيز، برفقة مجموعة مسلحة إلى موقع الاحتجاج، وانتهى الموقف بفض الاعتصام بالقوة وإطلاق أعيرة نارية، ما أسفر عن نقل ما لا يقل عن ستة عشر معلماً إلى المستشفى لتلقي العلاج.
وتفرق المحتجون بعد المواجهات، لكنهم أضرموا النار في شاحنة على جانب الطريق السريع، كما عززوا وجودهم في المخيمات الاحتجاجية بمدينة أواكساكا، بالتزامن مع استمرار التحركات في العاصمة.
وأقرّ عمدة البلدية لاحقاً بمسؤوليته عن أحداث العنف، لكنه قال إن المعلمين بدؤوا الاعتداءات، مؤكداً في الوقت نفسه أنه لا يعرف مصدر إطلاق النار الذي أدى إلى وقوع الإصابات.
وأعادت هذه الأحداث تسليط الضوء على حق العمال في الاحتجاج السلمي وعلى المخاطر التي قد يتعرض لها المحتجون أثناء ممارستهم لهذا الحق، في ظل تصاعد التوتر بين النقابة والسلطات المحلية.
وأكدت رئيسة المكسيك كلوديا شينباوم أن الحكومة ما زالت تراهن على الحوار لمعالجة المطالب التي تسمح الإمكانات المالية بتنفيذها، مشيرة إلى أن بعض المطالب لا يمكن تلبيتها بالكامل بسبب القيود المرتبطة بالميزانية العامة.
لكن المحتجين أبدوا تشككهم في جدية هذه الوعود، معتبرين أن الاجتماعات المتكررة لم تفض حتى الآن إلى نتائج ملموسة.
واستمرت النقابة في التمسك بخيار التصعيد، مؤكدة أن تحركاتها ستتواصل حتى تحقيق مطالبها المتعلقة بالأجور والتقاعد والضمانات الاجتماعية، حتى لو امتد ذلك إلى فترة إقامة كأس العالم.
وتكشف الأزمة الراهنة عن صدام بين رؤيتين مختلفتين؛ الأولى حكومية تركز على إدارة التوازنات المالية والاقتصادية، والثانية نقابية تعتبر أن الحق في التقاعد الكريم والأجر العادل والضمان الاجتماعي يشكل حقوقاً أساسية لا يجوز إخضاعها لحسابات السوق أو الأولويات السياسية المؤقتة.
