تكشف وفيات الشباب الذين يغادرون دور الرعاية في إنجلترا عن فجوة حادة في الحماية والدعم عند الانتقال إلى مرحلة البلوغ، بعدما توفي 112 شابًا وشابة تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عامًا خلال عام 2025، بمعدل يقدّر بنحو 130 وفاة لكل 100 ألف، أي ما يعادل ثلاثة إلى أربعة أضعاف معدل الوفيات بين أقرانهم من الفئة العمرية نفسها، وفق المراجعة المستقلة التي كُلفت بها الحكومة البريطانية.
أظهرت المراجعة أن خُمس هذه الوفيات وقع عند سن 18 عامًا، وهي المرحلة التي وصفها الخبراء بـ”منحدر الرعاية”، بسبب “الانخفاض الهائل في الدعم” الذي يواجهه الشباب عند انتقالهم من كونهم أطفالًا في منظومة الرعاية إلى بالغين.
وخلصت إلى أن الشباب الذين يغادرون دور الرعاية يعانون من عزلة شديدة، بينما قد يأتي الاستقلال الذي يرغب فيه بعضهم مصحوبًا بالوحدة وغياب شخص يلاحظ ما يحدث عندما يواجهون مشكلة.
عاش “ديفيد” معظم طفولته متنقلًا بين الرعاية وخارجها بعد تعرضه للإساءة والإهمال، وقضى سنوات مراهقته في دار للأطفال، حيث ساعدته ممرضة على متابعة إصابته بالسكري من النوع الأول.
ووفقًا لصحيفة “الغارديان”، تغيّر وضعه مع اقترابه من سن 18 عامًا، فنُقل إلى سكن مدعوم بمفرده، ثم توقفت ممرضة السكري عن العمل معه عندما بلغ 19 عامًا بسبب سنه.
فقدان الروابط المحيطة
فقد ديفيد عددًا من الروابط التي كانت تحيط به، من بينها مستشار شخصي انتقل إلى خارج المنطقة، كما تراجعت متابعة مستويات الإنسولين لديه.
أحب السباحة والتزلج على الجليد، وحصل على مؤهل للعمل منقذًا، وقضى وقتًا طويلًا في مركز محلي لمن غادروا الرعاية، حيث كان يستمتع بالتحدث مع شباب آخرين.
وأُغلق المركز في صيف 2025 لمدة ثلاثة أسابيع لإجراء أعمال تجديد، بينما ذهب مستشاره الشخصي الجديد في إجازة، وتوفي ديفيد خلال هذه الفترة بسبب نقص الإنسولين، ولم يُكتشف جثمانه إلا بعد أسبوعين، بعدما لم يكن هناك شخص في حياته مرتبط به بما يكفي لملاحظة غيابه، فيما أبلغ الجيران الشرطة في النهاية.
وقال وزير شؤون الأطفال، جوش ماكاليستر، إن شخصًا واحدًا كان يمكن أن يصنع الفارق في كل واحدة من هذه القصص، مؤكدًا أن شابًا لم يكن يحصل على الدعم بشأن أدوية السكري الخاصة به “لم يكن ينبغي أبدًا أن يموت”، وأن النظام تركه دون أن يلاحظه أحد لمدة أسبوعين.
أرقام تكشف الفجوة
أظهرت بيانات نشرها موقع البرلمان البريطاني،خاصة بمن غادروا الرعاية أن الوفيات سُجلت في كل عام بين 2022 و2024 ضمن الفئات العمرية من 18 إلى21 عامًا، مع تقريب الأرقام إلى أقرب عشرة.
وسجلت الفئة البالغة 18 عامًا 10 وفيات في 2022، بينما سُجلت 10 وفيات بين من بلغوا 19 عامًا، و20 وفاة بين من بلغوا 20 عامًا، و10 وفيات بين من بلغوا 21 عامًا.
وحُجبت بعض الأرقام في بيانات 2023 و2024 حفاظًا على سرية البيانات.
أظهرت البيانات كذلك ارتفاع أعداد الشباب الذين غادروا الرعاية ولم يكونوا في التعليم أو التدريب أو العمل، ففي عام 2024، بلغ عدد هؤلاء 4150 شابًا في سن 18 عامًا، و4810 في سن 19 عامًا، و4840 في سن 20 عامًا، و4660 في سن 21 عامًا، بما يمثل على التوالي 30% و37% و41% و40% من إجمالي من غادروا الرعاية في هذه الأعمار.
مغادرة الرعاية في سن 18 عامًا
ارتفع إجمالي عدد من غادروا الرعاية في سن 18 عامًا من 11880 في 2022 إلى 13800 في 2024، بينما ارتفع العدد في سن 19 عامًا من 11620 إلى 12930، وفي سن 20 عامًا من 11240 إلى 11880، وفي سن 21 عامًا من 10710 إلى 11570.
وأوضحت البيانات أن الأرقام الخاصة بالوفيات قُربت إلى أقرب عشرة، وأن من غادروا الرعاية وتوفوا بعد انتهاء فترة رعايتهم لا يُدرجون إلا في العام الذي أُبلغت فيه الوفاة للمرة الأولى.
ونقلت “الغارديان أيضا قصة “مايكل” الذي عانى بدوره من “الصدمة والرفض والمشقة” طوال طفولته، بما في ذلك الاعتداء الجنسي، ووُضع في الرعاية عندما كان في السادسة من عمره، وبنى علاقة قوية مع أسرة حاضنة عاش معها أربعة أعوام، قبل أن تمرض المرأة التي كانت ترعاه ولم تعد قادرة على رعايته، لينتقل بعدها بين أكثر من 10 أسر حاضنة قبل بلوغه 18 عامًا.
ونُقل مايكل إلى سكن شبه مستقل خارج منطقته المحلية، وأُبلغ عن اختفائه مرارًا، وبدأ في تعاطي المخدرات، بينما أثار الأخصائيون الاجتماعيون مخاوف منذ فترة طويلة بشأن مدى تعرضه للخطر واحتمال استغلاله.
وأُرسل إلى سجن للبالغين في سن 18 عامًا بعد عدة مواجهات مع الشرطة، من بينها اضطرارها إلى إنزاله من سطح السكن.
حين تنقطع الروابط
وأُفيد بأن مايكل كان شديد الاضطراب داخل السجن، يصرخ ويضغط مرارًا على جرس الطوارئ في زنزانته، ثم وُضع في العزل بعد دخوله في شجار مع زميله، وأُعيد إلى الجناح الرئيسي بعدما اعتُبر “غير لائق طبيًا” للعزل، وعُثر عليه ميتًا في زنزانته بعدما أنهى حياته، وذلك بعد أسبوعين فقط من دخوله السجن للمرة الأولى.
وسجلت المراجعة ست حالات وفاة من بين 112 شخصًا ممن غادروا الرعاية في عام 2025 داخل السجون، نتيجة جرعة زائدة من المخدرات أو الانتحار.
وأفاد مسؤولو وزارة العدل بأن من غادروا الرعاية أكثر عرضة بشكل غير متناسب لإيذاء أنفسهم في السجن، بينما لا تُسجل حالة كون الشخص من الذين غادروا الرعاية في بيانات الوفيات أثناء الاحتجاز، ما يجعل معرفة مدى تأثرهم سلبًا على وجه الدقة غير ممكنة.
وأبرزت المراجعة عامل خطر آخر يتعلق بالنساء اللواتي سبق أن مررن بتجربة الرعاية ثم أُخذ أطفالهن منهن، إذ سجلت ست حالات وفاة لشابات أقدمن على قتل أنفسهن في هذه الظروف.
وأبرزت “الغارديان قصة “جيني” التي دخلت الرعاية في سن 15 عامًا بعدما رفضتها والدتها، وازدهرت في منزل أسرتها الحاضنة حتى بلغت 18 عامًا.
مغادرة وعلاقة متقلبة
وانتهت جيني بعد مغادرة المنزل إلى علاقة متقلبة، وكانت تتعاطى المخدرات بشكل متقطع، ما أدى إلى وضع أطفالها الثلاثة في الرعاية، وانتحرت بعد ذلك بوقت قصير، وهي في سن 23 عامًا، وتركت رسالة لكل واحد من أطفالها ليقرأها عندما يصبح بالغًا، قالت فيها كم كانت آسفة وكم كانت تفتقد احتضانهم.
وقال العاملون الذين شاركوا في رعاية جيني إن وجود دور أكثر رسمية لأسرتها الحاضنة في حياتها كراشدة، أو حصولها على دعم لإعادة بناء علاقتها بشقيقتها، كان يمكن أن يغير ما حدث.
ووفقا لبيان نشره الموقع الرسمي لوزارة التعليم البريطانية، فقد تم استثمار 25 مليون جنيه إسترليني هذا العام لمساعدة آلاف الشباب الذين يغادرون دور الرعاية على الحصول على مساكن توفر لهم الدعم والتواصل، من خلال تطوير نماذج إسكان عالية الجودة ومبتكرة تعزز التواصل بينهم.
وحددت المراجعة المستقلة ثلاثة مجالات تحتاج إلى تغيير، تشمل كيفية إعداد الشباب لمرحلة البلوغ، والانخفاض الحاد في الدعم عند بلوغ سن 18 عامًا، ومهارات القوى العاملة التي تدعمهم.
وتعمل الحكومة على تسريع التوسع الوطني في خيارات السكن المتصلة لمن يغادرون الرعاية، وتوسيع نماذج “الحياة المشتركة بلس” و”مشروع المنزل” و”السكن المدعوم”.
حياة ذات قيمة
أكد وزير شؤون الأطفال، جوش ماكاليستر، أن حياة هؤلاء الشباب كانت ذات قيمة، وأن كل وفاة خلّفت خسارة فادحة لعائلاتهم وأصدقائهم والأشخاص الذين رعوهم، داعيًا إلى جعل بناء العلاقات المتينة محورًا للرعاية وتعزيز العلاقات التي يحتاج إليها الشباب بدلًا من هدمها.
وقال الكاتب والمذيع أشلي جون-بابتيست، الذي شارك في قيادة المراجعة، إن حياة الشباب الذين غادروا دور الرعاية كانت ذات أهمية بالغة، معربًا عن أمله في أن يسلط التقرير الضوء على هويتهم وكيف أُهملوا.
وأكدت رئيسة قسم الخدمة الاجتماعية كلير تشامبرلين أن المراجعة أكدت ما يقوله الشباب الذين غادروا دور الرعاية منذ سنوات، وهو أن “الدولة ليست بديلًا عن الأسرة”، داعية إلى بذل المزيد من الجهود لمنع الشعور بالوحدة الشديدة الذي يعاني منه الأكثر ضعفًا بعد مغادرة دور الرعاية.
وأقرت الحكومة، بموجب قانون رفاهية الأطفال والمدارس، بتوسيع نطاق الجهات العامة الراعية، بحيث يتعين على هيئة الخدمات الصحية الوطنية ومراكز التوظيف والسجون وهيئات المراقبة القضائية مراعاة احتياجات الشباب الذين غادروا دور الرعاية عند تصميم الخدمات.
وتلزم التغييرات، بدءًا من 30 سبتمبر، المجالس بنشر كيفية دعمها لمن يغادرون الرعاية للانتقال إلى حياة مستقلة، كما لا يمكن اعتبار من يغادرون دور الرعاية بلا مأوى عن قصد من التاريخ نفسه.
—————————
*تم تغيير الأسماء حفاظًا على عدم الكشف عن الهوية.
