دوغلاس موراي*
كل تكنولوجيا جديدة تثير المخاوف. فما إن ظهرت المطابع حتى بدأ البعض في تحطيمها، كما واجهت الثورة الصناعية معارضين شرسين، وفي عصرنا الحالي لم تسلم الهواتف الذكية والعملات المشفرة من المنتقدين.
لكن هناك موجة رفض متزايدة لتكنولوجيا واحدة ستحدد ملامح عصرنا: الذكاء الاصطناعي.
هذا الأسبوع فقط، تعرض إريك شميدت، الرئيس التنفيذي السابق لشركة جوجل، لصيحات استهجان من طلاب خلال خطاب تخرج في جامعة أريزونا. كما خرج طلاب في فلوريدا وتينيسي للاحتجاج على التغييرات التي يتوقعون أن يفرضها الذكاء الاصطناعي على مستقبل وظائفهم. والحقيقة أن هذا القلق مفهوم تماماً.

فليس غريباً أن يشعر الطلاب بالغضب حين يُقال لهم إن المهارات التي أنفقوا سنوات وأموالاً لاكتسابها قد تصبح بلا قيمة، وإن الوظائف التي كانوا يستعدون لها ستنتقل إلى الآلات. ومن يدري؟ ربما يهاجم بعضهم مراكز البيانات مستقبلاً، كما حطم المزارعون الآلات الزراعية الجديدة قبل قرنين.
لكن مجرد أن كل تغيير يواجه معارضة، لا يعني أن كل معارضة خاطئة.
وهذا هو التوازن الدقيق الذي حاول البيت الأبيض التعامل معه هذا الأسبوع.
كان من المفترض أن يوقع الرئيس الأمريكي، الخميس، أمراً تنفيذياً جديداً بشأن الذكاء الاصطناعي، يمنح الحكومة حق تقييم نماذج الذكاء الاصطناعي الجديدة قبل إطلاقها، ولو بشكل طوعي. بعض المسؤولين يرى أن الرقابة الحكومية أصبحت ضرورية، في حين يعتقد آخرون أن تدخل الحكومة -المعروفة أصلاً ببطئها- قد يعرقل الابتكار الأمريكي.

والحقيقة أن كلا الرأيين يحمل وجاهة، ولهذا بدا تأجيل التوقيع قراراً منطقياً. فالتحدي واضح: إما إطلاق الذكاء الاصطناعي بلا ضوابط مع تجاهل العواقب، أو خسارة التفوق الأمريكي لمصلحة دول أخرى ستواصل التطور على أي حال.
قد يبدو هذا الكلام نظرياً للبعض، لكنه لن يبقى كذلك طويلاً.
لقد بدأت أفكر في الأمر بجدية خلال الأشهر الماضية؛ لأن الذكاء الاصطناعي بدأ يستهدفني شخصياً.
في وقت سابق من هذا العام، بدأ أصدقاء وقراء ينبهونني إلى ظهور مقاطع فيديو جديدة على الإنترنت تُنسب إليّ. كنت أظهر فيها وأنا أتحدث عن أمور لم أتحدث عنها أصلاً. وكانت منصة يوتيوب هي الساحة الرئيسية لهذا الأمر، وهي منصة طالما أثارت مشكلات داخل الأوساط الإعلامية.

لسنوات طويلة حقق مالكو يوتيوب ثروات عبر السماح بانتهاك حقوق الملكية الفكرية. موسيقيون وكتاب وغيرهم شاهدوا أعمالهم تُسرق وتُنشر على المنصة لتحقيق الأرباح للجميع باستثناء أصحاب المحتوى الأصليين.
أما اليوم، فقد ظهر نموذج جديد بالكامل: أشخاص ينسخون المحتوى، ثم يمررونه عبر برامج ذكاء اصطناعي، ويعيدون نشره باعتباره محتوى أصلياً، ليحققوا الأرباح لأنفسهم وللمنصة.
بالنسبة لي، كان ذلك تحذيراً شخصياً من العالم الذي ندخله جميعاً.
عندما شاهدت أول فيديوهات الذكاء الاصطناعي التي تقلدني، لاحظت أن الخلفيات تشبه أماكن جلست فيها سابقاً، وأن الكلمات قريبة من أسلوبي المعتاد. لم أنزعج كثيراً وقتها؛ لأن النسخة كانت تبدو آلية ومشوهة بما يكفي ليكتشف الناس أنها مزيفة، أو هكذا ظننت.
لكن التكنولوجيا تتحسن كل أسبوع تقريباً.
هذا الأسبوع حدث تطور لافت، حين تواصل معي عدد من الأصدقاء لتهنئتي على “فيديو جديد رائع”. المشكلة أنني لم أصنع أي فيديو جديد.
بحثت فوجدت على يوتيوب مقاطع أخرى تحقق مئات الآلاف من المشاهدات، تظهرني وأنا أعلق على أحداث لم أتحدث عنها قط، وبأسلوب يبدو مقنعاً للغاية.
وهنا تبدأ الأمور في التحول إلى شيء مقلق فعلاً.
صانعو هذه الفيديوهات يعرفون كيف يقلدون الطريقة التي قد أتحدث بها. هم لا يبالغون مثلاً بصنع فيديو أمتدح فيه الشيوعية أو أشيد بعمدة نيويورك مامداني، لكنهم يقتربون بما يكفي ليبدو الأمر حقيقياً، رغم أنه ليس كذلك إطلاقاً، ودون أن أشارك في أي جزء من العملية.
في غضون أشهر قليلة فقط، انتقلت التكنولوجيا من مستوى يكشف فيه الجميع التزييف بسهولة، إلى مستوى يخدع حتى بعض أصدقائي المقربين.
وبالطبع، لا أرى أي سبب يسمح للأفراد أو الشركات بتحقيق أرباح من محتوى مزيف قائم على الذكاء الاصطناعي.
لكنني لا أذكر هذا لأن حالتي استثنائية، بل لأنها أصبحت أمراً عادياً جداً، ولأننا جميعاً سنضطر قريباً للتفكير في هذه القضية.
لقد بدأ كثيرون يشعرون بأننا نركض على جهاز سير تتحرك سرعته أسرع قليلاً مما نستطيع تحمله.
صحيح أن كل التكنولوجيا الجديدة تفرض علينا التكيف، لكن الذكاء الاصطناعي يبدو وكأنه يجبرنا على التعلم والتأقلم بوتيرة أسرع بكثير مما نرتاح له.
فنحن ندخل عالماً يمكن فيه لأي شخص لا يملك تاريخاً عاماً أو حضوراً على الإنترنت أن يجد نسخة مزيفة منه تتحدث بأشياء لم يقلها أبداً، دون أن يمتلك أي وسيلة حقيقية لتصحيح الأمر.
لا أزعم أن لدي الحل الكامل لهذه المشكلة. لكن حتى يحدث ذلك، إذا شاهدتم فيديو لي أمتدح الاشتراكية الديمقراطية، فأرجوكم اعرفوا أن هذا الشخص ليس أنا.
*نقلاً عن نيويورك بوست