منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

“عبودية الديون”.. مصنع السيارات الكهربائية الصيني في أوروبا يواجه اتهامات بانتهاكات عمالية

12 مايو 2026
أعمال البناء في مصنع BYD بمدينة سيجد في المجر

أعاد حادث وفاة عامل داخل موقع إنشاء مصنع شركة BYD الصينية للسيارات الكهربائية في مدينة سيجد المجرية فتح ملف ظروف العمل وحقوق العمال المهاجرين داخل أحد أكبر الاستثمارات الصينية في أوروبا، وسط تصاعد اتهامات تتعلق بالعمل المفرط، ورسوم التوظيف الباهظة، والانتهاكات المحتملة لقوانين العمل الأوروبية.

وقع الحادث أثناء عمليات تحميل ورفع بالرافعة داخل موقع البناء، حيث توفي العامل متأثرًا بإصاباته رغم محاولات إنعاشه، فيما بدأت السلطات المجرية تحقيقًا جنائيًا للاشتباه في تعريض حياته للخطر نتيجة الإهمال أثناء العمل.

ووفقًا لموقع “ديلي نيوز هنغاريا”، فإن فرق الإسعاف حاولت إنقاذ العامل في موقع الحادث، لكن إصاباته وُصفت بأنها بالغة وتهدد الحياة.

وأكدت شركة ” إيه إي إندستري هنغاريا”، المقاول الرئيسي للمشروع، أن الحادث وقع خلال عملية نفذها أحد المقاولين الفرعيين، موضحة أن التحقيقات لا تزال جارية لتحديد الملابسات الدقيقة للوفاة، في وقت باتت فيه ظروف السلامة داخل المشروع محل تدقيق متزايد.

جاءت هذه الحادثة بينما تتصاعد الانتقادات المرتبطة بظروف العمال داخل المشروع الضخم الذي تبنيه شركة BYD في جنوب المجر، والمقرر افتتاحه عام 2027 باعتباره أول مصنع أوروبي عملاق للشركة الصينية، والذي يُنظر إليه باعتباره أحد أبرز رموز التوسع الاقتصادي الصيني داخل أوروبا.

سلسلة من الانتهاكات

وكشفت صحيفة “الغارديان”، استنادًا إلى مقابلات أجرتها منظمة “مراقبة العمل في الصين” الحقوقية مع أكثر من 50 عاملًا مهاجرًا، عن سلسلة من الانتهاكات المحتملة لقوانين العمل الأوروبية داخل المشروع، شملت العمل سبعة أيام في الأسبوع، وساعات إضافية مفرطة، ورسوم توظيف مرتفعة دفعتها مجموعات من العمال القادمين من الصين.

ونقلت الصحيفة عن عمال داخل الموقع قولهم إن بعض الموظفين يعملون طوال أيام الأسبوع دون راحة تقريبًا، بينما وصف آخرون ظروف المعيشة بأنها “قاسية جدًا”، مشيرين إلى تشدد المشرفين داخل موقع البناء، وإلى ضغوط يومية مرتبطة بسرعة إنجاز المشروع.

وتحدث العمال أيضًا عن أوضاع إقامة مكتظة، حيث تضم بعض المباني السكنية مئات العمال في الوقت نفسه، فيما يتجاوز العدد الإجمالي للعاملين داخل المشروع 4 آلاف شخص، بينهم نحو ألف عامل يقيمون خارج الموقع.

وأوضحت “الغارديان” أن بعض العمال الذين جرى توظيفهم عبر شركات مقاولات فرعية دفعوا رسومًا تراوحت بين 860 و2100 جنيه إسترليني للحصول على فرص العمل، وهو ما اعتبرته منظمة “مراقبة العمل في الصين” شكلًا من أشكال “عبودية الديون”، خاصة بالنسبة للعمال القادمين من مناطق منخفضة الدخل داخل الصين، والذين يضطرون للاقتراض من أجل السفر والعمل.

ولم تتوقف المخاوف عند حدود ساعات العمل أو رسوم التوظيف، بل امتدت إلى الحديث عن احتمالات وجود مخالفات تتعلق بالتأشيرات وسقوف ساعات العمل الإضافية التي يحددها القانون المجري، إضافة إلى مخاوف مرتبطة بظروف الصحة والسلامة المهنية داخل الموقع.

الاستثمارات الصناعية الصينية

ويعد المشروع واحدًا من أكبر الاستثمارات الصناعية الصينية في أوروبا، إذ تصل قيمته إلى نحو 4.5 مليار دولار، بينما تخطط الشركة لتوظيف قرابة 10 آلاف عامل وإنتاج 300 ألف سيارة سنويًا، ما يجعل المصنع عنصرًا رئيسيًا في استراتيجية الصين لتوسيع نفوذها داخل سوق السيارات الكهربائية الأوروبية.

وسعت هذه الاتهامات دائرة الجدل الأوروبي حول نموذج التوسع الصناعي الصيني، خاصة مع الاعتماد المتزايد على العمالة المهاجرة القادمة من الصين للعمل في مشروعات السيارات الكهربائية والبطاريات داخل القارة.

وأثارت القضية تساؤلات داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، بعدما أثير الملف أمام المفوضية الأوروبية التي أكدت علمها بالاتهامات المتعلقة بانتهاكات حقوق العمال داخل موقع BYD، كما أشارت إلى وجود قضية معروضة أمام مفتشية العمل المجرية.

وفي مدينة سيجد نفسها، عبر سكان محليون عن قلق متزايد من التأثيرات الاجتماعية والبيئية للمشروع، إضافة إلى غياب المعلومات الكافية حول طبيعة ظروف العمل والإقامة داخل الموقع.

كما تحدثت تقارير محلية عن انتشار شائعات تتعلق بالمخاطر الصحية وظروف معيشة العمال المهاجرين، وهو ما عمق حالة التوتر داخل المدينة.

أزمة سياسية وحقوقية

وامتد الجدل المرتبط بالشركة الصينية إلى البرازيل، بعدما كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” عن أزمة سياسية وحقوقية تفجرت عقب إقالة مسؤول بارز في وزارة العمل البرازيلية بعد أيام فقط من إدراج شركة BYD على السجل الوطني للشركات المتهمة بإخضاع العمال لظروف “شبيهة بالعبودية”.

وأوضحت الصحيفة أن مفتشي العمل في البرازيل توصلوا إلى أن عمالًا صينيين كانوا يعملون في مشروع تابع للشركة شمال شرقي البلاد تعرضوا لظروف معيشية قاسية، وعملوا لأكثر من 10 ساعات يوميًا دون فترات راحة كافية، في ظروف وصفتها السلطات بأنها تنتهك معايير العمل الأساسية.

كما خلص التحقيق إلى أن بعض العمال لم يكن بإمكانهم مغادرة موقع العمل بحرية أو إنهاء عقودهم، بعدما جرى استقدامهم بوعود تتعلق بالأجور المرتفعة وظروف العمل الأفضل، قبل أن يجدوا أنفسهم داخل بيئة مغلقة وشديدة القسوة.

وأشارت “نيويورك تايمز” إلى أن السلطات البرازيلية نفذت حملة أواخر عام 2024 أسفرت عن تحرير أكثر من 160 عاملًا من ظروف وصفت بأنها “شبيهة بالعبودية”، بينما ألقت شركة BYD باللوم على أحد المقاولين الفرعيين، مؤكدة أنها أوقفت التعامل معه لاحقًا.

النفوذ الاقتصادي وحقوق العمال

وضعت هذه التطورات حكومة الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا في موقف حساس، خاصة أن لولا ارتبط تاريخيًا بالدفاع عن حقوق العمال منذ صعوده السياسي كزعيم نقابي في سبعينيات القرن الماضي.

وأثارت إقالة المسؤول العمالي الذي وافق على إدراج BYD في السجل البرازيلي للمخالفين لقوانين العمل انتقادات واسعة من جماعات حقوقية وهيئات رقابية، اعتبرت الخطوة مؤشرًا مقلقًا على احتمال وجود ضغوط سياسية مرتبطة بالاستثمارات الصينية الضخمة داخل البرازيل.

ونقلت “نيويورك تايمز” عن الجمعية الوطنية لمفتشي العمل في البرازيل وصفها إقالة المسؤول بأنها “مؤشر خطير على الانتقام المؤسسي”، فيما اعتبر حقوقيون أن القضية تعكس التوتر المتزايد بين جذب الاستثمارات الأجنبية وحماية حقوق العمال.

لكن وزير العمل البرازيلي لويز مارينيو نفى وجود أي تدخل سياسي، مؤكدًا أن التغييرات داخل الوزارة “إجراءات طبيعية”، وأن الحكومة لا تسعى لحماية أي شركة على حساب تطبيق القانون.

في المجر، لا تزال التحقيقات مستمرة بشأن وفاة العامل داخل مصنع سيجد، بينما تتواصل الضغوط الحقوقية المرتبطة بظروف العمال المهاجرين، في ظل تنامي الانتقادات الأوروبية لنموذج التشغيل داخل بعض الاستثمارات الصناعية الصينية.

ويكشف الجدل المتصاعد حول مصنع BYD عن أزمة أوسع تتجاوز حادثًا منفردًا أو مخالفات إدارية، لتطرح أسئلة تتعلق بحقوق العمال، ومعايير السلامة، وحدود التوسع الصناعي السريع في قطاع السيارات الكهربائية العالمي، خاصة عندما يتحول سباق الاستثمار والإنتاج إلى بيئة تتهم بتقويض أبسط الحقوق العمالية.