تتواصل في المغرب مطالب عائلات معتقلي حراك الريف بالإفراج عن أبنائهم، بعد سنوات من الاعتقال التي أعقبت احتجاجات اجتماعية واسعة شهدتها منطقة الريف عام 2016، في وقت تتجدد فيه المبادرات التضامنية التي تعيد تسليط الضوء على الأبعاد الإنسانية لهذا الملف، وبينما يمر الزمن، ما تزال أمهات عدد من المعتقلين يواصلن انتظار عودة أبنائهن إلى منازلهن، في مشهد يعكس استمرار آثار قضية امتدت من الشارع إلى داخل البيوت والعائلات.
ووفق ما نقلته مصادر حقوقية مغربية وتغطيات إعلامية محلية، شهدت مدينة الحسيمة شمال المغرب تحركاً تضامنياً تمثل في وصول قافلة نسائية تضم حقوقيات وناشطات مدنيات من عدة مدن مغربية، بهدف التعبير عن الدعم لعائلات المعتقلين، وتسليط الضوء على معاناة الأمهات اللواتي يعشن منذ سنوات حالة انتظار مستمر مرتبطة بغياب أبنائهن خلف القضبان.
الحسيمة تستقبل قافلة نسائية تضامنية
شكّلت زيارة القافلة النسائية إلى مدينة الحسيمة لحظة رمزية أعادت الملف إلى واجهة النقاش الحقوقي والاجتماعي في المغرب، حيث التقت المشاركات بعائلات معتقلي الحراك، واستمعن إلى شهادات الأمهات اللواتي تحدثن عن سنوات من الفراق وما رافقها من أعباء نفسية واجتماعية واقتصادية، وبحسب المشاركات، فإن هذه المبادرة جاءت للتأكيد على أن عائلات المعتقلين ليست وحدها في مواجهة تبعات الملف، وأن هناك امتداداً مجتمعياً للتضامن مع مطالبهم.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن اللقاءات التي جرت بين الناشطات والأسر ركزت على البعد الإنساني للقضية، حيث برزت معاناة الأمهات بوصفها أحد أكثر الجوانب حضوراً وتأثيراً، في ظل ما وصفته بعض المشاركات بأنه سنوات طويلة من الانتظار والسفر المتكرر من أجل الزيارات ومتابعة أوضاع أبنائهن داخل السجون.
الأمهات في قلب معاناة ممتدة
تحولت أمهات معتقلي حراك الريف في المغرب خلال السنوات الماضية إلى رموز إنسانية بارزة في هذا الملف، إذ لم يعد دورهن مقتصراً على الجانب العائلي، بل امتد ليشمل الترافع عن القضية والمطالبة المستمرة بإنصاف أبنائهن، وبحسب شهادات متداولة في أوساط حقوقية، فإن العديد من الأمهات يواجهن حالة من الإرهاق النفسي والاجتماعي نتيجة استمرار الاعتقال وغياب أفق واضح للحل.
وفي كلمة ألقتها إحدى الحقوقيات المشاركات في القافلة، أكدت أن الهدف من هذه المبادرة هو إيصال رسالة تضامن واضحة مع الأمهات، اللواتي يرفعن مطلباً بسيطاً يتمثل في عودة أبنائهن وإنهاء سنوات من الغياب، كما أشارت إلى أن استمرار استثناء بعض المعتقلين من مسارات الإفراج أو العفو يزيد من عمق المعاناة التي تعيشها الأسر.
تضامن نسائي يتجاوز الرمزية
ترى ناشطات وحقوقيات أن هذه القافلة لا تمثل مجرد مبادرة رمزية، بل تعكس تشكل شبكة تضامن نسائية حول معاناة أمهات المعتقلين، تسعى إلى إبقاء القضية حاضرة في النقاش العام وعدم السماح بتراجعها أو نسيانها مع مرور الوقت، ويبرز هذا الشكل من التضامن كامتداد لدور النساء في حراك الريف منذ انطلاقه عام 2016، حيث لم يقتصر حضورهن على المشاركة في الاحتجاجات، بل استمر عبر سنوات طويلة من الدعم والمرافعة.
وبحسب هذا التصور، فإن النساء في المنطقة تحولن تدريجياً إلى فاعلات رئيسيات في الدفاع عن القضية، سواء من خلال الحضور في الفضاء العام أو عبر التواصل مع الفاعلين الحقوقيين والإعلاميين، في محاولة مستمرة لإبقاء الملف حياً في الوعي العام.
حراك الريف
يعود حراك الريف إلى عام 2016، عندما شهدت منطقة الريف في شمال المغرب احتجاجات اجتماعية واسعة طالبت بتحسين الخدمات العمومية وتطوير البنية التحتية وتعزيز العدالة الاجتماعية، ومع تصاعد هذه الاحتجاجات، شهدت المنطقة لاحقاً موجة من الاعتقالات التي طالت عدداً من النشطاء، تبعتها محاكمات وأحكام قضائية أثارت نقاشاً حقوقياً وسياسياً واسعاً داخل المغرب وخارجه.
ومنذ ذلك الحين، ظلت عائلات المعتقلين في قلب هذا الملف، حيث استمرت في تنظيم مبادرات ومطالبات بالإفراج عن أبنائها، بالتوازي مع جهود حقوقية محلية ودولية دعت إلى معالجة آثار هذا الملف بما يضمن تحقيق العدالة والمصالحة الاجتماعية.
الملف بين الذاكرة والانتظار
بالنسبة للأمهات اللواتي شاركن في مبادرة الحسيمة، فإن القضية لم تعد مجرد ملف سياسي أو قانوني، بل أصبحت تجربة إنسانية ممتدة تعيشها الأسر يومياً، بين الزيارات المحدودة للسجون وانتظار قرارات قد تغير مصير أبنائهن، ومع مرور السنوات، تحولت هذه التجربة إلى جزء من الحياة اليومية لهذه العائلات، حيث امتزجت مشاعر الصبر بالأمل المستمر في عودة الغائبين.
وفي ظل استمرار هذا الوضع، يبقى ملف معتقلي حراك الريف أحد أبرز الملفات الحقوقية في المغرب، ليس فقط من زاوية البعد السياسي، بل أيضاً من زاوية تأثيره الاجتماعي والإنساني العميق على حياة العائلات، خاصة الأمهات اللواتي يواصلن حمل عبء الانتظار.
يُعد حراك الريف من أبرز الحركات الاحتجاجية الاجتماعية التي شهدها المغرب في العقد الأخير، وتركزت مطالبه الأساسية حول تحسين الخدمات الصحية والتعليمية والبنية التحتية في منطقة الريف، وقد أعقب هذه الاحتجاجات تدخلات أمنية ومحاكمات طالت عدداً من النشطاء، ما أدى إلى بروز ملف حقوقي واسع النطاق ما زال يثير نقاشاً داخل المجتمع المغربي وبين المنظمات الحقوقية.
وتشير تقارير حقوقية إلى أن هذا الملف اكتسب بعداً إنسانياً متزايداً مع مرور الوقت، خصوصاً مع استمرار وجود معتقلين وارتباط ذلك بمعاناة عائلاتهم، حيث أصبحت الأمهات في صدارة الخطاب الحقوقي بوصفهن الأكثر تأثراً باستمرار هذا الوضع، والأكثر تمسكاً بالمطالبة بإنهائه عبر حلول تضمن عودة الأبناء وإنهاء حالة الانتظار الطويل.
