توصلت أحزاب الائتلاف الحكومي في ألمانيا إلى حل وسط بشأن الوصول إلى دورات الاندماج واللغة، بعد أسابيع من الانتقادات والضغط من الولايات والبلديات ومنظمات المجتمع المدني وقطاعات اقتصادية.
ويأتي الاتفاق الجديد ليعدّل قراراً سابقاً لوزارة الداخلية الاتحادية كان قد قيّد بشكل واسع استفادة المشاركين الطوعيين من الدورات الممولة من الدولة، خصوصاً الأشخاص الذين لا تَعتبر السلطات أن لديهم “فرصة بقاء مضمونة” في ألمانيا
وبحسب ما نقلته تقارير ألمانية عن مفاوضات بين الكتلة البرلمانية للحزب الاشتراكي الديمقراطي ووزارة الداخلية، فإن الحظر الشامل على قبول المشاركين الطوعيين لن يبقى بصيغته السابقة.
ومن المقرر، اعتباراً من 1 يونيو 2026، السماح مجدداً لفئات من الأشخاص بالمشاركة في دورات الاندماج الممولة من الدولة، لكن ضمن نظام حصص مرتبط بالميزانية العامة وخطط التمويل، ما يعني أن الوصول لن يكون مفتوحاً أو مضموناً للجميع.

من تجميد إلى حصة محدودة
كانت المشكلة قد بدأت عندما أوقف المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين BAMF قبول فئات واسعة من المشاركين الطوعيين في دورات الاندماج، قبل أن تؤكد الحكومة في فبراير 2026 أن التمويل لن يُتاح مستقبلاً لمن لا يملكون منظور بقاء طويل الأمد أو يشاركون طوعاً، وأدى هذا التغيير بين 1 يناير و24 فبراير 2026 إلى استبعاد نحو 30 ألف شخص من الالتحاق بالدورات.
الحل الوسط الجديد لا يعيد الوضع إلى ما كان عليه بالكامل، لكنه ينهي “الرفض الشامل” للمشاركين الطوعيين، وسيُسمح لبعض الفئات بالحصول على مقاعد ممولة، ضمن سقف مالي متغير تحدده الميزانية، وهذا يعني أن عدد المستفيدين سيتغير من سنة إلى أخرى، وقد يتوسع أو ينكمش وفق القرارات المالية المقبلة.
ووفق التسوية، ستُعطى الأولوية لما وصفته مصادر الائتلاف بـ“الفئات ذات الحاجة الخاصة للاندماج”، ويشمل ذلك بالدرجة الأولى الأشخاص الحاصلين على حماية مؤقتة بموجب المادة 24 من قانون الإقامة، ولا سيما اللاجئين الأوكرانيين، إلى جانب مواطنين من دول الاتحاد الأوروبي ممن تُعد مشاركتهم مهمة لسوق العمل الألماني.
كما قد تُترك مساحة للنظر في حالات فردية وفق تقدير السلطات، لكن ذلك سيبقى داخل حدود الحصة المالية المتاحة. وهذا يجعل التسوية عملية براغماتية أكثر منها حقاً ثابتاً؛ فهي تعترف بأهمية اللغة والاندماج، لكنها تربط الوصول إليهما بسقف التمويل.

استبعاد طالبي اللجوء
رغم التراجع الجزئي عن القيود، تبقى أكبر نقطة خلاف هي استمرار استبعاد طالبي اللجوء ومن يحملون إقامة التسامح Duldung من دورات الاندماج العادية، فقد رحّب بعض أطراف الائتلاف بالتسوية باعتبارها تحقق هدف ضبط الإنفاق، في حين حذرت منظمات إنسانية من أن الفئات الأكثر احتياجاً للغة ستظل محرومة من المسار الأقوى للاندماج.
وبدل دورات الاندماج العادية، من المقرر توجيه كثير من طالبي اللجوء إلى دورات التوجيه الأولي، وهي أقصر وأقل عمقاً، فدورة الاندماج العادية تشمل عادة 600 ساعة لغة ألمانية و100 ساعة توجيه حول الحياة والقانون والمجتمع في ألمانيا، في حين تتكون دورات التوجيه الأولي من 300 وحدة تعليمية فقط.
وترى منظمات مثل International Rescue Committee أن هذه الدورات لا تكفي غالباً لبناء مسار اندماج مستدام في سوق العمل؛ لأنها تقدم معرفة أساسية ولا تنتهي بشهادة لغة معترف بها على النحو الذي يحتاجه كثير من الوظائف.

اللغة وسوق العمل
الجدل حول دورات الاندماج لا يتعلق بالهجرة فقط، بل بسوق العمل الألماني أيضاً. فاللغة هي المفتاح الأول للوصول إلى الوظائف، والتدريب المهني، والتعليم، والخدمات العامة.
ويؤكد المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين نفسه أن تعلم الألمانية مهم للبحث عن عمل، وملء الاستمارات، ومساندة الأطفال في المدارس، وبناء علاقات اجتماعية، وفهم تاريخ ألمانيا وثقافتها ونظامها القانوني.
ومن هذا المنطلق، حذرت جهات من المجتمع المدني والاقتصاد من أن تقليص الوصول إلى الدورات قد يعرقل الاندماج المهني، خصوصاً في وقت تحتاج فيه ألمانيا إلى عمالة في قطاعات عديدة.
كما نقل IRC عن تقرير لمعهد أبحاث سوق العمل والمهن IAB أن أكثر من نصف الشركات تشترط في التوظيف مستوى لغوياً لا يقل عن B2، وهو مستوى لا يمكن غالباً الوصول إليه عبر دورات قصيرة ومحدودة.

ضغط الولايات والبلديات
لم تكن الانتقادات محصورة في المنظمات الحقوقية، فقد ضغطت الولايات الألمانية عبر المجلس الاتحادي البوندسرات من أجل التراجع عن وقف القبول، معتبرة أن الاستبعاد الشامل من الدورات يضر بفرص العمل والمشاركة المجتمعية والاندماج الديمقراطي، وجاءت التسوية بعد قرار للبوندسرات في 8 مايو 2026 طالب الحكومة الفيدرالية بسحب قرار وقف القبول.
وتخشى البلديات والولايات من أن يؤدي حرمان الوافدين من تعلم اللغة مبكراً إلى نقل العبء إليها لاحقاً.. صعوبة في دخول سوق العمل، اعتماد أطول على المساعدات، عزلة اجتماعية، وضعف قدرة الأسر على التعامل مع المدارس والإدارات والخدمات.
تبدو التسوية الجديدة خطوة إلى الوراء عن القيود الأكثر تشدداً، لكنها لا تلغي الاتجاه العام نحو ربط الاندماج بالميزانية وبمعايير الأولوية، فقد رحّب الحزب الاشتراكي الديمقراطي بإلغاء الرفض الشامل، في حين شدد ممثلون عنه على أن التفاصيل المالية لم تُحسم بعد، وأن قدرة التسوية على فتح الوصول فعلياً ستتوقف على مفاوضات الميزانية.
وفي المقابل، ترى منظمات حقوقية أن الحل لا يذهب بعيداً بما يكفي؛ لأن الفئات التي تحتاج إلى اندماج مبكر، مثل طالبي اللجوء ومن يحملون إقامة التسامح، ستظل خارج دورات الاندماج الأساسية، ووفق IRC، فإن حرمان هؤلاء من تعلم اللغة أثناء إجراءات اللجوء، التي قد تستمر أشهراً أو سنوات، يعني إضاعة وقت تأهيلي ثمين وتعقيد دخولهم لاحقاً إلى العمل أو التدريب أو الدراسة.
سياسة اندماج أم تقشف؟
تكشف القضية عن توتر أوسع داخل السياسة الألمانية: هل تُعامل دورات الاندماج بوصفها استثماراً طويل الأمد في سوق العمل والتماسك الاجتماعي، أم بند إنفاق قابلاً للتقليص؟ فالحكومة تسعى إلى ضبط التكاليف، في حين ترى الولايات والمنظمات والاقتصاد أن تقليص اللغة قد يؤدي إلى كلفة كبرى لاحقاً.
كما أن الأشخاص الذين لا يتعلمون اللغة مبكراً يصبحون أقل قدرة على العمل، وأضعف اندماجاً في المدارس والمجتمع، وأكثر اعتماداً على شبكات المساعدة، لذلك، فإن خفض التمويل قد يبدو توفيراً مالياً قصير الأمد، لكنه قد يخلق خسائر اجتماعية واقتصادية على المدى الطويل.

