شهدت مدينة نيوارك في ولاية نيوجيرسي بالولايات المتحدة الأمريكية تصعيداً لافتاً في حدة التوتر بين قوات إنفاذ القانون ومئات المتظاهرين المناهضين لسياسات الهجرة، بعدما تحولت محيطات أحد مراكز احتجاز المهاجرين إلى ساحة مواجهات مباشرة عكست حجم الغضب المتزايد تجاه الإجراءات المتشددة التي تتبعها الإدارة الأمريكية بحق المهاجرين غير النظاميين.
وذكرت وكالة أسوشيتد برس أن مركز احتجاز ديلاني هول أصبح محوراً لاحتجاجات واسعة النطاق بعد ورود شكاوى متكررة من محتجزين ومنظمات حقوقية بشأن ظروف الاحتجاز داخل المنشأة، وتزامنت هذه الشكاوى مع تحركات شعبية ونشاط سياسي متصاعد من قبل منظمات مدنية ونواب ديمقراطيين طالبوا بفتح تحقيقات مستقلة حول الأوضاع داخل المركز.
إضراب عن الطعام داخل المركز
بحسب المعطيات التي نقلتها منظمات حقوقية وممثلون سياسيون، دخل عدد من المحتجزين في إضراب عن الطعام احتجاجاً على ما وصفوه بتردي الأوضاع المعيشية داخل مركز الاحتجاز، وأكدت الشكاوى أن المحتجزين يواجهون ظروفاً صعبة تتعلق بنوعية الطعام المقدم لهم، إضافة إلى الاكتظاظ داخل الزنازين وغياب التهوية والتكييف بشكل كافٍ، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة خلال الفترة الحالية.
وأشارت التقارير إلى أن بعض المحتجزين تحدثوا عن تقديم وجبات غذائية غير صالحة للاستهلاك، في حين تحدث آخرون عن انتشار الحشرات داخل بعض المرافق. وقد أثارت هذه الادعاءات موجة من الانتقادات الحقوقية، وسط مطالب بإجراء عمليات تفتيش مستقلة للتأكد من حقيقة الأوضاع داخل المنشأة.
تضامن شعبي وتحركات ميدانية
ومع انتشار الأنباء المتعلقة بالإضراب عن الطعام، تجمهر مئات المتظاهرين أمام المركز تعبيراً عن تضامنهم مع المحتجزين، وشهدت المنطقة المحيطة بالمرفق الأمني حالة من التوتر المتصاعد بعدما حاول المحتجون إغلاق بعض الطرق المؤدية إلى المركز ومنع حركة المركبات الأمنية من الدخول والخروج.
ورفع المشاركون في الاحتجاجات شعارات تندد بسياسات الهجرة الحالية وتطالب بوقف ما وصفوه بحملات الملاحقة والتضييق على المهاجرين، كما دعا المحتجون إلى تحسين ظروف الاحتجاز وضمان معاملة إنسانية للموقوفين بغض النظر عن أوضاعهم القانونية.
تدخل أمني واعتقالات واسعة
ومع اتساع نطاق الاحتجاجات، تدخلت قوات الشرطة لتفريق المتظاهرين وإعادة فتح الطرق المؤدية إلى المركز، واستخدمت القوات وسائل متعددة للسيطرة على الحشود، شملت الغاز المسيل للدموع والهراوات والخيالة، ما أدى إلى اندلاع اشتباكات متفرقة بين عناصر الأمن وبعض المحتجين.
وأسفرت المواجهات عن اعتقال أكثر من ثمانين شخصاً، وفق المعلومات الأولية المتداولة، في حين تحدثت السلطات عن تعرض عدد من عناصر الشرطة لإصابات خلال عمليات فض التجمعات، في المقابل، أكد ناشطون أن بعض المتظاهرين تعرضوا أيضاً لإصابات متفاوتة أثناء التدخل الأمني.
الإدارة الأمريكية ترفض الاتهامات
في المقابل، رفضت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاتهامات الموجهة إلى إدارة مركز الاحتجاز، مؤكدة أن المنشأة تلتزم بالمعايير المعتمدة في التعامل مع المحتجزين، وشدد مسؤولون حكوميون على أن الروايات المتداولة حول سوء الأوضاع داخل المركز لا تعكس الواقع بشكل دقيق.
وفي هذا السياق، صرح وزير الأمن الداخلي ماركواين مولين بأن المركز يوفر الاحتياجات الغذائية الأساسية للمحتجزين ويقدم الكميات المطلوبة من السعرات الحرارية وفق اللوائح المعمول بها، وأضاف أن منشآت الاحتجاز ليست مرافق فندقية، في إشارة إلى الانتقادات المتعلقة بمستوى الخدمات المقدمة.
كما دافع مسؤولون مختصون بملف الحدود والهجرة عن جودة الوجبات الغذائية المقدمة داخل المركز، مؤكدين أن الجهات المشرفة تتابع بشكل مستمر ظروف الإقامة والرعاية المقدمة للمحتجزين.
انقسام سياسي متزايد
تعكس التطورات الأخيرة في نيوارك حجم الانقسام السياسي المتنامي في الولايات المتحدة بشأن ملف الهجرة الذي يعد من أكثر القضايا إثارة للجدل في المشهد الأمريكي، ففي الوقت الذي ترى فيه الإدارة الأمريكية أن تشديد الرقابة على الهجرة غير النظامية يمثل ضرورة لحماية الأمن القومي وضبط الحدود، تعد منظمات حقوقية وأطراف سياسية معارضة بعض الإجراءات المتبعة تنتهك الحقوق الأساسية للمهاجرين وتؤدي إلى تفاقم معاناتهم الإنسانية.
ويبدو أن الاحتجاجات الأخيرة قد أعادت هذا الملف إلى واجهة النقاش العام، خاصة مع تصاعد الانتقادات المتعلقة بظروف الاحتجاز وطرق التعامل مع المهاجرين داخل المراكز المخصصة لهم.
يشكل ملف الهجرة غير النظامية أحد أكثر الملفات حساسية في الولايات المتحدة منذ سنوات طويلة، حيث تتعاقب الإدارات الأمريكية على تبني سياسات مختلفة للتعامل مع تدفق المهاجرين عبر الحدود، ولا سيما الحدود الجنوبية مع المكسيك، وخلال السنوات الأخيرة شهدت مراكز احتجاز المهاجرين موجات متكررة من الانتقادات الحقوقية بسبب مزاعم تتعلق بالاكتظاظ ونوعية الرعاية الصحية وظروف المعيشة داخل بعض المنشآت، كما تحولت هذه المراكز إلى محور سجال سياسي مستمر بين الجمهوريين والديمقراطيين، في ظل تباين الرؤى حول كيفية تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن الحدودي واحترام المعايير الإنسانية وحقوق المهاجرين.
