منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

ميثوس.. خوارزميات الذكاء الاصطناعي تتحول إلى تهديد حقوقي عابر للحدود

26 أبريل 2026
خوارزميات الذكاء الاصطناعي
خوارزميات الذكاء الاصطناعي

تكشف خطوة شركة أنثروبيك هذا الشهر لتطوير نموذج ذكاء اصطناعي بالغ القوة، أطلقت عليه اسم “ميثوس”، عن تحول نوعي في طبيعة المخاطر الرقمية، حيث لم يعد الحديث مقتصراً على الابتكار التقني، بل امتد إلى تهديدات مباشرة تمس البنية التحتية الحيوية وحقوق الأفراد في الأمان الرقمي.

وفقاً لصحيفة “نيويورك تايمز” تختار الشركة 11 منظمة شريكة، جميعها من الولايات المتحدة، للمشاركة في وضع خطة دفاعية، في قرار يعكس احتكاراً جغرافياً للمعرفة التقنية الحساسة.

تظهر الوقائع، خلال أسبوعين فقط، حالة ارتباك عالمي غير مسبوقة، بعدما أثبت “ميثوس” قدرته على اكتشاف واستغلال الثغرات الخفية في الأنظمة التي تشغل البنوك وشبكات الطاقة والحكومات.

ويتحول النموذج بذلك إلى أداة ضغط جيوسياسية، في ظل امتلاك شركة أمريكية خاصة لهذه القدرة، وهو ما يطرح تساؤلات حقوقية حول العدالة في الوصول إلى التكنولوجيا وأثرها في توازن القوى العالمية.

يحاول قادة العالم استيعاب حجم المخاطر، في حين تقيد الشركة الوصول إلى النموذج، فلا تشاركه إلا مع بريطانيا خارج الولايات المتحدة.

يحذر محافظ بنك إنجلترا علناً من إمكانية “اختراق عالم المخاطر السيبرانية بأكمله”، في حين يبدأ البنك المركزي الأوروبي باستجواب البنوك سراً حول جاهزيتها الدفاعية، في مشهد يعكس هشاشة الأنظمة المالية أمام طفرة تكنولوجية غير خاضعة لتنظيم دولي واضح.

تبرز ردود الفعل الدولية فجوةً عميقة بين الدول، إذ ترى الصين وروسيا في “ميثوس” دليلاً على خطورة التأخر في سباق الذكاء الاصطناعي، في حين تصفه وسائل إعلام روسية بأنه “أسوأ من القنبلة النووية”.

يعكس هذا التوصيف انتقال التكنولوجيا من مجال الابتكار المدني إلى فضاء التهديدات الوجودية، بما يحمله ذلك من تداعيات مباشرة على حقوق الشعوب في الأمن والاستقرار.

احتكار التكنولوجيا

يؤكد كبير الاقتصاديين السابق في البنك المركزي الأرجنتيني والمستشار الإقليمي لشؤون النمو والذكاء الاصطناعي في بنك التنمية للبلدان الأمريكية، إدواردو ليفي يياتي، أن ما يحدث يمثل “جرس إنذار للسياسات”، مشيراً إلى أن الوصول إلى نماذج الذكاء الاصطناعي أصبح قضية جيوسياسية بامتياز.. يعكس هذا الطرح بعداً حقوقياً يتمثل في حق الدول في الوصول العادل إلى التكنولوجيا، مقابل خطر التبعية لشركات عابرة للحدود.

وقد التقي الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك، داريو أمودي، بمسؤولين في البيت الأبيض، في ظل مخاوف داخل الإدارة الأمريكية من قدرة النموذج على إحداث فوضى رقمية، يكشف هذا اللقاء عن تداخل المصالح بين القطاع الخاص والدولة، ويطرح تساؤلات حول مدى خضوع هذه التقنيات للرقابة الديمقراطية، وهو أحد أبرز محاور النقاش الحقوقي في عصر الذكاء الاصطناعي.

وأعلنت الشركة أنها تقيد الوصول إلى “ميثوس” لأسباب تتعلق بالأمن، وتشارك النموذج مع أكثر من 40 منظمة تعمل في البنية التحتية العالمية، منها شركات تكنولوجيا كبرى، لكن هذا التقييد ذاته يثير مخاوف من احتكار المعرفة، خاصة مع غياب جدول زمني واضح لتوسيع الوصول، ما يعزز اختلال ميزان القوة الرقمية عالمياً.

وحذرت الشركة من أن نماذج مشابهة قد تظهر خلال 18 شهراً، ما يمنح العالم نافذة زمنية محدودة للاستعداد، غير أن هذا التحذير يتزامن مع إعلانها التحقيق في وصول غير مصرح به إلى النموذج، وهو ما يفتح باباً جديداً للمخاطر المرتبطة بسوء الاستخدام، ويطرح إشكالية حماية الحقوق الرقمية في ظل تسرب أدوات شديدة الخطورة.

اختراقات محتملة

تؤكد تقارير أن عدداً محدوداً من المستخدمين تمكنوا من الوصول غير المصرح به إلى “ميثوس”، عبر بيئة أحد الموردين الخارجيين، في مؤشر على هشاشة حتى الأنظمة المقيدة، وفق ما أوردته صحيفة “الغارديان”.

وتظهر التفاصيل أن النموذج قادر على تنفيذ هجمات متعددة الخطوات واكتشاف الثغرات دون تدخل بشري، وهي مهام كانت تتطلب أياماً من العمل المتخصص.. ينجح “ميثوس” في إكمال محاكاة لهجوم سيبراني مكون من 32 خطوة، في سابقة غير معهودة، ما يعزز المخاوف من تسارع قدرات الاختراق بشكل يفوق قدرة الدفاعات التقليدية.

كما كشفت منصة “فيوتشرزم” الأمريكية أن مجموعة صغيرة استطاعت الوصول إلى النموذج عبر تخمين موقع تخزينه، في حادثة تثير احتمال وصول جهات أخرى أقل التزاماً إلى هذه التقنية، ورغم عدم تسجيل أضرار مباشرة، فإن الواقعة تقوض الثقة في قدرة الشركات على حماية أدوات بهذا الحجم من الخطورة.

تحذر تقارير إعلامية من أن خطورة “ميثوس” قد تمتد إلى سيناريوهات كارثية، تشمل شل حركة الطيران عالمياً، وتعطيل شبكات الكهرباء، وتهديد استقرار الأنظمة المصرفية، في حال وقوعه في الأيدي الخطأ، فضلاً عن قدرته على اكتشاف الثغرات وكتابة أدوات الاختراق ذاتياً في وقت قياسي، وفق ما أوردته “ذا صن”.

تبرز هذه التطورات خطراً يتجاوز الأمن التقني إلى المجال الحقوقي، حيث يمكن لمثل هذه الأدوات أن تنتهك الخصوصية وتعطل الخدمات الأساسية، ما يمس الحق في الأمان الرقمي للأفراد والمجتمعات.

غياب الحوكمة

يكشف سباق “ميثوس” غياب إطار دولي منظم، إذ لا توجد معاهدة شبيهة بمنع انتشار الأسلحة النووية، ولا آليات تفتيش مشتركة، ولا قواعد واضحة للتعامل مع هذه النماذج، ويعكس هذا الفراغ التنظيمي خطراً حقيقياً على حقوق الدول والمجتمعات، في ظل سباق غير منضبط نحو التفوق التكنولوجي.

تشير المفوضية الأوروبية إلى أنها عقدت ثلاث اجتماعات مع شركة أنثروبيك دون التوصل إلى اتفاق بشأن الوصول إلى النموذج، ما يعكس صعوبة تحقيق توازن بين السيادة التقنية ومتطلبات الأمن، في المقابل، تؤكد رئيسة هيئة الأمن السيبراني الألمانية، كلوديا بلاتنر، أن هذه القدرات تنذر بتحول جذري في طبيعة التهديدات.

تبرز المواقف الدولية حالة من الترقب، حيث تلتزم الصين الصمت رسمياً، في حين يراقب مجتمعها العلمي التطورات عن كثب، يعكس هذا الصمت توتراً ضمنياً حول مستقبل التوازن العالمي، خاصة في ظل سياسات تقييد تصدير التكنولوجيا المتقدمة.

تختتم هذه التطورات مشهداً عالمياً تتقاطع فيه التكنولوجيا مع السياسة والاقتصاد والحقوق، حيث يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة للابتكار إلى عنصر حاسم في تحديد ملامح النظام الدولي، وبينما تتسارع وتيرة التطوير، يبقى السؤال الحقوقي الأهم قائماً: من يملك هذه التكنولوجيا؟ ومن يحاسَب على استخدامها؟ ومن يدفع ثمن اختلال توازنها؟