منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

إعداد فريق الدراسات والأبحاث في منصة صفر

نيبال أمام مجلس حقوق الإنسان.. قبول للتوصيات وأسئلة حول العدالة والعنف الجنسي

20 يونيو 2026
نيبال تستعرض ملفها الحقوقي أمام مجلس حقوق الإنسان
نيبال تستعرض ملفها الحقوقي أمام مجلس حقوق الإنسان

خضعت نيبال للمراجعة ضمن آلية الاستعراض الدوري الشامل لحقوق الإنسان في الدورة الحادية والخمسين للفريق العامل المعني بالاستعراض، وذلك بتاريخ 21 يناير 2026، ويأتي ملف نيبال ضمن الدول التي يتوفر عنها تقرير الفريق العامل ورد الدولة الرسمي على التوصيات، ما يسمح بقراءة أوضح لموقف الدولة من الملفات المطروحة.

وبحسب رد الدولة الرسمي، تلقت نيبال 284 توصية خلال المراجعة، وأعلنت دعمها لـ 224 توصية، في حين أخذت علماً بـ 55 توصية، وقدمت توضيحات إضافية بشأن 5 توصيات تضمنت قبول أجزاء وأخذ العلم بأجزاء أخرى.

وتعكس هذه الأرقام انفتاحاً واسعاً على آلية الاستعراض الدوري الشامل لحقوق الإنسان، لكنها تكشف في الوقت نفسه أن عدداً من الملفات الحساسة لا يزال بحاجة إلى معالجة قانونية وإجرائية أعمق.

مراجعة في سياق سياسي انتقالي

تأتي مراجعة نيبال في سياق سياسي حساس، حيث أشار التقرير إلى أن البلاد شهدت في سبتمبر 2025 حركة شبابية واسعة عبّرت عن مطالب مرتبطة بالشفافية والمساءلة واستجابة المؤسسات، وقد أدى هذا السياق إلى تشكيل حكومة انتقالية برئاسة سوشيلا كاركي، وهي أول امرأة تتولى رئاسة الوزراء في نيبال، مع تحديد موعد انتخابات جديدة في 5 مارس 2026.

هذا السياق يجعل مراجعة نيبال مختلفة عن مراجعات إجرائية تقليدية؛ لأنها تأتي في لحظة ترتبط بالمطالبة بإصلاحات سياسية ومؤسسية، وبناء ثقة جديدة بين المواطنين والدولة.

وعرضت نيبال خلال المراجعة إطاراً دستورياً يتضمن مجموعة واسعة من الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مع ضمانات خاصة للنساء، الأطفال، الأشخاص ذوي الإعاقة، كبار السن، الشعوب الأصلية، الماديسي، الداليت، ومجتمعات أخرى، كما أكدت أن تقريرها الوطني أُعد عبر مشاورات مع مؤسسات حكومية، منظمات مجتمع مدني، مؤسسات وطنية لحقوق الإنسان، مدافعين عن حقوق الإنسان، والإعلام.

وأشارت الدولة إلى أنها طرف في عدد واسع من الصكوك الدولية، وأن لديها لجنة وطنية لحقوق الإنسان معتمدة بالتصنيف “أ” وفق مبادئ باريس، إلى جانب لجان دستورية متخصصة تعنى بحقوق النساء، الداليت، الشعوب الأصلية، الماديسي، الثارو، والمسلمين.

العدالة الانتقالية في صدارة المراجعة

يعد ملف العدالة الانتقالية من أبرز الملفات في مراجعة نيبال، فقد أكدت الدولة التزامها باستكمال العملية من خلال قانون لجنة الحقيقة والمصالحة المعدل لعام 2024 الذي يحظر العفو عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ويعترف بالتعويض بوصفه حقاً أساسياً للضحايا.

لكن رد الدولة على بعض التوصيات يكشف أن هذا الملف لا يزال غير محسوم بالكامل، فقد دعمت نيبال أجزاءً من توصيات تتعلق بضمان عملية مستقلة وممولة بشكل كافٍ، وحظر العفو عن الانتهاكات الجسيمة، لكنها أخذت علماً بالجزء المتعلق بإزالة المهلة الزمنية المحددة لتقديم شكاوى العنف الجنسي المرتبط بالنزاع.

وهذا يطرح سؤالاً حقوقياً مهماً: هل يمكن تحقيق عدالة انتقالية كاملة إذا بقيت بعض القيود الإجرائية تحول دون وصول الضحايا، خاصة ضحايا العنف الجنسي، إلى العدالة؟

العنف الجنسي ومدد التقادم

من أكثر الملفات حساسية في رد نيبال مسألة مدد التقادم في قضايا الاغتصاب والعنف الجنسي، فقد دعمت الدولة توصيات تتعلق بتجريم العنف القائم على النوع الاجتماعي وتوفير خدمات متخصصة للضحايا، لكنها أخذت علماً بالأجزاء التي تدعو إلى إلغاء مدد التقادم للإبلاغ عن الاغتصاب أو الجرائم المرتبطة بالعنف الجنسي.

هذا الملف مهم لأن جرائم العنف الجنسي غالباً لا يتم الإبلاغ عنها فوراً بسبب الخوف، الوصمة، الصدمة، أو غياب الحماية، لذلك، فإن بقاء مدد تقادم قصيرة أو مقيدة قد يضعف حق الضحايا في الوصول إلى العدالة، حتى في حال وجود نصوص قانونية تجرّم العنف.

حقوق النساء.. تقدم واضح وتحديات

عرضت نيبال عدداً من الخطوات الإيجابية في مجال حقوق النساء، منها وجود اللجنة الوطنية للمرأة بوصفها هيئة دستورية مستقلة، وتشغيل خط مساعدة مجاني يعمل على مدار الساعة لدعم النساء والفتيات، كما أشارت إلى ترتيبات دستورية تضمن تمثيل النساء في مواقع قيادية تشريعية.

وفي المقابل، تكشف التوصيات ورد الدولة أن التحدي لا يكمن فقط في الاعتراف العام بحقوق النساء، بل في قدرة النظام القانوني والإجرائي على حماية الضحايا، خاصة في قضايا العنف الجنسي، العنف المرتبط بالنزاع، وزواج الأطفال.

حقوق الطفل وزواج الأطفال

تضمنت مراجعة نيبال عدداً من التوصيات المرتبطة بحقوق الطفل، ومنها مكافحة زواج الأطفال، حماية الأطفال من العنف، التعليم، وإنهاء عمالة الأطفال، وقد أشارت الدولة إلى وجود سياسة وطنية للطفل لعام 2023، وبرامج لدعم الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة.

لكن في بعض التوصيات، دعمت نيبال الهدف العام المتعلق بحماية الأطفال، في حين أخذت علماً بأجزاء تتعلق بتعديلات قانونية محددة، مثل رفع سن المسؤولية الجنائية، وهذا يعكس نمطاً متكرراً في رد الدولة: قبول المبادئ العامة، مع التحفظ على بعض التعديلات القانونية التفصيلية.

حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة

أكدت نيبال أن الدستور يضمن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة بوصفها حقوقاً أساسية، وأنها صادقت على اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وبروتوكولها الاختياري، كما أشارت إلى تنفيذ سياسة حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة لعام 2023، وإجراء تدقيقات للوصول في 17 وزارة اتحادية.

هذا المحور يعكس تقدماً مؤسسياً، لكنه يحتاج إلى متابعة عملية من حيث الوصول الفعلي إلى الخدمات، الإدماج في التعليم والعمل، مشاركة الأشخاص ذوي الإعاقة في صنع القرار، وتوفير بيانات مصنفة تساعد على قياس أثر السياسات.

الشعوب الأصلية والتنمية

أشارت نيبال إلى وجود هيئات دستورية مستقلة وسياسات حصص لضمان تمثيل الشعوب الأصلية والداليت والأقليات في الخدمة العامة والهيئات المنتخبة.

لكن الملف يحتاج متابعة خاصة عند ربطه بمشاريع التنمية والطاقة والمناخ، خاصة أن بعض الوثائق الأممية المرتبطة بالدورة نفسها تثير نقاشاً حول أثر مشاريع الطاقة المائية في نيبال على المجتمعات الأصلية، ومنها قضايا الأرض والموافقة الحرة والمسبقة والمستنيرة.

قراءة حقوقية

تعكس مراجعة نيبال حالة دولة تمتلك إطاراً دستورياً ومؤسسياً واسعاً في مجال حقوق الإنسان، وتظهر انفتاحاً مهماً على آلية الاستعراض الدوري الشامل، فدعم 224 توصية من أصل 284 توصية مؤشر إيجابي من حيث التعاون مع الآلية الدولية.

لكن القراءة النوعية تظهر أن بعض الملفات الجوهرية لا تزال تحتاج إلى معالجة أعمق، خاصة العدالة الانتقالية، العنف الجنسي، مدد التقادم، حقوق الطفل، وحقوق الشعوب الأصلية في سياق التنمية. وبالتالي، فإن التحدي الأساسي لا يتعلق بغياب الخطاب الحقوقي، بل بمدى قدرة الدولة على تعديل الإجراءات القانونية والمؤسسية التي قد تعوق وصول الضحايا والفئات الهشة إلى العدالة والحماية.

وتظهر نيبال في الاستعراض الدوري الشامل لحقوق الإنسان بوصفها دولة منفتحة على غالبية التوصيات، لكنها تواجه ملفات حساسة تتطلب إصلاحات قانونية وإجرائية أكثر وضوحاً، وستكون المرحلة القادمة مرتبطة بقدرة الدولة على تحويل التزاماتها إلى إجراءات فعلية، خاصة في العدالة الانتقالية، العنف الجنسي، حماية الأطفال، حقوق النساء، وحقوق الشعوب الأصلية.

 

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print