بروس بيالوسكي*
بعض الأفكار تبدو رائعة على الورق أكثر مما هي عليه في الواقع، وهذا ينطبق تماماً على برامج الرعاية الصحية المنزلية المدعومة من الدولة والتي يتولى تنفيذها أقارب المرضى.
من حيث المبدأ، يبدو من المنطقي أن تدفع الحكومة لأفراد الأسرة مقابل تقديم رعاية أساسية داخل المنزل، بدلاً من تحمل تكاليف أعلى بكثير في المستشفيات أو دور الرعاية. لكن على أرض الواقع، تحولت هذه السياسة إلى بيئة خصبة للاحتيال في كل مكان تقريباً جرى تطبيقها فيه، حتى بات إنهاؤها ربما هو الحل الوحيد.
منذ جائحة كورونا، حين تكبدت كاليفورنيا ما يزيد على 30 مليار دولار من عمليات الاحتيال في برنامج إعانات البطالة، أصبح واضحاً أن قصة الاحتيال داخل الولاية أكبر بكثير مما كان يُعتقد.
كاليفورنيا اقترضت تلك الأموال من الحكومة الفيدرالية، وهي الولاية الوحيدة التي لم تسدد بعد هذه القروض. والأسوأ من ذلك أن الحاكم غافين نيوسوم حمّل أصحاب الأعمال في الولاية فاتورة طويلة الأجل لتغطية هذه الخسائر.
أما فيما يتعلق ببرنامج «ميديكيد» وهو برنامج رعاية صحية مدعوم فيدرالياً للأسر منخفضة الدخل فإن الولايات تتحمل عادة ما بين 31% و35% فقط من التكاليف، في حين تتحمل الحكومة الفيدرالية بقية الفاتورة.
قانون «أوباما كير» يُلزم الولايات بإعادة التحقق من مزودي خدمات «ميديكيد» مرة واحدة على الأقل كل خمس سنوات. وبرأيي، هذه فترة طويلة بشكل مثير للسخرية، ويجب تقليصها إلى عامين فقط مع إجراء مراجعة شاملة ودقيقة.
كما تُلزم الولايات بمراجعة مزودي الخدمة وفق قائمة سوداء فيدرالية تضم من ارتكبوا جرائم أو حالات إهمال جسيم أو احتيال أو إساءة للمرضى.
وعلى الولايات أيضاً تفتيش الجهات المصنفة عالية الخطورة فيما يتعلق بالاحتيال.
وأي ولاية لا تثبت التزامها الكامل بهذه الإجراءات، أو تمتنع عن تزويد قاعدة البيانات الوطنية بالمعلومات المطلوبة، يجب تعليق حصولها على أي مزايا إلى أن تلتزم بشكل كامل.
كاليفورنيا كانت تعلم جيداً أن لديها مشكلة. ففي عام 2022 كشف تدقيق رسمي للولاية أن أكثر من 150 وكالة للرعاية المنزلية ورعاية المحتضرين كانت مسجلة داخل مبنى واحد فقط في مدينة لوس أنجلوس.
ورغم ذلك، استمرت الممارسات المشبوهة دون عواقب تُذكر حتى وقت قريب.
وسط هذه الفوضى، ظهرت سياسة في العديد من الولايات تقوم على تولي الأقارب رعاية أفراد عائلاتهم داخل المنازل بدلاً من نقلهم إلى دور الرعاية. وما إن بدأ تطبيق البرنامج حتى انتشر كالنار في الهشيم؛ لأن الناس اكتشفوا ببساطة أنهم يستطيعون تقاضي الأموال مقابل الجلوس في المنزل مع الجدة.
مستويات الرقابة على هذا البرنامج تبدو شبه معدومة.. ففي كاليفورنيا يُعرف البرنامج باسم «خدمات الدعم المنزلي«(IHSS) . ويوجد حالياً نحو 500 ألف مقدم رعاية مسجل، بينهم نحو 370 ألفاً من أفراد العائلة أنفسهم.
وقد أُشير مراراً إلى أن كاليفورنيا تمتلك بعض أكثر الشروط تساهلاً في البلاد؛ إذ يمكن تقريباً لأي فرد من أفراد العائلة -ومنهم أبناء العمومة أو الأخوال والأعمام- أن يكون مؤهلاً للحصول على المقابل المالي.
الولاية تحدد سقفاً للمدفوعات عند 283 ساعة شهرياً، في حين يبلغ المتوسط الوطني 125 ساعة فقط، وللمقارنة، فإن الوظيفة الحكومية بدوام كامل تبلغ عادة نحو 172 ساعة شهرياً.
أجور برنامج IHSS تبدأ من 16 دولاراً في الساعة، في حين يدفع بعض المقاطعات -مثل لوس أنجلوس- ما يصل إلى 21 دولاراً للساعة.
لكن الجانب الأكثر إثارة للدهشة في البرنامج هو أن هذه المدفوعات معفاة بالكامل من ضرائب الدخل الفيدرالية وضرائب الولاية، بشرط أن يعيش مقدم الرعاية في المنزل نفسه مع المريض.
المقاطعات تُجري فحصاً أولياً لمقدم الخدمة وللمستفيد من الرعاية، لكن بعد ذلك يبدو أن المراجعة والمتابعة تكاد تختفي تماماً.
مقدمو الرعاية من خارج الأسرة مطالبون بتسجيل الدخول والخروج إلكترونياً يومياً، لكن لا يبدو أن أحداً يراقب هذه البيانات فعلاً.
أما أفراد العائلة، فيكفيهم تقديم كشوف ساعات أسبوعية. وبمجرد إثبات أنهم يعيشون مع المريض، من الذي يعود للتحقق من استمرار ذلك؟
تكلفة البرنامج ترتفع بوتيرة كبيرة، إذ من المتوقع أن تصل نفقاته خلال عامي 2025 ـ 2026 إلى 29.9 مليار دولار، بزيادة قدرها 11.5% مقارنة بالعام السابق.
ولماذا قد يرفض الناس الانضمام إلى هذا البرنامج أصلاً؟ يمكنهم البقاء في المنزل والحصول على أموال معفاة من الضرائب مقابل الادعاء برعاية أحد الأقارب، مع قدر ضئيل للغاية من الرقابة أو ربما دون أي رقابة على الإطلاق.
في الواقع، تعج وسائل التواصل الاجتماعي بمنشورات من نوعية: «كيف تحصل على المال وأنت جالس في المنزل»، أو «هل تعلم أن كاليفورنيا قد تدفع لك أكثر من 20 دولاراً في الساعة فقط لرعاية والدتك؟»
الحكومة الفيدرالية أعلنت مؤخراً تعليق مدفوعات بقيمة 1.3 مليار دولار من أموال «ميديكيد» المخصصة لولاية كاليفورنيا.
ومن وجهة نظري، يجب أن يستمر هذا التعليق حتى يُعاد تصميم البرامج بالكامل مع فرض ضوابط صارمة وحقيقية.
فعندما تتحمل الولاية 30% فقط من التكاليف، فإن حافزها للسيطرة على تضخم البرنامج سيظل ضعيفاً للغاية. أما إذا اضطرت كاليفورنيا فجأة إلى تحمل التكلفة كاملة، فقد يدفعها ذلك أخيراً إلى تطبيق جاد لقوانين مكافحة الاحتيال.
الرعاية الصحية المنزلية التي يقدمها الأقارب كانت فكرة مبتكرة، لكنها نُفذت بصورة كارثية، وباتت بحاجة إما إلى إعادة هيكلة جذرية أو إلى إنهائها بالكامل.
بروس بيالوسكي، مسؤول سابق عُيّن بقرار رئاسي، ومحاسب قانوني معتمد متخصص في الضرائب.
*نقلاً عن نيويورك بوست
