منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

ما الذي تغفله رواية “كارثة الوظائف” المرتبطة بالذكاء الاصطناعي؟

25 أبريل 2026

إذا كنت قد اطلعت على أي من التقارير العديدة التي تناولت أخيراً مدى تعرض الوظائف للذكاء الاصطناعي، فستكون على دراية بالسردية السائدة: الذكاء الاصطناعي سيقضي على أعداد هائلة من الوظائف في اقتصاد المعرفة، والدليل على ذلك هو المهام التي يتقن أداءها.

لكن التاريخ يخبرنا أن تأثير التكنولوجيا الجديدة في التوظيف سواء بالانخفاض أو الاستقرار أو حتى الارتفاع لا يتحدد بعامل واحد، بل بمجموعة كبيرة من العوامل، ويمكن توضيح ذلك ببساطة من خلال تتبع مسار موجة تكنولوجية سابقة، صعود الإنترنت والبرمجيات خلال العقود الماضية.

أحد الأسئلة التي غالباً ما يتم تجاهلها هو هل هناك طلب كامن على منتج أو خدمة ما، بحيث يؤدي انخفاض كلفتها وزيادة توفرها إلى تسارع أكبر في الاستهلاك؟ منذ تسعينيات القرن الماضي، أدت القفزات الكبيرة في إنتاجية البرمجيات إلى زيادة لا تراجع في التوظيف بمجال تطوير الويب، لأن الطلب المتفجر على البرمجيات تجاوز بكثير انخفاض الحاجة إلى العمالة لإنتاج نفس الكمية من الأكواد.

وقد شهدت معظم الخدمات المهنية قصة مشابهة، وإن كانت أقل حدة، فالبرمجيات جعلت المحاسبين والمهندسين المعماريين ومبدعي الإعلانات أكثر إنتاجية، لكن الزيادة الكبرى في الطلب على خدماتهم أدت إلى ارتفاع أعداد العاملين بدلاً من تراجعها.

وفي بعض مجالات الرعاية الصحية عالية التقنية، يظهر النمط نفسه، فالابتكارات – ومنها الذكاء الاصطناعي – رفعت الكفاءة بشكل كبير في الاختبارات المعملية والتصوير التشخيصي، ومع ذلك استمر التوظيف في هذه التخصصات في النمو، مع إقبال السكان على خدمات صحية أكثر وأفضل.

ويكشف مثال التصوير التشخيصي عن عامل مهم آخر يغيب عن الطرح المبسط القائم على سؤال هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أداء هذه المهمة؟ فالقوانين وأنظمة التأمين تجعل الاعتماد الكامل على الأتمتة في هذا المجال شبه محظور، رغم أن الأنظمة الذكية باتت في كثير من الأحيان تتفوق على البشر. وهذا يوفر زاوية مفيدة للتفكير في تأثير الذكاء الاصطناعي على مهن مثل المحاماة أيضا.ً

في المقابل، يوضح الاقتصادي جيمس بيري أن الطلب على معظم السلع الصناعية اليوم قد وصل إلى حد الإشباع، ما يعني أن زيادات الإنتاجية في التصنيع غالباً ما تؤدي إلى انخفاض التوظيف بدلاً من زيادته، مع دور إضافي للمنافسة العالمية بالطبع.

وإذا نظرنا إلى قطاعَي التجزئة والخدمات اللوجستية، نجد أن التأثيرات غير المباشرة للتكنولوجيا قد تكون حادة ومتناقضة في الوقت نفسه، فالطفرة الرقمية التي دعمت وظائف اقتصاد المعرفة، أدت في المقابل إلى تآكل وظائف التجزئة ليس لأن الباعة استُبدلوا بالروبوتات، بل لأن الإنترنت والهواتف الذكية نقلت التجارة من المتاجر التقليدية إلى المواقع الإلكترونية. لكن هذا التحول نفسه عزز التوظيف في التخزين والخدمات اللوجستية، لأن ازدهار التجارة الإلكترونية يعني مزيداً من التخزين والتوزيع والتوصيل.

الأمر لا يتوقف عند هذا الحد. فالتكنولوجيا الواحدة قد تُحدث تأثيرات متباينة داخل القطاع نفسه، فبرامج الجداول الإلكترونية، التي انتشرت في ثمانينيات القرن الماضي، قضت على وظائف مسك الدفاتر والوظائف المحاسبية الروتينية، لكنها في الوقت ذاته عززت الطلب على المحاسبين والمحللين الماليين ومحللي البيانات.

إذا كان الذكاء الاصطناعي – على الأقل في المدى المتوسط – تكنولوجياً يعزز دور العاملين في اقتصاد المعرفة عبر تمكينهم من أتمتة المهام التي كان يؤديها زملاء أقل أجراً، فإن الفكرة الشائعة التي ترى أنه يهدد أصحاب الرواتب الأعلى قد تكون مقلوبة تماما.ً

وفي الواقع، بعض أكثر الأمثلة دراماتيكية على تدمير الوظائف بفعل التكنولوجيا جاءت بطرق غير متوقعة، يشير الكاتب الاقتصادي ديفيد أوكس إلى أن موظفي البنوك نجوا من ظهور أجهزة الصراف الآلي، لكن الضربة القاضية جاءت مع الهواتف الذكية، حيث ألغت الخدمات المصرفية عبر الهاتف الحاجة إلى زيارة الفروع، ومهدت الطريق لمجتمع أقل اعتماداً على النقد. وبالمثل، لم يتوقع كثيرون كيف سيقوض الإنترنت نموذج عمل الصحف عبر طفرة الإعلانات الرقمية ودور محركات البحث.

إن سؤال “هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أداء هذه المهمة؟” يمثل نقطة انطلاق مفيدة، لكنه إشارة ملتبسة لا تعكس سوى جزء صغير من صورة كبرى وأكثر تعقيدًا، وعندما نأخذ في الاعتبار العوامل الأخرى التي تشكل نمو الوظائف بشكل مباشر أو غير مباشر يصبح من الواضح لماذا شهدنا حتى الآن أن بعض الوظائف الأكثر تعرضاً للذكاء الاصطناعي قد نمت بقدر ما تراجعت.

نقلاً عن فاينانشيال تايمز