منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

في يومهم الدولي.. “حفظة السلام” حضور أممي في قلب أكثر البيئات هشاشة

29 مايو 2026
قوات حفظ السلام
قوات حفظ السلام

في عالم تتزايد فيه حدة التوترات وتتداخل فيه الأزمات السياسية والأمنية والإنسانية، يواصل حفظة السلام التابعون للأمم المتحدة أداء دور محوري بوصفهم إحدى الأدوات الأكثر استمراراً وفعالية من حيث التكلفة لدعم الاستقرار الدولي.

وفي هذا السياق، تحيي الأمم المتحدة في 29 مايو من كل عام “اليوم الدولي لحفظة السلام”، في مناسبة تهدف إلى تكريم من خدموا ويخدمون في بعثات السلام حول العالم، وإعادة تأكيد أهمية دعمهم سياسياً ومالياً.

يأتي موضوع هذا اليوم ليحمل في عام 2026 امتداداً مباشراً للشعار الأممي المعلن: “استثمروا في السلام”، وهو نداء يعكس الحاجة إلى توفير دعم مستدام يضمن تمكين بعثات حفظ السلام من تنفيذ ولاياتها في بيئات معقدة ومتغيرة، حيث تتداخل النزاعات المسلحة مع التحديات التنموية والإنسانية.

ويؤكد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش هذا المعنى بقوله: “في زمن مطبوع بتصاعد حدة التوترات، يعد حفظ السلام وسيلةً مجربة وفعالة من حيث التكلفة لاستعادة الاستقرار والأمل ـ لكن حفظ السلام يحتاج إلى إسناد سياسي لا يكل، وإلى دعم مالي موثوق”.

عمليات حفظ السلام

تشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن عمليات حفظ السلام ليست مفهوماً جديداً، بل تمتد إلى قرابة 80 عاماً من العمل الميداني الذي أسهم في إحداث تحولات ملموسة داخل مجتمعات عديدة حول العالم، فقد لعب حفظة السلام دوراً مهماً في دعم مسارات الانتقال من النزاع إلى الاستقرار في دول مثل ليبيريا وناميبيا وكمبوديا وسيراليون وتيمور – ليشتي.

وخلال هذه العقود، تطورت مهام حفظ السلام من مجرد مراقبة وقف إطلاق النار إلى عمليات أكثر تعقيداً تشمل دعم المؤسسات المحلية، وحماية المدنيين، والمساعدة في إعادة بناء المجتمعات المتأثرة بالنزاع، ما يتيح خلق بيئة ملائمة للسلام المستدام.

وتؤكد الأمم المتحدة أن حفظ السلام يظل أداة مجربة وفعالة من حيث التكلفة لإعادة بناء الاستقرار والأمل في البيئات الهشة، رغم التحديات المتزايدة التي تواجهها العمليات الميدانية اليوم.

حجم الانتشار

وفق أحدث البيانات الأممية الواردة، يخدم أكثر من 53 ألفاً من المدنيين والعسكريين وأفراد الشرطة في 11 بعثة لحفظ السلام منتشرة حول العالم، وتعمل هذه البعثات في سياقات تتسم بتعقيدات سياسية وأمنية متصاعدة نتيجة التحولات في المشهد الجيوسياسي الدولي.

وتشير الأمم المتحدة إلى أن حفظة السلام يواجهون تحديات متزايدة التعقيد، تشمل مخاطر أمنية مباشرة، وصراعات ممتدة، وأزمات إنسانية متشابكة، ما يجعل بيئة العمل أكثر صعوبة مقارنة بسنوات سابقة.

كما تبرز البيانات أن نحو 4500 من حفظة السلام فقدوا حياتهم خلال تاريخ عمليات حفظ السلام أثناء أداء واجبهم، منهم 59 في عام واحد حديث ضمن البيانات الأممية، وهو ما يعكس حجم المخاطر المرتبطة بهذه المهام.

أهمية اليوم الدولي

يخصص اليوم الدولي لحفظة السلام الأمميين لتكريم الإسهامات والتضحيات التي يقدمها حفظة السلام حول العالم، إضافة إلى الاعتراف بدور المجتمعات المحلية التي تستفيد من وجودهم في مناطق النزاع.

ويهدف هذا اليوم إلى تسليط الضوء على الطبيعة المعقدة لمهام حفظ السلام التي لا تقتصر على الجانب الأمني، بل تمتد إلى حماية المدنيين، ودعم الاستقرار المجتمعي، والإسهام في تهيئة الظروف اللازمة للحلول السياسية والتنمية المستدامة، كما يعد هذا اليوم مناسبة لتكريم من فقدوا حياتهم أثناء أداء الواجب، وتأكيد أهمية استمرار الدعم الدولي لهذه البعثات.

وتوضح الأمم المتحدة أن مهام حفظ السلام تشمل مجموعة واسعة من الأنشطة التي تنفذ بالشراكة مع الفاعلين المحليين والدوليين، ومن أبرزها: حماية المدنيين في مناطق النزاع، دعم التماسك الاجتماعي داخل المجتمعات المتأثرة بالحروب، ضمان إيصال المساعدات الإنسانية بشكل آمن، المساعدة في إعادة بناء البنية التحتية، دعم سبل كسب العيش للمجتمعات الفقيرة والمتضررة.. تعمل هذه المهام مجتمعة على تهيئة الظروف اللازمة لتحقيق حلول سياسية طويلة الأمد، وليس فقط احتواء النزاع.

حملات التوعية الأممية

يرافق اليوم الدولي لحفظة السلام عدد من الحملات التوعوية التي تهدف إلى تعزيز الوعي بالدور الذي يؤديه حفظة السلام، ومن أبرزها: حملة “السلام يبدأ بي” وهي حملة تدعو الأفراد حول العالم إلى دعم قيم السلام، وتسليط الضوء على دور قادة المجتمعات والناشطين وحفظة السلام في بناء الاستقرار.

وكذلك حملة “الخدمة والتضحية” وتركز على التضحيات الكبيرة التي يقدمها حفظة السلام الذين يعملون في ظروف شديدة الخطورة، إضافة إلى التضحيات التي تتحملها أسرهم.

يظل اليوم الدولي لحفظة السلام مناسبة أممية مركزية لتجديد الالتزام العالمي تجاه واحدة من أكثر أدوات السلام حضوراً في النظام الدولي، وبين شعار “استثمروا في السلام” والتحديات المتزايدة التي تواجهها البعثات، يتأكد أن مستقبل حفظ السلام يعتمد على مدى توفر الإرادة السياسية والدعم المالي، ما يضمن استمرار هذه المهمة في حماية المدنيين ودعم الاستقرار في أكثر مناطق العالم هشاشة وتعقيداً.