كشفت دراسة علمية حديثة أن جفاف بحر قزوين، أكبر مسطح مائي مغلق في العالم، لم يعد مجرد نتيجة لتقلبات طبيعية أو تغيرات مناخية عابرة، بل يرتبط بشكل مباشر بعوامل بشرية المنشأ غيّرت توازن المياه في هذا الحوض الحيوي خلال العقود الأخيرة.
وتشير الدراسة التي نشرتها مجلة “Earth’s Future”، إلى أن بحر قزوين يشهد تراجعا واضحا في منسوب المياه منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، في وقت تبدو فيه الأسباب أكثر تعقيدا من مجرد ارتفاع درجات الحرارة أو زيادة التبخر.
وبينما أسهم الاحترار المناخي في زيادة فقدان المياه، فإن الجزء الأكبر من الأزمة يعود إلى تدخلات بشرية واسعة في الأنهار المغذية للبحر، وفي مقدمتها نهر الفولغا.
ويُعد نهر الفولغا المصدر الرئيسي للمياه المتدفقة إلى بحر قزوين، ولذلك فإن أي تغيير في خصائصه الهيدرولوجية ينعكس مباشرة على مستوى البحر.
ورغم أن معدلات هطول الأمطار في حوض الفولغا سجلت ارتفاعا طفيفا خلال العقود الماضية، فإن كمية المياه التي تصل فعليا إلى بحر قزوين تراجعت بصورة حادة، ما يكشف عن خلل واضح بين الموارد الطبيعية المتاحة وما يصل منها إلى البحر.
زيادة التبخر في بحر قزوين
توضح الدراسة أن ارتفاع درجات الحرارة أدى بالفعل إلى زيادة معدلات التبخر في منطقة بحر قزوين، إلا أن هذه الزيادة لا تفسر سوى نحو 40% من فقدان المياه المسجل.
أما النسبة الأكبر من الانكماش، فترتبط بالنشاط البشري المباشر، خصوصا التوسع في إنشاء السدود والخزانات ومشروعات الري والاستخدامات الصناعية والملاحية على امتداد نهر الفولغا وروافده.
وعلى مدى عقود، خضع نهر الفولغا لتدخلات واسعة غيّرت طبيعته كأحد أهم الأحواض النهرية في المنطقة، فقد جرى بناء منشآت مائية متعددة للتحكم في التدفقات، وتوفير المياه للزراعة والصناعة، وتحسين الملاحة النهرية، وربط مناطق اقتصادية وتجارية عبر قنوات مائية، وهو ما أدى في النهاية إلى تقليل كمية المياه التي تصل إلى بحر قزوين.
وتشير الدراسة إلى أن جزءا من المياه التي كانت تتدفق طبيعيا نحو البحر أصبح يُعترض في المجرى الأعلى للنهر، سواء من خلال الخزانات أو الاستخدامات المختلفة.
ربط البحر بطرق ملاحية
لفتت الدراسة إلى أن قناة «فولغا-دون»، رغم أهميتها الاقتصادية والجيوسياسية في ربط البحر بطرق ملاحية أوسع، تسهم بدورها في استنزاف موارد بحر قزوين المائية.
وبحسب بيانات الدراسة، انخفض منسوب بحر قزوين بنحو مترين منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، من نحو 26 مترا تحت مستوى سطح البحر إلى 28 مترا تحت مستوى سطح البحر.
وتقلصت مساحة البحر بنحو 24 ألف كيلومتر مربع، أي ما يعادل 5.5% من إجمالي مساحته، إلى جانب فقدان نحو 630 كيلومترا مكعبا من المياه.
ويمثل هذا التراجع مؤشرا خطيرا لأن بحر قزوين ليس بحرا مفتوحا متصلا بالمحيطات، بل هو حوض مغلق يعتمد على توازن دقيق بين المياه الداخلة إليه من الأنهار وبين المياه المفقودة بفعل التبخر والاستخدامات البشرية، ومع اختلال هذا التوازن، يصبح البحر عاجزا عن تعويض خسائره ذاتيا.
ويعد الجزء الشمالي الضحل من بحر قزوين الأكثر تضررا من الانكماش، بسبب انخفاض عمقه وسرعة تأثره بأي تراجع في مستوى المياه، وتكمن خطورة ذلك في أن هذه المنطقة ليست مجرد امتداد جغرافي للبحر، بل تمثل نظاما بيئيا بالغ الأهمية لمصايد الأسماك والأراضي الرطبة ومسارات هجرة الطيور ومناطق تكاثر الأنواع البحرية.
أضرار تراجع المياه
من بين أكثر الكائنات تضررا من تراجع المياه سمك الحفش، الذي ترتبط به صناعة الكافيار الأسود، إذ تشكل مناطق التكاثر في شمال بحر قزوين جزءا أساسيا من دورة حياته.
ومع انحسار المياه وتدهور الموائل الطبيعية، تتزايد الضغوط على هذه الأنواع، ما يهدد التوازن البيئي والاقتصادي المرتبط بها.
ولا تقف تداعيات الجفاف عند حدود البيئة وحدها، إذ تمتد إلى قطاعات اقتصادية وسياسية متعددة، فتراجع مستوى المياه قد يؤثر على الموانئ والملاحة والصيد والبنية التحتية الساحلية، كما يمكن أن يخلق توترات إضافية بين الدول المطلة على البحر، خاصة في ظل تداخل المصالح المائية والاقتصادية والطاقة والنقل.
وتطل على بحر قزوين خمس دول هي روسيا وكازاخستان وتركمانستان وإيران وأذربيجان، وهو ما يجعل إدارة موارده قضية إقليمية معقدة.
ورغم توقيع اتفاقية الوضع القانوني لبحر قزوين عام 2018 في مدينة أكتاو، فإن التباينات السياسية والمصالح المتعارضة بين الدول الخمس ما زالت تعرقل إنشاء نظام بيئي ملزم للرصد وتبادل البيانات وإدارة الموارد المائية بصورة شفافة.
غياب الشفافية في تبادل البيانات
تحذّر الدراسة من أن غياب الشفافية في تبادل البيانات، خصوصا بشأن كميات المياه المسحوبة من الأنهار المغذية للبحر، يجعل من الصعب فهم حجم الأزمة بدقة أو وضع سياسات فعالة للتعامل معها، فإدارة حوض مغلق مثل بحر قزوين تحتاج إلى معرفة تفصيلية بحجم التدفقات، وكميات السحب الزراعي والصناعي، ومستويات التخزين، والتغيرات المناخية المؤثرة في التبخر.
ويرى الباحثون أن بحر قزوين لم يصل بعد إلى المصير الكارثي الذي شهده بحر آرال، الذي تحول إلى أحد أبرز رموز الانهيار البيئي في العالم بعد انكماشه الحاد، لكنهم يؤكدون أن المؤشرات التحذيرية أصبحت أكثر وضوحا، فاستمرار تراجع المياه، مع ضعف التنسيق الإقليمي، قد يدفع بحر قزوين إلى مسار بيئي خطير يصعب التراجع عنه.
وتكمن خطورة المقارنة مع بحر آرال في أن كليهما حوض مائي مغلق يتأثر بشدة بالتدخلات البشرية في الأنهار المغذية، ومع أن بحر قزوين أكبر حجما وأكثر تعقيدا، فإن التجربة السابقة تكشف أن تجاهل المؤشرات المبكرة قد يؤدي إلى انهيار بيئي واسع تكون كلفته أعلى بكثير من كلفة الوقاية.
وتدعو الدراسة إلى إنشاء نظام شفاف وملزم لإدارة الموارد المائية المرتبطة ببحر قزوين، بحيث تلتزم الدول المشاطئة بالإفصاح عن كميات المياه المسحوبة من الأنهار لأغراض الزراعة والصناعة والملاحة، وتبادل البيانات البيئية بصورة منتظمة، ووضع آليات مشتركة لرصد مستوى البحر والتغيرات التي تطرأ على موائله الطبيعية.
جفاف بحر قزوين والبعد المناخي
تشدد الدراسة على أن التعامل مع جفاف بحر قزوين لا يجب أن يقتصر على البعد المناخي، بل ينبغي أن يشمل مراجعة شاملة لطريقة إدارة نهر الفولغا والمشروعات المرتبطة به، فالأزمة، بحسب ما تكشفه البيانات، ليست فقط في ارتفاع الحرارة، بل في كيفية إدارة المياه قبل وصولها إلى البحر.
وفي ضوء هذه المؤشرات، يبدو جفاف بحر قزوين إنذارا مبكرا لأزمة بيئية إقليمية عابرة للحدود، فالبحر الذي شكّل لقرون مصدرا للحياة والتجارة والغذاء والتنوع البيولوجي، يواجه اليوم ضغطا متزايدا بفعل النشاط البشري وتغير المناخ وضعف الحوكمة البيئية.
وتخلص الدراسة إلى أن حماية بحر قزوين تتطلب تحركا عاجلا من الدول الخمس المطلة عليه، ليس فقط للحفاظ على مستوى المياه، بل لحماية نظام بيئي واقتصادي كامل يعتمد عليه ملايين السكان، فاستمرار الانكماش دون إدارة مشتركة وشفافة قد يحوّل أكبر مسطح مائي مغلق في العالم إلى نموذج جديد لأزمة بيئية كان يمكن تفاديها.
