منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

 إن تطبيع أفكار حزب “ريفورم” يعني ببساطة تحويل الجار إلى عدو لجاره

18 مايو 2026
رسم توضيحي: آر فريسون
رسم توضيحي: آر فريسون

نسرين مالك*

اصرفوا أنظاركم قليلاً عن وستمنستر، وعن معركة الوصول إلى رئاسة الوزراء، وانظروا بدلاً من ذلك إلى حياة الأقليات العرقية والمهاجرين الذين يعيشون في إنجلترا، والذين شاهدوا أجزاءً واسعة من البلاد تتحول إلى اللون الفيروزي في انتخابات المجالس المحلية الأخيرة، في إشارة إلى صعود حزب “ريفورم”.

كيف سيعامل ممثلو هذا الحزب هؤلاء الناس، في حين ينظر إليهم الحزب باعتبارهم بشراً أقل قيمة، وتهديداً للنسيج الاجتماعي للمجتمعات التي يعيشون فيها؟

أحد أعضاء المجالس المحلية المنتخبين حديثاً عن الحزب كتب -بحسب ما نُشر- تعليقاً يقول فيه: “لا أصدق عدد النيجيريين في المدينة… يجب صهرهم جميعاً وردم الحفر بهم”. وعندما وُضع هذا التصريح أمام نائب زعيم الحزب ريتشارد تايس، ردّ بأن الناخبين اعتادوا “حملات التشويه والازدراء” هذه.

مرشح آخر للحزب كتب أن المسلمين “لا يتعايشون أبداً مع الآخرين” ويجب ترحيلهم، وأن معدلات الذكاء لدى الأفارقة “من بين الأدنى في العالم”. في حين قال آخر إن “الحل الوحيد” هو “إزالة المسلمين من أراضينا”، واعتبر اليهود الأشكناز “مشكلة” تسببت في “تعاسة هائلة للعالم”.

أما نايجل فاراج نفسه، فمن أين يمكن البدء؟ فقد اتُّهم سابقاً بالغناء ساخراً لأناشيد “شباب هتلر”، كما اتُّهم بإطلاق إساءات عنصرية خلال سنوات الدراسة، وهو معجب بإينوك باول، ويؤمن بأن بعض المسلمين موجودون هنا “للسيطرة علينا”، ويشعر بالانزعاج من سماع لغات أخرى في وسائل النقل العامة، بل ألقى باللوم على الهجرة حتى في أزمة الازدحام المروري.

لكن هذا النوع من الخطاب أصبح ضوضاء اعتيادية في الخلفية، أليس كذلك؟ مجرد جزء من الوحل السياسي الذي غرقنا فيه منذ “بريكست”. “استعيدوا السيطرة”، “أوقفوا القوارب”، “أمّنوا حدودنا”. مزاعم أننا أصبحنا نخجل من ثقافتنا وتاريخنا بسبب أغنية لم تُغنَّ في “ليلة الحفلات الأخيرة”. ومعارك المناهج الجامعية التي ألقت بالطلاب السود والآسيويين والأقليات تحت الحافلة. والجدل العبثي حول الأعلام التي يُقال إننا لا نفتخر بها بما يكفي.

لقد أصبحت سياسات وخطابات “ريفورم” شبه متطابقة مع دوامة الحروب الثقافية والهستيريا المعادية للهجرة التي باتت تشكل الثقافة السياسية السائدة في بريطانيا.

بل يمكنك بسهولة أن تجري اختباراً بعنوان “من قال هذا؟” بين المحافظين و”ريفورم” والعمال، وتفشل في التمييز بينهم. بل ويمكنك أيضاً إضافة تومي روبنسون إلى هذا الخليط، بعدما نظم في لندن نهاية الأسبوع الماضي مسيرته الثانية تحت شعار “توحيد المملكة”، داعياً إلى “الوحدة الوطنية وحرية التعبير والقيم المسيحية”.

لكن الكلمات التي تملأ صحفنا وشاشاتنا ليست بلا ثمن، فهي تشكل قناعات الناس ومواقفهم السياسية، وهي، بلا شك، دفعت كثيرين إلى الانقلاب على جيرانهم والتصويت لـ”ريفورم”.

الأقليات العرقية تدرك جيداً أن فوز مرشحي الحزب لا يحمل لها أي وعد بتحسن الأوضاع، بل العكس تماماً، فالمشروع السياسي للحزب لا يقوم على رؤية اقتصادية أو خطة لدعم الناس وسط أزمة غلاء المعيشة، بل يقوم في جوهره على “سياسات الهوية”.

الحزب تعهد بخفض الإنفاق، ورفض إسكان طالبي اللجوء في مناطقه، وإنهاء أي أدوار متعلقة بالتنوع داخل الحكومات المحلية. لكنه، كغيره، سيظل مقيداً بسياسات الحكومة المركزية، ولن ينجح إلا في نشر مزيد من الخوف والشك والانقسام.

وسيتحول القلق الوطني بشأن الهجرة إلى قلق محلي بشأن وجود الأقليات داخل مجتمعاتنا.

“الجيران السود” سيصبحون موضع ريبة، وربما يصل الأمر إلى مراقبة اللغات التي يُسمح لهم بالتحدث بها، فاراج نفسه قال إن عدد الطلاب الذين يتحدثون الإنجليزية بوصفها لغة ثانية في غلاسكو يمثل “تحطيماً ثقافياً” للمدينة.

أما فيما يتعلق بالممارسات الثقافية والمظهر العام الذي يُسمح للأقليات بإظهاره، كي لا يبتعدوا عن “البريطانية”، فقد قال فاراج إن المهاجرين القادمين من جزر الهند الغربية اندمجوا بشكل أفضل لأن لديهم “تاريخاً وثقافة وديناً مشتركاً” مع بريطانيا.

وفيما يخص حرية الدين، دعا فاراج إلى حظر الصلاة العامة للمسلمين، معتبراً أن فعالية رمضانية أُقيمت في لندن هذا العام كانت “محاولة متعمدة ومقصودة، ليس فقط لممارسة دين مختلف بشكل خاص، بل للسيطرة على أسلوب حياتنا وترهيبه”.

في ظل هذه الأجواء، من الذي سيُستثنى من الشبهة؟ ومن الذي سيُسمح له باعتبار هذا المكان وطناً؟

الرجل الأسود الذي تعيش عائلته هنا منذ أجيال، والمرأة المحجبة التي طلبت اللجوء، والطفل الأسمر المولود في بريطانيا الذي يتحدث لغة أخرى غير الإنجليزية مع أصدقائه وعائلته -كما أفعل أنا أحياناً، في تلك المحادثات داخل وسائل النقل العامة التي تمنح فاراج شعوراً بالضيق- جميعهم يُقدَّمون باعتبارهم “محطمين للثقافة”، وغرباء إلى الأبد، ما لم يتخلوا عن لونهم وثقافتهم وطريقة لباسهم وكلامهم.

لقد فشلنا في استيعاب خطورة ما يحدث.. اليمين المعادي للمهاجرين مُنح مساحة ووقتاً كافيين من الإعلام والسياسيين حتى يرسخ نفسه باعتباره التيار السائد، وما يُسمى بـ”المخاوف المشروعة” من الهجرة تحول إلى غطاء للتحيز والكراهية.

أما الحديث عن العنصرية التي تُعرّف هذه السياسة المتضخمة، فأصبح يُوصم بأنه “استيقاظ ثقافي” أو “ووك”.

سيقول لكم “ريفورم”: نحن نتحدث فقط عن الهجرة، ولن تمنعنا اتهامات التشويه أو السخرية من مواصلة ذلك.. وهكذا نعود إلى وستمنستر.

الخطر الحقيقي ليس في أولئك الذين ينافسون كير ستارمر على الزعامة، بل في حزب “ريفورم” الذي يقترب أكثر فأكثر من حصد مقاعد برلمانية في الانتخابات المقبلة.

وما هو على المحك هنا ليس مستقبل السياسيين، بل أمن وكرامة الأقليات العرقية في بريطانيا، وتحويل الجيران إلى مواطنين من الدرجة الثانية.

*نقلاً عن الجارديان