منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

على حافة الخطر.. إيطاليا تحت ضغط الانهيارات الأرضية والفيضانات والتآكل

20 أبريل 2026
إيطاليا واحدة من أكثر دول أوروبا تعرضًا لما يُعرف بالمخاطر الهيدروجيولوجية
إيطاليا واحدة من أكثر دول أوروبا تعرضًا لما يُعرف بالمخاطر الهيدروجيولوجية

إيطاليا ليست مجرد بلد أوروبي جميل يطل على المتوسط وتطوقه الجبال والتلال، بل هي أيضاً واحدة من أكثر دول أوروبا تعرضاً لما يُعرف بالمخاطر الهيدروجيولوجية.. الانهيارات الأرضية، والفيضانات، والتآكل الساحلي، والانهيارات الثلجية.

ويعود ذلك إلى طبيعة جغرافية معقدة تجمع بين سلاسل جبلية واسعة، ومنحدرات هشة، ومناطق نهرية وساحلية مأهولة، إلى جانب تأثير متزايد للأمطار الغزيرة والظواهر المناخية المتطرفة.

وتقول الهيئة الإيطالية العليا لحماية البيئة والبحث ISPRA إن إيطاليا ما تزال بين أكثر البلدان الأوروبية تعرضاً للانهيارات الأرضية، مع تسجيل أكثر من 636 ألف انهيار أرضي في البلاد.

وتُظهر أحدث بيانات ISPRA أن مساحة الأراضي الإيطالية المصنفة في نطاقات خطر الانهيارات الأرضية ارتفعت من 55,400 كيلومتر مربع في 2021 إلى 69,500 كيلومتر مربع في 2024، أي بزيادة 15% خلال ثلاث سنوات، وبما يعادل 23% من إجمالي مساحة البلاد.

أما المناطق الأشد خطورة، المصنفة ضمن المستويين العالي والعالي جداً P3 وP4، فقد ارتفعت من 8.7% إلى 9.5% من أراضي إيطاليا، وتوضح الهيئة أن جزءاً من هذه الزيادة يعود إلى تحسن الخرائط والدراسات المحلية واكتشاف ظواهر جديدة بمزيد من التفصيل، لكنه في الوقت نفسه يعكس حجم الانكشاف الحقيقي للبلاد.

مخاطر جيولوجية ومائية

الأرقام المتداولة عن وجود “أكثر من 500 ألف مبنى” في مناطق الانهيارات الأرضية لم تعد تمثل التقدير الأحدث، فبحسب أحدث تحديثات ISPRA، يوجد الآن أكثر من 742 ألف مبنى في المناطق ذات الخطر العالي والعالي جداً للانهيارات الأرضية، أي نحو 4% من إجمالي المباني في البلاد.

وإذا نظرنا إلى الفيضانات أيضاً، فإن الصورة تصبح أكثر اتساعاً، إذ يوجد أكثر من 1.5 مليون مبنى في مناطق معرضة للفيضانات ضمن سيناريو الخطر المتوسط. وهذا يعني أن التهديد لا يخص القرى الجبلية فقط، بل يمس نسيجاً عمرانياً واسعاً داخل دولة أوروبية كبرى.

ولا يتوقف الأمر عند المباني السكنية، فقد قالت ISPRA إن 94.5% من البلديات الإيطالية أصبحت معرّضة لنوع واحد على الأقل من هذه الأخطار.. الانهيارات الأرضية أو الفيضانات أو التآكل الساحلي أو الانهيارات الثلجية.

هذا الرقم يكشف بوضوح أن المسألة لم تعد محصورة في مناطق هامشية أو استثنائية، بل أصبحت شبه عامة على مستوى الإدارة المحلية في البلاد، ويعني ذلك أن المخاطر الجيولوجية والمائية باتت تمس تقريباً كامل المشهد البلدي الإيطالي، بدرجات متفاوتة من الشدة والانكشاف.

ارتباط الخطر بالبشر والاقتصاد

أما من حيث السكان، فتقديرات ISPRA تشير إلى أن 5.7 ملايين شخص يعيشون إجمالاً في مناطق معرضة للانهيارات الأرضية في إيطاليا، من بينهم 1.28 مليون نسمة في المناطق ذات الخطر العالي والعالي جداً.

وفي المقابل، يتعرض 6.8 مليون شخص لخطر الفيضانات في سيناريو الخطر المتوسط، كما أن أكثر من 582 ألف أسرة تقع في مناطق الانهيارات الأعلى خطورة، و2.9 مليون أسرة في مناطق الفيضانات.

وتُظهر هذه الأرقام أن القضية ليست بيئية أو هندسية فقط، بل قضية سكن ومعيشة وأمن يومي لعدد هائل من الناس.

الاقتصاد هو الآخر داخل دائرة الخطر، فحسب مؤشرات المخاطر التي نشرتها ISPRA، هناك نحو 75 ألف منشأة أعمال وصناعة وخدمات داخل مناطق الانهيارات الأرضية الشديدة الخطورة، في حين يوجد أكثر من 640 ألف منشأة في مناطق معرضة للفيضانات في سيناريو الخطر المتوسط.

وهذا يربط الخطر الجيولوجي مباشرةً بالنشاط الاقتصادي وسلاسل الإمداد والوظائف والبنية التحتية والخدمات. وتوضح الهيئة كذلك أن أكثر من 220 ألف عامل يتعرضون للخطر داخل منشآت تقع في مناطق الانهيارات الأرضية الشديدة.

التراث الثقافي والتاريخي

ومن أكثر الجوانب حساسية في الملف الإيطالي أن الخطر لا يهدد البشر والمباني فقط، بل يهدد أيضاً التراث الثقافي والتاريخي للبلاد، وهو من الأوسع والأثمن عالمياً، وهنا أيضاً تختلف الأرقام بحسب تعريف مستوى الخطر، فبحسب أحدث تقرير ISPRA لعام 2024، يوجد 14 ألف موقع أو أصل ثقافي في المناطق ذات الخطر العالي والعالي جداً للانهيارات الأرضية.

لكن إذا توسعنا إلى مجمل المناطق المعرضة للانهيارات بدرجات أوسع، فإن تقديرات ISPRA المنشورة في “الكتاب السنوي للبيئة 2024” تشير إلى أن عدد الأصول الثقافية المعرضة لخطر الانهيارات يصل إلى 40,256 موقعاً، منها 13,243 في المناطق الأعلى خطورة.

وهذا يعني أن الرقم المتداول عن “نحو 38 ألف موقع” يعكس صورة عامة صحيحة تقريباً، لكن أحدث البيانات الرسمية تشير إلى أن الرقم الأوسع بات يتجاوز 40 ألفاً.

ملايين السكان في خطر

ولا تقف الصورة عند الانهيارات الأرضية فقط، فالمخاطر الهيدرولوجية في إيطاليا تشمل أيضاً الفيضانات بصورة واسعة، وتقول ISPRA إن الفيضانات أصبحت تمثل جزءاً رئيساً من الخطر الوطني، مع وجود ملايين السكان وأكثر من مليون ونصف المليون مبنى في مناطق الخطر المتوسط.

وتؤكد الوكالة الأوروبية للبيئة أن الخسائر الاقتصادية المرتبطة بالطقس والمناخ في أوروبا تتزايد بمرور الوقت، وأن الفيضانات وحدها شكلت 47% من إجمالي الخسائر الاقتصادية في الاتحاد الأوروبي بين 1980 و2024، وفي الترتيب الأوروبي المطلق للخسائر، تأتي إيطاليا بين الدول الأعلى خسارة إلى جانب ألمانيا وفرنسا وإسبانيا.

هذه الصورة لا تُقرأ فقط عبر المؤشرات الوطنية العامة، بل أيضاً عبر الأحداث الفعلية الأخيرة، فقد ذكرت ISPRA أن السنوات 2022-2024 شهدت سلسلة من الظواهر الهيدرومناخية العنيفة: فيضانات واسعة في ماركي عام 2022، وتدفقات طينية سريعة في إسكيا في نوفمبر 2022 أودت بحياة 12 شخصاً، ثم فيضانات إميليا رومانيا في مايو 2023، والتي قُدرت خسائرها بنحو 8.6 مليار يورو.

وأخيراً أمطار شديدة في وادي أوستا وشمال بيدمونت في يونيو 2024 تسببت في فيضانات وتدفقات حطامية. هذه الأمثلة توضح كيف يتحول الخطر الجيولوجي من تهديد كامن إلى كوارث فعلية خلال ساعات قليلة.

أضرار في البينية التحتية

وفيما يتعلق بالانهيارات الأرضية تحديداً، توضح مؤشرات ISPRA أن عام 2024 شهد 185 حدثاً رئيساً من الانهيارات، أسفرت عن 5 وفيات و18 إصابة، فضلاً عن أضرار كبيرة في الطرق والمباني والبنية الأساسية.

ورغم أن الرقم السنوي للوفيات لا يبدو ضخماً مقارنةً بكوارث أخرى، فإن هذا النوع من الأخطار يتميز بأنه متكرر وموزع وممتد، ويستنزف المناطق المحلية وميزانيات الوقاية والصيانة بشكل دائم.

كما تشير ISPRA إلى أن إيطاليا تسجل تقريباً نحو مئة حدث انهيار رئيس سنوياً تتسبب في ضحايا وإخلاءات وأضرار للمباني والبنية الأساسية والتراث الثقافي.

أما التآكل الساحلي، فرغم أن أحدث بيانات ISPRA تشير إلى تحسن نسبي، فإن الملف لا يزال مقلقاً. فقد ذكرت الهيئة في تقرير 2024 أن الوضع على الشواطئ الإيطالية تحسن نسبياً، إذ أصبحت المقاطع الساحلية المتقدمة تزيد بنحو 30 كيلومتراً على المقاطع المتراجعة.

لكن هذا التحسن لا يلغي أن التآكل الساحلي ما زال جزءاً من المنظومة العامة للخطر الهيدروجيولوجي، خاصة في بلد يملك سواحل طويلة، وكثافة عمرانية وسياحية عالية، ومواقع تراثية كثيرة قريبة من البحر والأنهار.

ظواهر أكثر تكراراً

وتربط المؤسسات الأوروبية بين هذه الأخطار وبين تغير المناخ وازدياد شدة التطرف المناخي، فالوكالة الأوروبية للبيئة تؤكد أن أوروبا تشهد ظواهر أكثر تكراراً وشدة من الأمطار الغزيرة والفيضانات والجفاف وموجات الحر، وأن هذه المخاطر ستزداد حدة إذا لم تتسارع وتيرة التكيف.

كما أن تقييمات الاتحاد الأوروبي تشير إلى أن آخر أربع سنوات كانت كلها ضمن أعلى خمس سنوات من حيث الخسائر الاقتصادية المناخية في أوروبا منذ 1980.

بالنسبة لإيطاليا التي تجمع بين هشاشة التضاريس وكثافة التمدن والتراث، فإن هذا يعني أن خطر الانهيارات والفيضانات ليس مجرد إرث جيولوجي، بل أيضاً تحدٍّ مستقبلي يتعاظم مع المناخ المتغير.

وتعتمد السياسات الإيطالية على تحديث خرائط الخطر، والتخطيط العمراني الوقائي، ونظم الإنذار المبكر، وصيانة المجاري المائية والمنحدرات، والحد من البناء في المناطق الأكثر هشاشة، غير أن توسع المناطق المصنفة في الخطر العالي، واتساع عدد البلديات المتأثرة، يوضحان أن المعرفة وحدها لا تكفي من دون استثمار وقائي مستمر وتنفيذ صارم على المستوى المحلي.

Picture of عبدالرحيم الليثي
عبدالرحيم الليثي
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية