منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

غزة على أعتاب الشتاء.. أزمة الغذاء والدواء والمأوى تهدد الحق في الحياة

20 أكتوبر 2026
غزة على أعتاب الشتاء.. أزمة الغذاء والدواء والمأوى تهدد الحق في الحياة
غزة على أعتاب الشتاء.. أزمة الغذاء والدواء والمأوى تهدد الحق في الحياة

يضع تراجع المساعدات الغذائية، ونقص مستلزمات الإيواء، واستمرار الضغوط على الخدمات الصحية، الحقوق الأساسية للفلسطينيين في قطاع غزة أمام اختبار جديد مع اقتراب الشتاء، رغم التحسن الذي أتاحه تدفق المساعدات خلال فترات سابقة.

ولا تقتصر الأزمة على نقص الاحتياجات الطارئة، بل تمتد إلى قدرة العائلات على الحصول على الغذاء الكافي، و السكن الآمن، والعلاج، والحماية من البرد والأمطار، في ظل النزوح الواسع وتضرر المباني والبنية التحتية.

الحق في الغذاء

أعلن برنامج الأغذية العالمي، اليوم، خفض عدد الأشخاص الذين يتلقون مساعداته الغذائية الشهرية في غزة من 1.6 مليون إلى 1.1 مليون شخص، بسبب نقص التمويل، ما يعني استبعاد نحو 500 ألف شخص من المساعدات الشهرية.

كما خُفضت الحصص الغذائية إلى النصف، وتراجعت المساعدات النقدية المقدمة إلى 75 ألف أسرة، وانخفض عدد الوجبات الساخنة الموزعة يومياً من 250 ألفاً إلى 150 ألف وجبة، مع حصول بعض الأسر في المناطق التي يصعب الوصول إليها على وجبة ساخنة يوماً بعد يوم.

نقلت “رويترز” هذه الأرقام عن البرنامج الذي أكد حاجته إلى 450 مليون دولار خلال الأشهر الستة المقبلة لمواصلة عملياته في غزة والضفة الغربية.

ويواجه نحو 1.4 مليون شخص في غزة مستويات من انعدام الأمن الغذائي تقع عند مرحلة الأزمة أو أسوأ، بينهم نحو 200 ألف شخص في مرحلة الطوارئ، وفقاً لما أورده برنامج الأغذية العالمي.

تكشف هذه الأرقام عن هشاشة الوصول إلى الغذاء؛ إذ لا يعني استمرار توزيع المساعدات تلبية الاحتياجات بصورة كافية، خاصة عندما تتقلص أعداد المستفيدين والكميات المقدمة في الوقت نفسه.

تغذية الأطفال

حذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسف” من أن التحسن الذي تحقق في مواجهة سوء التغذية لا يزال هشاً، وأن تعطل دخول الإمدادات التجارية قد يقوضه، وفق تقرير نشرته في 16 أكتوبر.

وأظهرت البيانات أن طفلاً واحداً فقط من كل ثلاثة أطفال دون الثانية يحقق الحد الأدنى من التنوع الغذائي، في حين رصد مسح أجرته المنظمة في يونيو انتشار سوء التغذية المزمن لدى طفل واحد من كل ثمانية أطفال دون الخامسة.

ومن جانبها أوضحت أسوشيتد برس، في تقرير نشرته في أكتوبر، أن دخول السلع التجارية إلى غزة توقف لمدة يومين على الأقل وسط خلاف بشأن الرسوم والضرائب، ونقلت الوكالة روايات متباينة بشأن المسؤولية عن التوقف؛ إذ عزته السلطات الإسرائيلية إلى خلاف يتعلق بالضرائب، في حين نفى تجار فلسطينيون مسؤوليتهم، وأرجع اتحاد سائقي الشاحنات القيود إلى الجانب الإسرائيلي.

كما يبرز أثر تعطل التجارة في توافر السلع الغذائية وغيرها، في وقت لا تستطيع فيه المساعدات وحدها تلبية جميع احتياجات السكان.

مأوى غير آمن مع اقتراب الأمطار

يحتاج نحو مليوني شخص في قطاع غزة إلى مساعدات متعلقة بالمأوى، بحسب المنظمة الدولية للهجرة، وفقاً لتقرير نشرته الأمم المتحدة في فلسطين.

قدرت المنظمة أن ما بين 1.8 و1.9 مليون شخص يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة في الإيواء، في وقت لا تكفي فيه الإمدادات المتاحة لتغطية الاحتياجات المتزايدة مع بدء موسم الأمطار.

وأوضحت أن الخيام الموجودة في القطاع تدوم عادة نحو ستة أشهر، وأن التنقل المتكرر يضعف جودتها ويزيد صعوبة توفير حماية مستقرة للعائلات النازحة.

وحذرت “الدولية للهجرة” من أن القيود المفروضة على دخول مواد الإيواء الأكثر متانة تعرقل توفير بدائل أكثر أماناً؛ إذ تخضع مواد مثل ألواح التسقيف والإسمنت لقيود الاستخدام المزدوج.

وأشار التقرير الأممي إلى أن أكثر من أربعة آلاف مبنى يُعتقد أنها معرضة لخطر الانهيار، ما يضع الأسر أمام خيارات قاسية بين البقاء في مبانٍ غير آمنة أو اللجوء إلى خيام لا توفر حماية كافية من البرد والأمطار.

وكشف مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الأرض الفلسطينية المحتلة، في تقرير الوضع الإنساني الصادر في 2 أكتوبر 2026، أن تقييم أكثر من 400 موقع للنزوح حدد 217 موقعاً معرضاً لمخاطر الفيضانات بدرجة متوسطة إلى مرتفعة، ويقيم فيها نحو 235 ألف شخص.

كما أشار إلى أن تقديرات أولية لمجموعة المأوى تفيد بأن أكثر من 4 آلاف مبنى غير آمن يحتاج إلى هدم كلي أو جزئي، في حين ظل أكثر من 2300 مبنى منها مأهولاً بنحو 44 ألف شخص.

توضح هذه البيانات أن الاستعداد للشتاء لا يتعلق بتوفير الخيام وحدها، بل يتطلب أيضاً الحد من مخاطر السيول وانهيار المباني وتوفير بدائل آمنة للنازحين.

نقص الخدمات الطبية

ومن جانبها أكدت منظمة الصحة العالمية، في تصريحات لمديرها العام، سبتمبر الماضي، أن 19 مستشفى فقط من أصل 36 مستشفى في غزة كانت تعمل جزئياً، من دون وجود أي مستشفى يعمل بصورة كاملة.

وأشارت المنظمة إلى استمرار النقص الحاد في الأدوية الأساسية ومستلزمات التشخيص والمعدات والوقود، ما يؤثر في قدرة المرافق الصحية على تقديم الخدمات، ويهدد حصول المرضى على العلاج اللازم.

ويزيد هذا النقص المخاطر التي تواجه المرضى الذين يحتاجون إلى علاج منتظم أو رعاية متخصصة؛ فقد حذرت المنظمة من أن مرضى السرطان لا يحصلون على العلاج اللازم، وأن مرضى الكلى يواجهون صعوبات في الوصول المنتظم إلى جلسات الغسيل، في حين تتأثر الرعاية المقدمة للأمهات والمواليد.

تزداد أهمية استمرار الخدمات الطبية مع اقتراب الشتاء، حين يمكن أن تتفاقم المخاطر الصحية المرتبطة بالبرد وسوء التغذية وتدهور ظروف الإيواء والصرف الصحي.

تجاوز الاستجابة الإنسانية

يرتبط توفير الغذاء والمأوى والعلاج بالتزامات قانونية تتجاوز الاستجابة الإنسانية المؤقتة، حيث تنص المادة 11 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على الحق في مستوى معيشي كافٍ، ومنه الغذاء والكساء والمأوى، في حين تقر المادة 12 الحق في التمتع بأعلى مستوى من الصحة البدنية والعقلية يمكن بلوغه.

وأكدت محكمة العدل الدولية، في رأيها الاستشاري الصادر في 22 أكتوبر 2025 بشأن التزامات إسرائيل المتعلقة بوجود وأنشطة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى والدول الثالثة في الأرض الفلسطينية المحتلة، التزامات القوة القائمة بالاحتلال بضمان الاحتياجات الأساسية للسكان، ومنها الغذاء والماء والملابس والأغطية والمأوى والوقود والإمدادات والخدمات الطبية، وتيسير جهود الإغاثة وعدم عرقلتها ما دام السكان لا يحصلون على إمدادات كافية.

تُظهر البيانات الصادرة عن الأمم المتحدة ووكالاتها أن احتياجات سكان غزة لا تزال تتجاوز الموارد المتاحة، وأن خفض المساعدات الغذائية وتقييد الإمدادات ونقص مواد الإيواء والخدمات الطبية عوامل تزيد هشاشة الأوضاع مع اقتراب الشتاء.

ولا يقتصر المطلوب على تقديم مساعدات عاجلة، بل يشمل ضمان وصولها بصورة مستمرة ويمكن التنبؤ بها، وتوفير الغذاء الكافي والدواء ومواد الإيواء الآمنة، والحد من المخاطر التي تهدد حياة النازحين في المواقع المعرضة للفيضانات والمباني الآيلة للانهيار.

ويظل تمكين الفلسطينيين من الوصول إلى احتياجاتهم الأساسية شرطاً لحماية الحق في الحياة والصحة والغذاء والمأوى بكرامة، ولمنع تراجع المكاسب الإنسانية المحدودة التي تحققت، فحين تتقلص المساعدات وتتزايد مخاطر الشتاء، تصبح حماية الحقوق الأساسية معياراً ضرورياً لقياس مدى استجابة المجتمع الدولي للاحتياجات الإنسانية في غزة.