في بعض المصانع الصغيرة لا يحمل الأطفال أدوات العمل فقط، بل يحملون أيضا خوفهم من الفقر والنزوح وفقدان الحماية، فعمالة الأطفال لم تعد قضية مرتبطة بالحرمان الاقتصادي وحده، بل تحوّلت في كثير من المناطق إلى واحدة من أخطر انتهاكات حقوق الإنسان، خصوصا حين تتقاطع مع اللجوء والهجرة غير النظامية وضعف الحماية القانونية.
ورغم التطور الاقتصادي الذي شهدته فيتنام خلال العقدين الماضيين، لا تزال قطاعات العمل غير الرسمية والمصانع الصغيرة تشكل بيئة خطرة للأطفال، خاصة في المناطق الريفية والفقيرة.
كما تزداد هشاشة الأطفال اللاجئين والمهاجرين القادمين من دول مجاورة، حيث يصبح غياب الوثائق القانونية والخوف من الترحيل عاملين يفتحان الباب أمام الاستغلال والعمل القسري والحرمان من التعليم والحماية.
لماذا فيتنام؟
يركز هذا التقرير على فيتنام لأنها تمثل نموذجا يجمع بين النمو الاقتصادي السريع واتساع الاقتصاد غير الرسمي، في وقت لا تزال فيه عمالة الأطفال حاضرة داخل بعض القطاعات منخفضة الرقابة، كما أن موقع البلاد داخل منطقة تشهد حركات نزوح وهجرة غير منتظمة يجعل الأطفال اللاجئين والمهاجرين أكثر عرضة للاستغلال الاقتصادي والعمل القسري داخل الورش الصغيرة والمصانع غير المنظمة.
تشير منظمة الأمم المتحدة للطفولة إلى أن أكثر من مليون طفل تتراوح أعمارهم بين 5 و17 عاما يعملون في فيتنام، وهو ما يمثل نحو 5.4 بالمئة من إجمالي الأطفال ضمن هذه الفئة العمرية، وتتركز هذه العمالة في الأعمال الخطرة وغير المنظمة مثل المصانع الصغيرة والورش اليدوية وجمع النفايات والخدمات منخفضة الأجر.
وتوضح منظمة العمل الدولية أن العمل القسري للأطفال لا يقتصر على ساعات العمل الطويلة فقط، بل يشمل أيضا تعريض الأطفال لمواد كيميائية خطرة وحرمانهم من التعليم والاستغلال الاقتصادي الذي يمنعهم من التمتع بحقوقهم الأساسية.
كما تؤكد المنظمة أن قطاع الصناعة والتصنيع يمثل نحو 13 بالمئة من إجمالي عمالة الأطفال عالميا، ويشمل ذلك المصانع الصغيرة وورش الإنتاج منخفضة الرقابة.
خلف جدران المصانع
في بعض المناطق الصناعية الفقيرة في فيتنام تنتشر مصانع وورش صغيرة غير رسمية يتم فيها تشغيل الأطفال في أعمال مثل الخياطة وصناعة الأحذية وتعبئة المنتجات وفرز المواد الخام، وغالبا ما يعمل هؤلاء الأطفال لساعات طويلة مقابل أجور متدنية وفي بيئات تفتقر إلى شروط السلامة المهنية.
ويتعرض الأطفال العاملون في هذه المصانع لمخاطر صحية ونفسية متعددة تشمل استنشاق المواد الكيميائية والإصابات الجسدية والإرهاق الشديد والحرمان من التعليم، في ظل ارتباط الظاهرة بالفقر وضعف الحماية الاجتماعية واحتياج الأسر إلى مصادر دخل إضافية.
ومن منظور حقوق الإنسان لا تُعد عمالة الأطفال مجرد أزمة اقتصادية أو اجتماعية، بل انتهاك مباشر لاتفاقية حقوق الطفل التابعة للأمم المتحدة، والتي تنص على حق الطفل في التعليم والحماية من الاستغلال الاقتصادي والعمل الخطير، كما تتعارض هذه الممارسات مع اتفاقيات منظمة العمل الدولية الخاصة بمنع أسوأ أشكال عمل الأطفال.
الأطفال اللاجئون والمهاجرون
إلى جانب عمالة الأطفال المحليين تواجه فيتنام تحديا متزايدا يتعلق بالأطفال اللاجئين والمهاجرين القادمين من دول أخرى، خاصة من المناطق المتأثرة بالنزاعات أو الفقر في آسيا.
وغالبا ما يدخل هؤلاء الأطفال البلاد بطرق غير نظامية أو يعيشون دون وثائق قانونية، ما يجعلهم أهدافا سهلة للاستغلال من قبل شبكات الاتجار بالبشر وأصحاب الأعمال غير القانونية.
وتشير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن الأطفال اللاجئين والنازحين يمثلون قرابة نصف الأشخاص الذين يحتاجون إلى الحماية الإنسانية حول العالم، وأنهم يواجهون مخاطر مرتفعة تشمل العنف والاستغلال والاتجار بالبشر والعمل القسري.
كما سجلت المفوضية خلال عام 2024 أكثر من 218 ألف طفل منفصل عن عائلاته أو غير مصحوب بذويه، وهي فئة تعد الأكثر عرضة للاستغلال الاقتصادي والعمل القسري.
ويستغل بعض أصحاب المصانع والورش الصغيرة هشاشة وضع الأطفال اللاجئين والمهاجرين عبر تشغيلهم دون عقود قانونية أو حماية اجتماعية، مستفيدين من خوفهم من الترحيل أو فقدان المأوى، وفي بعض الحالات يُحرم الأطفال من التعليم والرعاية الصحية ويُجبرون على العمل لساعات طويلة في ظروف غير إنسانية.
وتؤكد منظمات حقوق الإنسان أن غياب الرقابة الكافية على القطاعات غير الرسمية يزيد من صعوبة كشف هذه الانتهاكات، كما أن الأطفال العاملين غالبا لا يمتلكون القدرة على تقديم شكاوى أو الوصول إلى العدالة بسبب أعمارهم الصغيرة أو أوضاعهم القانونية غير المستقرة.
اللجوء والعمل القسري
أشار الباحث القانوني الدكتور فيصل العبداللات، إلى أن النزاعات والفقر وتعطل التعليم تمثل عوامل رئيسية تدفع الأطفال نحو سوق العمل القسري، خاصة في البيئات التي تفتقر إلى الحماية الاجتماعية والرقابة القانونية الفعالة.
وأوضح العبداللات، في حديثه لـ«صفر»، أن ارتفاع نسب الأطفال اللاجئين خارج المدارس يخلق بيئة خصبة للاستغلال الاقتصادي، في ظل قصور واضح في آليات الرصد والإبلاغ والمتابعة المتعلقة بعمالة الأطفال داخل المخيمات والمناطق الهشة.
وأضاف أن بعض المصانع الصغيرة وورش الإنتاج غير الرسمية في فيتنام تستغل هشاشة أوضاع الأطفال، خصوصا الأطفال اللاجئين والمهاجرين، عبر تشغيلهم في ظروف قاسية ولساعات طويلة مقابل أجور متدنية، مع غياب واضح لمعايير السلامة والحماية القانونية.
وأكد أن هذه الممارسات تمثل انتهاكًا مباشرًا لحقوق الإنسان ولاتفاقيات حماية الطفل، خاصة عندما يُحرم الأطفال من التعليم ويُدفع بهم إلى بيئات عمل تهدد صحتهم الجسدية والنفسية.
وبيّن أن استمرار ظاهرة عمالة الأطفال رغم وضوح الاتفاقيات الدولية التي تحظرها يكشف عن فجوة حقيقية بين الالتزامات القانونية والتنفيذ الفعلي على أرض الواقع، مؤكدا أن غياب الإدماج الفعّال للأطفال اللاجئين والنازحين ضمن أنظمة الحماية الوطنية وضعف آليات الشكاوى والإنصاف واستمرار الأزمات الاقتصادية كلها عوامل تُبقي الأطفال داخل دوائر العمل القسري بدلًا من ضمان حقهم في التعليم والحماية والأمان.
