طالما حظي “مركز قانون الفقر الجنوبي” بثقة السياسيين والمؤسسات في الولايات المتحدة، باعتباره جهة تسعى إلى كشف أخطر عناصر الشر في المجتمع، والمساهمة في القضاء عليها.
لكن ما تكشفه اليوم لوائح اتهام صادرة عن هيئة محلفين كبرى يشير إلى واقع مختلف تماماً: هذا الكيان لم يكن مجرد مراقب للكراهية، بل لاعب داخلها، يدير اللعبة من الجانبين.
بحسب الاتهامات، تعمّد المركز إبقاء عدو يحتضر على قيد الحياة، لا لشيء إلا ليستمر في محاربته، وبالتالي يضمن تدفق أموال المتبرعين وتعزيز نفوذه السياسي.
ففي تطور صادم، وجهت هيئة محلفين فدرالية في ولاية ألاباما اتهامات إلى المركز تتعلق بالاحتيال الإلكتروني وجرائم أخرى، بعد الكشف عن مدفوعات سرية تجاوزت 3 ملايين دولار لأشخاص مرتبطين بجماعات مثل “كو كلوكس كلان” وتنظيمات “نازية جديدة”.
أحد منظمي مسيرة “اتحدوا اليمين” في شارلوتسفيل عام 2017 حصل، وفقاً للوثائق، على نحو 270 ألف دولار على مدى ثماني سنوات، في حين تلقى شخص آخر مليون دولار مقابل سرقة وثائق من داخل جماعة نازية. كما شملت المدفوعات أفراداً مرتبطين بتنظيمات متطرفة عدة.
الرئيس التنفيذي للمركز حاول التقليل من خطورة هذه الوقائع، واعتبرها جزءاً من استخدام “مخبرين سريين” لجمع معلومات عن جماعات عنيفة. لكن هذا التبرير لا يصمد أمام الانتقادات، خصوصاً أن المركز ليس جهة إنفاذ قانون.
المدعي العام وصف الأمر بوضوح: منظمة تدّعي محاربة تفوق العرق الأبيض، لكنها في الواقع “تصنع التطرف الذي تزعم أنها تحاربه” عبر تمويل مصادر تؤجج الكراهية.
تأسس المركز عام 1971 لمواجهة “كو كلوكس كلان”، وكان له دور بارز في ترسيخ رفض العنصرية في المجتمع الأمريكي بعد حقبة الحقوق المدنية. لكن ما نراه اليوم، في نظري، هو سقوط مدوٍّ لهذا الإرث.

لقد تم اختطاف المؤسسة من قبل تيارات راديكالية يسارية، حوّلت رسالتها من الدفاع عن الحقوق المدنية إلى أداة لمهاجمة الخصوم السياسيين.
إنه أشبه برجل إطفاء يشعل الحرائق ليحصل على الإشادة عند إخمادها، فالعنصرية في أمريكا اليوم لم تعد ظاهرة واسعة كما كانت، ما يدفع بعض مناهضيها للأسف إلى دعم جماعات هامشية لإبقائها حية.
قد يدّعي المركز أنه كان يمول “مخبرين”، لكن الحقيقة أن هذه المدفوعات استمرت سنوات، دون أفق واضح لنهايتها، لأنها تخدم منظومة لا يمكن أن تعيش دون عدو.
فالقضاء على جماعات الكراهية فعلياً يعني، ببساطة، فقدان المركز لسبب وجوده.
ومن خلال إبقاء تنظيمات تاريخية مثل “كو كلوكس كلان” على قيد الحياة، أصبح بإمكان هذه النسخة المشوهة من المركز استخدام سمعته لاستهداف أي صوت يعارض اليسار.
لقد توسع تعريف “الكراهية” ليشمل كل من يرفض بعض الطروحات الأيديولوجية اليسارية، ليتحول الهدف من حماية الحقوق إلى استهداف اليمين.
شخصيات عامة ومجموعات مجتمعية وُضعت على “خريطة الكراهية” الخاصة بالمركز، جنباً إلى جنب مع جماعات تفوق العرق الأبيض، والمفارقة أن بعض هذه الجماعات نفسها كانت تتلقى تمويلاً منه.
في المقابل، تم التغاضي عن مجموعات تخريبية مثل “أنتيفا”، لأنها تتماشى مع الهدف النهائي المتمثل في تفكيك أمريكا التي أسهم المركز الأصلي في بنائها.
طالما صُوّر “كو كلوكس كلان” فزاعة تاريخية يُفترض أن يخشاها الأمريكيون السود يومياً. لكن ما يتكشف الآن يطرح سؤالاً مختلفاً: لماذا لا تزال هذه الجماعة حاضرة في الظل؟
الإجابة، كما أراها، واضحة: لا يمكن بناء نفوذ سياسي على عدو ميت.
نقلاً عن نيويورك بوست
