منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

التشيك تتجه لحظر الهواتف المحمولة في المدارس لتعزيز التركيز ومواجهة التنمر الإلكتروني

21 يوليو 2026
استخدام الهواتف المحمولة داخل المدارس
استخدام الهواتف المحمولة داخل المدارس

تسعى الحكومة التشيكية إلى إحداث تحول جديد في بيئة التعليم من خلال تقليص حضور الهواتف المحمولة داخل المدارس، في خطوة تعكس تزايد المخاوف من تأثير الأجهزة الذكية في تركيز التلاميذ وسلامتهم النفسية والاجتماعية، ويأتي هذا التوجه في إطار جهود رسمية تستهدف توفير بيئة تعليمية أكثر هدوءاً وانضباطاً، مع الحد من الممارسات المرتبطة بالتنمر الإلكتروني التي تصاعدت خلال السنوات الأخيرة بين الطلاب.

دخول القانون حيز التنفيذ

وذكرت وكالة الأنباء الألمانية أن الحكومة التشيكية وافقت على مشروع قانون يحظر استخدام الهواتف المحمولة وأجهزة الاتصالات الإلكترونية الأخرى، ومنها الساعات الذكية، داخل المدارس، على أن يبدأ تطبيقه اعتباراً من الأول من سبتمبر عام 2027، بعد استكمال الإجراءات التشريعية والحصول على موافقة مجلسي البرلمان.

ولا يقتصر الحظر على أوقات الحصص الدراسية فقط، بل يمتد ليشمل فترات الاستراحة أيضاً، كما يطبق على جميع تلاميذ مرحلة التعليم الإلزامي التي تمتد تسع سنوات، وترى الحكومة أن هذا الإجراء سيسهم في تقليل مصادر التشتيت داخل المدارس، ويمنح المعلمين فرصة كبرى لإدارة العملية التعليمية دون انشغال الطلاب بالأجهزة الإلكترونية أو تطبيقات التواصل الاجتماعي.

وجهة نظر الحكومة

ويؤكد مؤيدو مشروع القانون أن الهواتف الذكية أصبحت أحد أبرز العوامل التي تؤثر في قدرة الطلاب على التركيز داخل الفصول الدراسية، كما أنها توفر بيئة خصبة لانتشار التنمر الإلكتروني عبر تطبيقات المراسلة ومنصات التواصل المختلفة، وهو ما ينعكس سلباً على الصحة النفسية للطلاب ويؤثر في تحصيلهم الدراسي وعلاقاتهم الاجتماعية.

ويرى الداعمون للمشروع أن المدرسة يجب أن تظل مساحة مخصصة للتعلم والتفاعل المباشر بين الطلاب والمعلمين، بعيداً عن الإشعارات المستمرة ومقاطع الفيديو والألعاب الإلكترونية التي تستحوذ على اهتمام الأطفال لساعات طويلة، مؤكدين أن تقليل الاعتماد على الهواتف خلال اليوم الدراسي قد يعزز مهارات التواصل الإنساني ويحد من العزلة الرقمية بين التلاميذ.

وجهة نظر المعارضين

في المقابل، يواجه مشروع القانون انتقادات من عدد من السياسيين والخبراء في قطاع التعليم الذين يعدون الحظر الكامل لا يمثل الحل الأمثل للتعامل مع تحديات العصر الرقمي. ويعتقد هؤلاء أن المؤسسات التعليمية مطالبة بتعليم الطلاب أساليب الاستخدام الآمن والمسؤول للتكنولوجيا، بدلاً من منعها بشكل كامل داخل المدارس، خاصة أن المهارات الرقمية أصبحت جزءاً أساسياً من متطلبات التعليم الحديث وسوق العمل.

كما يدعو معارضو المشروع إلى الاستثمار بصورة كبرى في البنية التكنولوجية للمدارس، من خلال توفير أجهزة الكمبيوتر اللوحي للتلاميذ وإدماج الأدوات الرقمية في العملية التعليمية بطريقة منظمة، ما يحقق التوازن بين الاستفادة من التكنولوجيا والحفاظ على انضباط البيئة المدرسية.

انتقادات حقوقية وسياسية

وانتقد مارتن كوبكا، زعيم الحزب الديمقراطي المدني المحافظ، مشروع القانون، معتبراً أن تطبيق الحظر سيضع عبئاً إضافياً على المعلمين؛ لأنهم سيضطرون إلى مراقبة الطلاب والتأكد من عدم حملهم أو استخدامهم للهواتف، وهو ما قد يحولهم إلى جهات رقابية بدلاً من التركيز على دورهم التربوي والتعليمي.

من جانبه، أعرب مفوض حقوق الأطفال في التشيك، مارتن بينيس، عن تحفظه على مشروع القانون، محذراً من أن فرض الحظر بصورة عامة قد يدفع الأطفال إلى النظر للمدرسة باعتبارها مكاناً يفرض القيود على حرياتهم دون منحهم فرصة للمشاركة في وضع القواعد المنظمة لحياتهم اليومية داخل المؤسسة التعليمية.

وأضاف بينيس أن إصدار قانون موحد قد لا يكون ضرورياً في الوقت الحالي، مشيراً إلى أن نحو 93 بالمئة من المدارس التشيكية تطبق بالفعل لوائح داخلية تنظم استخدام الهواتف المحمولة بين الطلاب، وهو ما يعكس قدرة المؤسسات التعليمية على إدارة هذا الملف وفقاً لاحتياجاتها وظروفها الخاصة.

جدل يتجاوز حدود التشيك

ويكشف الجدل الدائر في التشيك عن تحد متزايد تواجهه الأنظمة التعليمية في مختلف دول العالم، يتمثل في كيفية تحقيق التوازن بين الاستفادة من التطور التكنولوجي وحماية البيئة التعليمية من آثاره السلبية. فبينما ترى بعض الدول أن الحظر المؤقت داخل المدارس يمثل وسيلة فعالة لاستعادة تركيز الطلاب، تفضل دول أخرى الاعتماد على التوعية الرقمية وتعزيز الثقافة التكنولوجية باعتبارها الحل الأكثر استدامة.

شهدت السنوات الأخيرة اتجاهاً متنامياً في عدد من الدول الأوروبية نحو فرض قيود على استخدام الهواتف المحمولة داخل المدارس بعد صدور دراسات تربوية ونفسية ربطت الاستخدام المفرط للأجهزة الذكية بتراجع التركيز وارتفاع معدلات التشتت وضعف التفاعل الاجتماعي بين الطلاب.

 كما عززت زيادة حالات التنمر الإلكتروني والضغوط النفسية المرتبطة بوسائل التواصل الاجتماعي مطالب الحكومات بوضع ضوابط أكثر صرامة لاستخدام الهواتف خلال اليوم الدراسي. وفي المقابل، تواصل المؤسسات التعليمية وخبراء التكنولوجيا مناقشة أفضل السبل لتحقيق التوازن بين حماية الطلاب من الآثار السلبية للتكنولوجيا والاستفادة من إمكاناتها في تطوير العملية التعليمية وإكساب الأجيال الجديدة المهارات الرقمية اللازمة للمستقبل.