منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

إعداد فريق الدراسات والأبحاث بمنصة صفر

تايلاند أمام مجلس حقوق الإنسان.. تحديات في الصحة الإنجابية والفئات المهمشة

25 يونيو 2026
إشادة حقوقية بتجربة تايلاند في نظام التغطية الصحية الشاملة
إشادة حقوقية بتجربة تايلاند في نظام التغطية الصحية الشاملة

تناول تقرير أممي جديد صادر ضمن وثائق الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان وضع الحق في الصحة في تايلاند، وذلك بعد زيارة أجرتها المقررة الخاصة المعنية بحق كل إنسان في التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة البدنية والعقلية تلالينغ موفوكينغ إلى البلاد، وذلك خلال الفترة من 18 إلى 28 فبراير 2025.

وقيّم التقرير مدى إعمال الحق في الصحة البدنية والعقلية، بما في ذلك توفر الخدمات الصحية، وسهولة الوصول إليها، وقبولها، وجودتها، والعوامل الاجتماعية والقانونية والاقتصادية المؤثرة عليها.

وخلال الزيارة، التقت المقررة الخاصة مع عدد واسع من الجهات الحكومية، بما في ذلك وزارة الصحة العامة ومؤسسات الضمان الصحي والوزارات المعنية بالعمل والتعليم والعدالة والداخلية والتنمية الاجتماعية.

وزارت مرافق صحية عامة وخاصة في بانكوك، بوكيت، سا كايو، وبراشين بوري، والتقت ممثلي اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان، ووكالات الأمم المتحدة، ومنظمات المجتمع المدني والعاملين في قطاع الصحة والرعاية.

التغطية الصحية في تايلاند

أشاد التقرير بتجربة تايلاند في نظام التغطية الصحية الشاملة، معتبراً أن إدخال هذا النظام كان ممكناً بفضل تغييرات مهمة في تمويل الصحة، ويعد هذا النظام أحد أبرز عناصر قوة الملف الصحي في تايلاند، لأنه يربط الحق في الصحة بمبدأ الوصول الواسع إلى الخدمات، وعدم ترك الفئات الأقل قدرة خارج النظام الصحي.

لكن التقرير يشير في الوقت نفسه إلى أن وجود تغطية صحية شاملة لا يعني غياب التحديات، فلا تزال هناك مشكلات تتعلق بالتمويل المستدام، وتفاوت الوصول إلى بعض الخدمات المتخصصة، وتكاليف بعض الأدوية والعلاجات، وتجزؤ أنظمة البيانات الصحية، وضعف التكامل في الإحالات بين المرافق الصحية.

ويشير التقرير إلى أن دستور تايلاند لعام 2017 يكرس الحق في الصحة العامة، بما في ذلك حق الأشخاص غير القادرين مادياً في الاستفادة من الخدمات الصحية مجاناً، ويؤكد حماية الكرامة الإنسانية، كما يشدد الدستور على دور الدولة في ضمان التغطية الصحية الشاملة، وتعزيز معرفة السكان بالصحة والوقاية، ودعم الطب التقليدي التايلاندي.

كما يشير إلى أن قانون الضمان الصحي الوطني لعام 2002 يضمن التغطية الصحية للمواطنين التايلانديين، بما يشمل العلاج، والتأهيل، وتعزيز الصحة، والوقاية من الأمراض، أما قانون الصحة الوطني لعام 2007 فيعرف الصحة باعتبارها حالة بدنية وعقلية وروحية واجتماعية متوازنة، ويؤكد ضرورة مراعاة احتياجات النساء والأطفال والأشخاص ذوي الإعاقة وكبار السن.

الصحة الجنسية والإنجابية

يعد ملف الصحة الجنسية والإنجابية من أكثر الملفات حساسية في التقرير، فقد رحبت المقررة الخاصة بالتعديلات القانونية التي أدت إلى إتاحة الإجهاض في ظروف معينة، بعد حكم المحكمة الدستورية في فبراير 2020 الذي اعتبر أن بعض أحكام القانون الجنائي المتعلقة بالإجهاض تنتهك الحق في الحياة والحرية الشخصية.

وبموجب التعديلات، أصبح الإجهاض قانونياً في حالات محددة، ومتاحاً بناءً على الطلب خلال أول 12 أسبوعاً، وبين 12 و20 أسبوعاً بشرط الاستشارة الإلزامية.

لكن التقرير يؤكد أن الإجهاض لا يزال مجرّماً جزئياً، وأن النساء قد يواجهن عقوبات جنائية في حالات معينة، بما في ذلك الإجهاض بعد 12 أسبوعاً دون استشارة إلزامية أو بعد 20 أسبوعاً.

وأبدت المقررة الخاصة قلقها من استمرار فجوات الوصول إلى الإجهاض الآمن بسبب الوصمة، ومواقف بعض مقدمي الخدمات، والقيود المالية، وعدم توفر وحدات آمنة في جميع المحافظات، وضعف معرفة السكان بالخدمات المتاحة.

ومن أبرز توصيات التقرير أن تتحرك تايلاند نحو إلغاء التجريم الكامل للإجهاض، وأن تعزز الوصول إلى خدمات الصحة الجنسية والإنجابية، بما في ذلك منع الحمل والتثقيف الجنسي الشامل.

وركز التقرير على فئات محددة تواجه تحديات في التمتع الكامل بالحق في الصحة، من بينها النساء، الأطفال والمراهقون، الأشخاص ذوو الإعاقة، الأشخاص من مجتمع الميم، عديمو الجنسية، الأشخاص المتنقلون، والأشخاص المحرومون من الحرية.

هذا التركيز مهم لأنه يوضح أن الحق في الصحة لا يقاس فقط بوجود نظام وطني واسع، بل بمدى قدرة هذا النظام على الوصول إلى الفئات التي تواجه الوصمة أو التمييز أو العوائق القانونية والإدارية، فالأشخاص عديمو الجنسية والمهاجرون والأشخاص في أماكن الاحتجاز، على سبيل المثال، قد يواجهون عوائق إضافية في الوصول إلى الرعاية الصحية أو المعلومات أو آليات الشكوى.

التمييز كعائق صحي

يشير التقرير إلى استمرار الوصمة، خاصة تجاه الفئات المهمشة، باعتبارها أحد العوامل التي تؤثر على الوصول إلى الصحة، وهذا يتقاطع مع التقرير الموضوعي للمقررة الخاصة حول الصحة كمدخل للكرامة، الذي يؤكد أن الوصمة والتمييز والتجريم والإكراه والعنف والاستبعاد من صنع القرار تعد من الأسباب الجذرية للنتائج الصحية السيئة، وأنها تؤثر بشكل غير متناسب على الفئات المهمشة تاريخياً.

ومن هذا المنظور، فإن الحق في الصحة في تايلاند لا يتعلق فقط بالمستشفيات أو التأمين أو الأدوية، بل أيضاً بمدى احترام الكرامة، الخصوصية، الموافقة المستنيرة، والمشاركة في صنع السياسات الصحية.

وأعربت المقررة الخاصة عن قلقها من العبء المالي الذي يتحمله المرضى الذين يحتاجون إلى علاج متخصص، مثل أدوية بعض أنواع السرطان والأمراض النادرة، ورأت أن هذا الملف يتطلب استجابة صحية عامة تركز على تطبيق مبادئ الأعمال التجارية وحقوق الإنسان على أنشطة الصناعات المختلفة، بما في ذلك صناعة الأدوية، لضمان الوصول العادل إلى العلاجات المنقذة للحياة في القطاعين العام والخاص.

هذا الملف يربط بين الحق في الصحة ومسؤولية الشركات، خاصة في مجال تسعير الأدوية والشفافية والقدرة على تحمل تكاليف العلاج، كما يفتح مجالاً لمتابعة أوسع حول العلاقة بين الصناعات الدوائية والحق في الوصول إلى العلاج.

وأشار التقرير إلى قلق بشأن تجزؤ أنظمة البيانات الصحية وضعف التكامل بينها، إضافة إلى عدم كفاءة الإحالات بين المرافق بسبب وجود “جزر بيانات” وعدم توفر بيانات صحية شاملة حول كبار السن.

وهذا الملف قد يبدو تقنياً، لكنه جوهري في الحق في الصحة، فمن دون بيانات متكاملة، يصعب التخطيط، ورصد الفئات المحرومة، ومتابعة جودة الخدمات، وتحسين الإحالات بين مستويات الرعاية.

قراءة حقوقية

يكشف تقرير تايلاند عن حالة صحية تجمع بين إنجازات كبيرة وتحديات دقيقة، فمن جهة، تمثل التغطية الصحية الشاملة إنجازاً مهماً يميز تجربة تايلاند، ويعكس قدرة الدولة على بناء نظام صحي واسع نسبياً، ومن جهة أخرى، يوضح التقرير أن الحق في الصحة لا يتحقق بمجرد وجود تغطية عامة إذا بقيت فئات معينة تواجه الوصمة أو العوائق القانونية أو المالية أو الإدارية.

وتبرز الصحة الجنسية والإنجابية كأحد أكثر الملفات حساسية، خاصة في ظل استمرار التجريم الجزئي للإجهاض وفجوات الوصول إلى الخدمات، كما تظهر أهمية الفئات المهمشة، والبيانات الصحية، والأدوية المتخصصة، باعتبارها ملفات ستحدد مدى عدالة النظام الصحي وشموليته.

ويضع تقرير المقررة الخاصة تايلاند أمام اختبار واضح: كيف يمكن الحفاظ على إنجاز التغطية الصحية الشاملة وتطويره، مع معالجة الفجوات التي تواجه النساء والفئات المهمشة والأشخاص المحتاجين إلى علاجات متخصصة؟

وتبدو الأولويات واضحة؛ تمويل صحي مستدام، وإلغاء التجريم الكامل للإجهاض، وتعزيز الصحة الجنسية والإنجابية، ومكافحة الوصمة والتمييز، وتحسين البيانات الصحية، وضمان الوصول العادل إلى الأدوية والعلاجات المنقذة للحياة.

 

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print