منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

اقتصاد المعابد في الصين.. حين تتحول الهوية الثقافية إلى مساحة لممارسة حرية المعتقد

12 يوليو 2026
إقبال متزايد لشباب الصين على المعابد
إقبال متزايد لشباب الصين على المعابد

تكشف عودة الإقبال المتزايد على المعابد في الصين عن تحول اجتماعي وثقافي يسلط الضوء على أحد الحقوق الأساسية التي تكفلها المواثيق الدولية، وهو الحق في حرية الفكر والوجدان والدين، في وقت يواجه فيه الشباب الصيني تحولات اقتصادية واجتماعية متسارعة دفعت كثيرين إلى البحث عن مساحات تمنحهم الطمأنينة والإجابة عن أسئلة المستقبل.

وفي هذا السياق، رصدت صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية تنامي ما بات يُعرف بـ”اقتصاد المعابد”، في ظاهرة تجمع بين البعد الروحي والثقافي والاجتماعي، وتعكس عودة لافتة إلى الممارسات الدينية والتقاليد المحلية بعد عقود من التحولات الاقتصادية العميقة.

ووصفت الصحيفة مشهداً يتكرر يومياً أمام معبد لينغين بمدينة هانغتشو، حيث يتواصل تدفق الزوار حتى مع اقتراب موعد إغلاق أبوابه، في حين يردد مكبر صوت آلي مطالبة القادمين بإظهار حجوزاتهم المسبقة، وبمجرد عبور البوابات، يتغير المشهد بالكامل، إذ يعبر الزوار بين المنحوتات الصخرية وقاعات المعبد وساحاته، في حين تختلط رائحة البخور بأصوات الأدعية وحركة المصلين.

وأوضحت “فايننشال تايمز” أن معبد لينغين المعروف باسم “معبد خلوة الروح” يعود تاريخه إلى القرن الرابع الميلادي، ويعد أحد أشهر المعابد البوذية في الصين، ورغم أن الدخول إليه مجاني، فإن حجم الإقبال الكبير دفع السلطات إلى فرض نظام الحجز المسبق لتنظيم أعداد الزائرين، في مؤشر يعكس الشعبية المتزايدة للمعابد في مختلف أنحاء البلاد، حتى أصبح مصطلح “اقتصاد المعابد” متداولاً داخل قطاع السياحة الصينية.

نشاط اقتصادي مرتبط بالمعابد

لا يقتصر هذا المفهوم على النشاط الاقتصادي المرتبط بالمعابد، بل يعكس اتجاهاً اجتماعياً أوسع يتمثل في عودة الشباب إلى الفضاءات الدينية والثقافية، فداخل المعبد، يؤدي الزوار طقوس الصلاة والانحناء أمام مبخرات البخور، في حين يلمس آخرون نقوشاً حجرية أملاً في تحقق أمنياتهم، في حين يكتفي بعضهم بالتأمل أو التجول في المكان الذي يعد بالنسبة إليهم جزءاً من التراث الثقافي الصيني.

ونقلت الصحيفة عن الشاب لين شيانغروي البالغ من العمر 18 عاماً خلال زيارته الأولى للمعبد قوله: “هكذا نحن الصينيين، سواء كان المكان معبداً بوذياً أو مزاراً طاوياً، فإننا نذهب للصلاة”، لكنه أوضح في الوقت نفسه أنه لا يعد نفسه بوذياً بالمعنى الكامل، مضيفاً أن الإيمان يحتاج إلى رحلة طويلة تبدأ من البداية حتى النهاية، قبل أن يستشهد بمثل صيني يقول: “الشيء موجود إن آمنت به، وغير موجود إن لم تؤمن به”.

ويبرز هذا التصور طبيعة العلاقة الخاصة بين الدين والثقافة في الصين، حيث لا ينظر كثير من الشباب إلى زيارة المعابد باعتبارها التزاماً دينياً صارماً، وإنما بوصفها ممارسة ثقافية وروحية تعبر عن جانب من الهوية الوطنية، وهو ما يجعل حرية ممارسة الشعائر مرتبطة أيضاً بالحق في الحفاظ على الموروث الثقافي والتعبير عنه.

وأشارت “فايننشال تايمز” إلى أن تنامي الإقبال على المعابد يتزامن مع مرحلة يصفها كثير من الشباب بأنها تتسم بالغموض وعدم اليقين، بعد عقود من النمو الاقتصادي السريع وما صاحبها من تغيرات اجتماعية واسعة، فمع تصاعد التحديات المرتبطة بسوق العمل، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع معدلات الزواج، باتت المعابد تمثل بالنسبة إلى كثيرين مساحة هادئة للتأمل والابتعاد مؤقتاً عن ضغوط الحياة اليومية.

ونقلت الصحيفة عن الطالب الجامعي مايك لي البالغ من العمر 20 عاماً ويدرس إدارة الأعمال قوله إنه صلى مرات عدة خلال يوم واحد، وعندما سئل عما يشغل تفكيره، أجاب بأنه يفكر في الماضي والحاضر والمستقبل في الوقت نفسه، معتبراً أن الزمن ليس سوى وسيلة لفهم الذات، كما أوضح أنه لا يفهم البوذية إلا بصورة سطحية، وهو توصيف تكرر لدى عدد من الزوار الذين التقتهم الصحيفة.

ورصدت الصحيفة أن هذه الظاهرة تختلف عن أنماط التدين التقليدية المعروفة في كثير من الدول، إذ يمتزج في الصين البعد الديني بالموروث الثقافي والاجتماعي، وتتداخل البوذية والطاوية مع المعتقدات الشعبية القديمة، بحيث يصعب في كثير من الأحيان الفصل بين الانتماء الديني والهوية الثقافية.

وتناولت الصحيفة جانباً آخر من هذا المشهد داخل معبد السحابة البيضاء في شنغهاي، حيث شرح أحد العاملين الفروق بين طقوس الصلاة في الطاوية والبوذية، موضحاً أن وضع اليدين يختلف بين الديانتين، وأن بعض هذه الحركات يعود إلى تقاليد صينية قديمة سبقت ظهور كثير من الممارسات الدينية الحالية، ما يعكس عمق الترابط بين الثقافة والتدين في المجتمع الصيني.

وفي معبد بوذا اليشم بمدينة شنغهاي، نقلت الصحيفة عن عامل في قطاع تكنولوجيا المعلومات يبلغ من العمر 23 عاماً قوله إنه عاد إلى المعبد وفاء لنذر قطعه على نفسه بعدما شعر بأن ما دعا به في زيارة سابقة قد تحقق.

وأوضح أنه اكتشف المعبد مصادفة عبر الإنترنت بعد انتقاله إلى شنغهاي، وأن لقاءه بسيدة مسنة دعته لتناول وجبة نباتية جعله يشعر بما يعرف في الثقافة الصينية بمفهوم “يوانفن” الذي يشير إلى القدر أو الروابط الإنسانية غير المتوقعة.

وأكد الشاب أن ما يجذبه إلى هذه التجربة لا يتعلق بالضرورة بالانتماء الديني، وإنما بما تمثله من ثقافة متجذرة في المجتمع الصيني، حيث تتداخل المعتقدات الشعبية مع الفلسفات الدينية في إطار واحد.

التراث والهوية

وأوضحت الصحيفة أن معبد لينغين الذي يضم 500 تمثال لرهبان مستنيرين، أعيد بناؤه عام 1999 بعد أن تعرض خلال الثورة الثقافية لتهديدات كادت تقضي عليه، في حين سمحت الإصلاحات التي بدأت عام 1982 بعودة النشاط الديني بصورة منظمة.

واستشهدت الصحيفة برأي الكاتب إيان جونسون مؤلف كتاب “أرواح الصين: عودة الدين بعد ماو” الذي يرى أن الحكومة الصينية اتجهت لاحقاً إلى التعامل مع الدين والتقاليد بوصفهما جزءاً من التراث الثقافي غير المادي.

وأضافت الصحيفة أن كثيراً من الزوار ينظرون إلى هذه المعابد باعتبارها أماكن تحمل قيمة تاريخية وروحية في الوقت نفسه.

ونقلت الصحيفة عن أحد العاملين في القطاع المالي في شنغهاي الذي فضل عدم الكشف عن هويته، قوله إن نظرة المجتمع إلى زيارة المعابد تغيرت بصورة كبيرة خلال العقدين الماضيين، فبعدما كان الذهاب إلى المعابد يوصف سابقاً بأنه نوع من الخرافة، أصبحت هذه الأماكن اليوم، بالنسبة إلى كثيرين، ملاذاً للتخلص من القلق والضغوط اليومية.

وتخلص الفايننشال تايمز إلى أن تزايد حضور الشباب في المعابد لا يمكن تفسيره بعامل واحد، سواء كان الضغوط الاقتصادية أو البطالة أو التحولات الاجتماعية، بل يعكس أيضاً رغبة في استعادة صلة بالهوية الثقافية والروحية، فبالنسبة إلى كثير من الزوار، تمثل العودة إلى المعابد لقاءً مع جزء من ذاكرتهم الشخصية والجماعية، وهو ما عبر عنه لين شيانغروي بقوله إن عائلته كانت تصطحبه إلى هذه الأماكن عندما كان صغيراً، وإن عودته إليها اليوم تشبه لقاء صديق قديم بعد غياب طويل.

 

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print