منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

فرنسا ليست محكومة باليمين المتطرف.. والتشاؤم الفرنسي قد يخدع الجميع

20 مايو 2026
مارين لوبان وجوردان بارديلا يحضران حدث "Fête de la Nation" الذي نظمه التجمع الوطني في ماكون في 1 مايو 2026.
مارين لوبان وجوردان بارديلا يحضران حدث "Fête de la Nation" الذي نظمه التجمع الوطني في ماكون في 1 مايو 2026.

جوزيف دي ويك

هناك أمر مطمئن واحد على الأقل في فرنسا: ثباتها عبر السنوات. فالقطارات لا تزال تصل في موعدها غالباً، والقهوة في بلد المقاهي ما زالت سيئة كما هي، في حين تواصل النخبة الفكرية إنتاج النسخة نفسها من الفكرة ذاتها: فرنسا على وشك الانهيار دائماً.

المزاج الحالي يبدو مألوفاً؛ فالنزعة التشاؤمية تكاد تكون عادة وطنية. خلال عشاء أخير جمعني بأصدقاء في باريس، اجتمعت الأطباق الفاخرة مع توقعات كارثية. أحدهم قال وهو يقطع رأس حبة هليون إن فرنسا تقف على حافة الهاوية بعد تسع سنوات من حكم إيمانويل ماكرون ذي النزعة اليمينية، في حين رأت أخرى أن البلاد تتأرجح بين حرب أهلية وإفلاس مالي.

ورغم اختلاف الآراء، بدا أن الفرنسيين يتفقون على استنتاج واحد قبل انتخابات الرئاسة عام 2027: حزب “التجمع الوطني” اليميني المتطرف بات الأقرب إلى قصر الإليزيه.

الكاتب الفرنسي ميشيل ويلبيك قال يوماً إن “فرنسا لديها موهبة الاكتئاب”، لكنه كان مخطئاً مراراً في توقعاته السياسية. فقد استبعد فوز ماكرون عام 2017، كما تخيل في روايته “الخضوع” وصول حزب إسلامي متشدد إلى السلطة في انتخابات 2022، في بلد أصبحت فيه الإسلاموفوبيا أمراً معتاداً.

صحيح أن اليمين المتطرف لم يكن يوماً أقرب إلى الحكم، فاستطلاعات الرأي تمنح مرشح “التجمع الوطني”، سواء مارين لوبان أو جوردان بارديلا، أفضلية في معظم السيناريوهات الانتخابية، باستثناء مواجهة محتملة مع رئيس الوزراء السابق إدوار فيليب. لكن حتى هذا السيناريو يواجه تعقيدات، بعد فتح تحقيقات تتعلق بشبهات فساد بحق فيليب، فضلاً عن ازدحام المشهد السياسي بمرشحين محتملين.

المرشح الرئاسي ورئيس الوزراء السابق إدوارد فيليب، الذي يواجه تحقيقًا قضائيًا.
المرشح الرئاسي ورئيس الوزراء السابق إدوارد فيليب، الذي يواجه تحقيقًا قضائيًا.

وخلال العقد الأخير، انجرف المزاج السياسي الفرنسي أكثر نحو اليمين، ما جعل اليسار المنقسم يواجه معركة صعبة. وكما حدث في الانتخابات الرئاسية السابقة، قد يصبح السؤال الحاسم: هل يقبل الناخب اليساري التصويت لمرشح يمين الوسط لمنع وصول اليمين المتطرف؟.

إدوار فيليب لا يزال يحتفظ ببعض الشعبية بين ناخبي اليسار بحكم إدارته السابقة لمدينة لوهافر ذات الطابع العمالي، لكن كثيرين سئموا فكرة التصويت الدائم لـ”الشر الأقل”.

بل إن جزءاً من الناخبين غير المنتمين لليمين المتطرف يبدو وكأنه يريد رؤية “كارثة التجمع الوطني” تحدث بالفعل، بدافع اليأس أو الرغبة في مشاهدة الانفجار السياسي الكبير.

لكن التاريخ الفرنسي يقدم درسين مهمين؛ الأول أن الانتخابات الرئاسية الفرنسية نادراً ما تسير كما تتوقع النخب السياسية قبل عام من الاقتراع. ففي 2012 لم يكن أحد يتوقع فوز فرانسوا هولاند، كما أن صعود ماكرون نفسه عام 2017 بدا مستبعداً قبل أشهر قليلة فقط من الانتخابات.

أما الدرس الثاني فهو أكثر غرابة؛ إذ تبدو فرنسا الدولة الوحيدة التي تعاني ما يمكن تسميته بـ”الناخب الخجول المعاكس”. فبينما تقلل استطلاعات الرأي عادة من قوة اليمين المتطرف في دول أخرى، فإنها في فرنسا تبالغ غالباً في تقدير دعمه. ففي انتخابات 2022 توقعت الاستطلاعات حصول مارين لوبان على 44.2%، لكنها انتهت عند 41.45% فقط.

الفرنسيون قد يتحدثون بغضب في الحانات وغرف الملابس عن التصويت لليمين المتطرف أو الامتناع عن التصويت، لكنهم داخل صناديق الاقتراع يميلون غالباً إلى اختيار الاستقرار القائم، تماماً كما يواصلون شرب القهوة الرديئة التي يشتكون منها دائماً.

ورغم القلق الكبير بشأن المستقبل، فإن معظم الفرنسيين راضون نسبياً عن حياتهم الحالية. فوفق “مؤشر السعادة” الصادر عن مؤسسة “إبسوس” عام 2026، قال 75% من الفرنسيين إنهم سعداء، بزيادة 4% مقارنة بعام 2024. كما أن نحو 60% من الفرنسيين يمتلكون منازلهم، ما يعكس نزعة مجتمعية محافظة وحذرة اقتصادياً.

صحيح أن فرنسا لا تزال تحتفظ بشغفها بالمغامرات السياسية الكبرى وروحها الثورية، لكن الجمهورية الخامسة لم تنتخب رئيساً يحمل برنامجاً راديكالياً حقيقياً سوى مرة واحدة، عندما وصل الاشتراكي فرانسوا ميتران إلى السلطة عام 1981.

واليوم، يبدو “التجمع الوطني” القوة الراديكالية الوحيدة القادرة فعلياً على الوصول للحكم، لكنها تسعى إلى ثورة من نوع مختلف وأكثر إثارة للقلق.

ومع اقتراب حملة انتخابات 2027، ربما يجدر بالفرنسيين تذكر كلمات الشاعر بول كلوديل: “الأسوأ ليس حتمياً دائماً”.

فإذا كانت فرنسا تحمل داخلها نزعة تشاؤمية وقدرية، فإنها تحمل أيضاً إرثاً عميقاً من الإرادة والمثالية، وهو الإرث الذي أنجب شعار “الحرية، المساواة، الأخوة”. وبين هذين التناقضين تستمر فرنسا في البقاء حيّة سياسياً … ولهذا، لا تزال هناك أسباب للتفاؤل.

نقلاً عن الجارديان