منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

فيروس هانتا يربك 12 دولة.. إصابات ووفيات وملاحقات صحية عابرة للقارات

09 مايو 2026
تفشي هانتا يثير القلق عالمياً
تفشي هانتا يثير القلق عالمياً

ركاباًفشي فيروس هانتا النادر على متن السفينة السياحية “إم في هونديوس” حالة قلق صحي دولية، بعد تسجيل إصابات مؤكدة ووفيات بين الركاب، وبدء سلطات صحية في عدة دول عمليات تتبع للمخالطين ومراقبة العائدين من الرحلة.

ورغم أن الفيروس لا ينتقل عادة بين البشر بسهولة، فإن طبيعة الرحلة البحرية، وتعدد جنسيات الركاب والطاقم، وتنقل بعضهم بين مطارات ودول مختلفة قبل اكتشاف التفشي، جعلت الحادثة ملفاً صحياً عابراً للحدود.

وتكمن حساسية الأزمة في أن السفينة كانت تقل ركاباً وطاقماً من دول عدة، بعضهم غادرها قبل ربط الإصابات بفيروس هانتا، في حين نُقل آخرون إلى مستشفيات في جنوب إفريقيا وسويسرا وألمانيا، في وقت تواصل فيه السلطات الإسبانية الاستعداد لاستقبال السفينة في جزر الكناري لأسباب إنسانية، وسط تحفظات محلية على السماح للركاب بالنزول خوفاً من أي مخاطر صحية محتملة.

وبحسب ما أوردته مجلة “تايم” الأمريكية، فإن التفشي دفع دولاً، منها الأرجنتين وكندا وهولندا وألمانيا وسنغافورة وجنوب إفريقيا وسويسرا وبريطانيا والولايات المتحدة، إلى اتخاذ إجراءات مراقبة أو عزل أو تتبع صحي، في محاولة لتحديد مصدر العدوى ومنع اتساع نطاقها.

بداية الرحلة

بدأت رحلة السفينة من مدينة أوشوايا في جنوب الأرجنتين في الأول من أبريل، وهي منطقة معروفة بانتشار فيروس هانتا في بعض البيئات الطبيعية، وفتحت السلطات الأرجنتينية تحقيقاً لمعرفة ما إذا كان مصدر العدوى مرتبطاً بالبلاد، خاصة بعد الاشتباه في أن زوجين هولنديين ربما تعرضا للفيروس خلال رحلة لمراقبة الطيور قرب مكب نفايات في أوشوايا.

وتكتسب الأرجنتين أهمية خاصة في التحقيقات لأنها ليست فقط نقطة انطلاق الرحلة، بل أيضاً من الدول التي شهدت خلال الأشهر الأخيرة ارتفاعاً في إصابات هانتا، وكان بين ركاب السفينة مواطن أرجنتيني، في حين تتابع السلطات الصحية ما إذا كانت العدوى قد بدأت قبل مغادرة السفينة للمياه الأرجنتينية.

سجل التفشي وفيات بين ركاب أوروبيين، أبرزهم زوجان هولنديان توفيا بعد إصابتهما بالمرض، وأكدت الفحوص إصابة الزوجة بفيروس هانتا، كما أُبلغت شركة الطيران الهولندية “كيه إل إم” بأن السيدة المصابة استقلت إحدى رحلاتها من جوهانسبرج قبل وفاتها، ما دفع إلى توسيع عمليات تتبع المخالطين.

كما توفيت امرأة ألمانية كانت على متن السفينة بعد إصابتها بالمرض. وكان على متن الرحلة 8 ألمان، بينهم أحد أفراد الطاقم، في حين غادر راكب ألماني السفينة في جزيرة سانت هيلينا، وأُجلي شخص ألماني آخر إلى دوسلدورف لإجراء الفحوص بعد مخالطته للمصابة المتوفاة.

جنوب إفريقيا

برزت جنوب إفريقيا بوصفها محطة رئيسية في الأزمة بعد وفاة السيدة الهولندية المصابة هناك. فقد تدهورت حالتها الصحية خلال وجودها في جوهانسبرج، حيث انهارت في مطار المدينة قبل نقلها إلى المستشفى ووفاتها لاحقاً.

ومنذ تأكيد إصابتها، بدأت السلطات الصحية في جنوب فريقيا عمليات تتبع واسعة شملت أكثر من 60 شخصاً يُحتمل أنهم خالطوها، سواء في المطار أو على متن الرحلات أو داخل المنشآت الصحية، وتعكس هذه الإجراءات القلق من انتقال العدوى عبر مسارات السفر، رغم أن هانتا لا يُعد من الفيروسات المعروفة بالانتشار السريع بين البشر.

تحمل السفينة العلم الهولندي وتديرها شركة “أوشن وايد إكسبيديشنز”، ولذلك تتولى هولندا دوراً رئيسياً في تنسيق الدعم والمساعدة للركاب والطاقم، ويمثل ذلك تحدياً لوجستياً ودبلوماسياً؛ نظراً لتعدد جنسيات الموجودين على السفينة وتوزع الحالات بين دول مختلفة.

وتتابع السلطات الهولندية أيضاً مسار الحالات المرتبطة بمواطنيها، خصوصاً بعد وفاة الزوجين الهولنديين، وظهور الحاجة إلى التنسيق مع شركات طيران وسلطات صحية في دول مر بها الركاب قبل اكتشاف التفشي.

متابعة أوروبية

في إسبانيا، يوجد على متن السفينة 13 راكباً إسبانياً إضافة إلى أحد أفراد الطاقم. وقد وافقت مدريد على استقبال السفينة في جزر الكناري لأسباب إنسانية، إلا أن رئيس حكومة الجزر أعلن رفضه السماح للركاب بالنزول، في ظل مخاوف من تعريض السكان المحليين لأي خطر صحي.

أما سويسرا، فأعلنت إصابة رجل كان على متن السفينة بفيروس هانتا، ويتلقى العلاج حالياً في مستشفى زيورخ الجامعي. وتخضع زوجته التي رافقته خلال الرحلة للعزل الاحترازي، رغم عدم ظهور أعراض عليها حتى الآن.

وفي كندا، أعلنت السلطات أن اثنين من مواطنيها عادا إلى البلاد بعد وجودهما على متن السفينة، إضافة إلى شخص ثالث ربما خالط حالة مصابة خلال رحلة جوية، وأكدت الحكومة أن الأشخاص الثلاثة لا تظهر عليهم أعراض، لكنهم يخضعون للعزل الذاتي والمراقبة الصحية.

كما تتواصل السلطات الكندية مع 4 كنديين ما زالوا على متن السفينة، في إطار متابعة أوسع للمواطنين الذين قد يكونون تعرضوا للفيروس، وفي الدنمارك أكدت هيئة سلامة المرضى أن أحد مواطنيها كان على السفينة، لكنه عاد إلى بلاده في نهاية أبريل ولم تظهر عليه أعراض، كما لم يثبت أنه خالط المصابين مباشرة.

بريطانيا وأمريكا

كان على متن السفينة 19 راكباً و4 من أفراد الطاقم من المملكة المتحدة. وأصيب أحد البريطانيين بحمى حادة وضيق في التنفس، ونُقل إلى جنوب إفريقيا حيث يخضع للعلاج في العناية المركزة، كما أُجلي فرد آخر من الطاقم للاشتباه بإصابته، في حين يعزل اثنان آخران نفسيهما بعد مغادرة السفينة.

وفي الولايات المتحدة، يوجد 17 أمريكياً بين ركاب السفينة، بينما غادر 6 آخرون في سانت هيلينا. وتراقب السلطات الصحية في 5 ولايات أمريكية ركاباً سابقين كانوا على متن الرحلة، دون تسجيل أعراض حتى الآن، كما أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه تلقى إحاطة بشأن الوضع، معرباً عن أمله في السيطرة على التفشي سريعاً.

تضم السفينة عدداً كبيراً من أفراد الطاقم الفلبينيين، إذ تشير التقارير إلى وجود 38 فلبينياً على متنها، وأكدت وزارة الصحة الفلبينية أنه لم تظهر حتى الآن أي أعراض على أي منهم، مع استمرار التنسيق مع الجهات الصحية الدولية لمتابعة الوضع.

وفي سنغافورة، وضعت السلطات اثنين من مواطنيها كانا على متن السفينة في منشأة عزل حكومية، بعد أن تبين أنهما استقلا الرحلة الجوية نفسها مع إحدى الحالات المصابة. وأوضحت السلطات أن أحدهما يعاني من رشح بسيط، في حين لا تظهر على الآخر أعراض، بانتظار نتائج الفحوصات.

ركاب آخرون

تضم السفينة ركاباً من دول أخرى بينها أستراليا وبلجيكا وفرنسا واليونان والهند واليابان وروسيا وتركيا وأوكرانيا، دون تسجيل أعراض عليهم حتى الآن، ومن المتوقع أن تعمل السلطات الإسبانية، بعد رسو السفينة في جزر الكناري، على تنسيق إعادتهم إلى بلدانهم وفق إجراءات صحية واحترازية.

وتعكس هذه الحالة تحدياً جديداً للسلطات الصحية، إذ لم تعد المسألة مرتبطة بمكان واحد أو جنسية واحدة، بل بشبكة سفر معقدة تشمل سفينة سياحية، ورحلات جوية، ومطارات، وأنظمة صحية مختلفة.

رغم أن فيروس هانتا نادر ولا ينتشر عادة كالفيروسات التنفسية الشائعة، فإن خطورته تكمن في ارتفاع معدل الوفاة في بعض أشكاله، خصوصاً عندما يتسبب في مضاعفات رئوية حادة، كما أن تأخر اكتشافه أو تشابه أعراضه الأولى مع أمراض أخرى قد يعرقل سرعة التدخل الطبي.

وتؤكد الأزمة الحالية أن الرحلات السياحية متعددة الجنسيات قد تتحول سريعاً إلى ملف صحي دولي إذا ظهر مرض نادر في بيئة مغلقة أو شبه مغلقة، وبينما تواصل السلطات التحقيق في مصدر العدوى، يبقى التركيز منصباً على تتبع المخالطين، وفحص الحالات المشتبه بها، وضمان عودة الركاب إلى بلدانهم دون تعريضهم أو تعريض الآخرين للخطر.