في الوقت الذي اعتاد فيه أهالي قطاع غزة استقبال عيد الأضحى بذبح الأضاحي وتوزيعها على الفقراء وإحياء الشعائر الدينية والاجتماعية، باتت غالبية الأسر اليوم منشغلة بتأمين رغيف الخبز، في ظل أزمة إنسانية غير مسبوقة تسبب بها استمرار الحرب الإسرائيلية والحصار المفروض وإغلاق المعابر ومنع دخول المساعدات والمواد الأساسية، ومنها المواشي والأعلاف.
ومع اقتراب عيد الأضحى، تبدو الأسواق خالية من مظاهر العيد المعتادة، في حين اختفت الأضاحي أو ارتفعت أسعارها إلى مستويات تفوق قدرة المواطنين المنهكين أصلاً بفعل النزوح والبطالة وفقدان مصادر الدخل، الأمر الذي حرم آلاف العائلات من أداء شعيرة دينية تعد من أبرز مظاهر التكافل الاجتماعي في المجتمع الفلسطيني.
ويعيش سكان القطاع أوضاعاً معيشية قاسية دفعت كثيراً من العائلات إلى التخلي عن أبسط مظاهر العيد، بعدما أصبحت الأولوية لتأمين الغذاء والمياه والدواء، في ظل الانهيار الواسع للأوضاع الاقتصادية والإنسانية.
وأدى إغلاق المعابر ومنع إدخال المواشي والأعلاف إلى تراجع أعداد الأضاحي المتوفرة بشكل كبير، في حين ارتفعت أسعار القليل المتبقي منها إلى مستويات غير مسبوقة وصلت إلى أكثر من (5000 دولار) للخروف الواحد.
السكان يبحثون عن أساسيات الحياة
في الأسواق الشعبية التي كانت تضج بالحركة قبيل العيد، تراجعت حركة البيع والشراء بشكل لافت، وغابت مظاهر البهجة التي اعتاد الغزيون على إحيائها في مثل هذه الأيام، كما أغلقت محال كثيرة أبوابها بسبب انعدام القدرة الشرائية، في حين يكتفي المواطنون بالتجول في الأسواق دون القدرة على شراء احتياجاتهم الأساسية.
الفلسطيني محمد أبو القمصان كان يحرص في كل عام على زيارة مزارع المواشي قبيل عيد الأضحى لاختيار أضحيته، في طقس اجتماعي وديني كان يشكّل جزءاً أساسياً من تفاصيل العيد وفرحته، لكن هذا المشهد تغيّر جذرياً خلال السنوات الثلاث الأخيرة، إذ لم يعد التفكير منصباً على الأضحية أو مظاهر العيد، بل على تأمين الحد الأدنى من الغذاء والماء لأطفاله في ظل واقع معيشي بالغ القسوة.
يقول أبو القمصان، وهو نازح من شمال قطاع غزة، لموقع “صفر” إنّ الحديث عن الأضاحي بات “ترفاً بعيد المنال” بالنسبة لغالبية السكان، بعدما تحوّلت الحياة اليومية إلى معركة مستمرة من أجل البقاء، مضيفاً: “نقف ساعات طويلة للحصول على ربطة خبز أو كيس طحين، في حين يسأل أطفالنا عن العيد ولا نملك إجابة تمنحهم الأمل”.
ويضيف أنّ حياة الناس في القطاع اختُزلت منذ عامين ونصف العام من الحرب الإسرائيلية تحديداً في دائرة ضيقة من البحث اليومي عن المياه الغذاء، في ظل نقص حاد في المواد الغذائية الأساسية وارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق.
عيد بلا ملامح
أمّا الفلسطيني إبراهيم جبر، وهو أب لأربعة أطفال من مدينة غزة، يؤكد أنّ عيد الأضحى فقد ملامحه المعتادة منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية في السابع من أكتوبر 2023، إلا أنّ هذا العام يبدو “أكثر قسوة من كل ما سبقه”، في ظل تدهور غير مسبوق في الظروف الإنسانية.
ويضيف جبر في حديثه لـ “صفر” أنه في السابق كنا ننتظر العيد لنفرح الأطفال ونوزع اللحوم على الأقارب والفقراء، أما اليوم فأصبحنا عاجزين حتى عن شراء كيلو واحد من الخبز، وسط معاناة من مجاعة حقيقية، مشيراً إلى أنّ التحولات القاسية في الواقع المعيشي لم تترك مجالاً لأي مظاهر احتفالية أو طقوس اجتماعية كانت ترتبط بالعيد.
ويتابع بحسرة واضحة: “الأطفال يسألون عن الأضحية وملابس العيد، لكن الأولويات تغيرت بالكامل، فالناس تبحث الآن عن الطعام والماء والأمان”، في إشارة إلى انهيار منظومة الحياة اليومية وتحولها إلى صراع مستمر من أجل البقاء.
التجار يواجهون خسائر فادحة
في ظل استمرار إغلاق المعابر وتصاعد الأزمة الإنسانية في قطاع غزة، يواجه قطاع الثروة الحيوانية انهياراً واسعاً انعكس بشكل مباشر على توفر الأضاحي وأسعارها، في وقت تحوّل فيه العيد من مناسبة للفرح والتكافل إلى موسم يثقل كاهل السكان بالقلق والحرمان.
ويؤكد تجار ومربو مواشٍ أنّ القطاع يشهد نقصاً حاداً في أعداد الأضاحي نتيجة منع إدخال المواشي عبر المعابر منذ نحو عامين ونصف العام، إلى جانب نفوق أعداد كبيرة من الأغنام والأبقار بسبب شح الأعلاف والأدوية البيطرية، وتضرر مساحات زراعية ومزارع خلال الحرب الإسرائيلية، ما أدى إلى تراجع غير مسبوق في الإنتاج المحلي.
مربي المواشي والتاجر وليد البلعاوي يؤكد لـ”صفر” أن أسعار الأضاحي في قطاع غزة شهدت ارتفاعاً حاداً وغير مسبوق، تجاوز قدرة غالبية المواطنين، في ظل انهيار واسع في القدرة الشرائية وتراجع حاد في مصادر الدخل نتيجة الحرب المستمرة وتداعياتها الاقتصادية.
ويشير البلعاوي إلى أنّ ما يتوفر من أضاحٍ في الأسواق يُباع بأسعار مرتفعة جداً، نتيجة شح المعروض من جهة، وارتفاع تكاليف التربية والرعاية من جهة أخرى، خاصة في ظل نقص الأعلاف والأدوية البيطرية وصعوبة إدخالها عبر المعابر.
ويضيف أنّ هذا الواقع حوّل الأضاحي من شعيرة دينية موسمية ترتبط بالفرح والتكافل الاجتماعي إلى سلعة نادرة لا يقدر عليها إلا قلة محدودة من السكان، في ظل اتساع رقعة الفقر وتدهور الأوضاع المعيشية.
وبحسب البلعاوي، فإن قطاع غزة يمرّ بأزمة حقيقية في الثروة الحيوانية، إذ أدت الحرب إلى نفوق أعداد كبيرة من الأغنام والأبقار والعجول، إلى جانب تراجع القدرة على التربية والإنتاج، ما انعكس بشكل مباشر على حجم المعروض في الأسواق، وحوّل الأضاحي إلى سلع شحيحة وباهظة الثمن مقارنة بالأعوام السابقة.
ويؤكد مربي المواشي أنّه كان في السنوات الماضية يبيع أكثر من 2000 رأس من الأغنام والأبقار والعجول سنوياً خلال مواسم العيد، إلا أنّ الواقع اليوم تغيّر بشكل جذري، حيث تراجعت الحركة التجارية بشكل كبير، وانكمشت القدرة على البيع والشراء إلى مستويات غير مسبوقة، ما يعكس حجم الانهيار الذي أصاب هذا القطاع الحيوي.
ويلفت البلعاوي إلى أنّ همّ التجار والمربين اليوم لم يعد مرتبطاً بالمواسم أو حركة السوق، بل أصبح منصباً على تأمين الاحتياجات الأساسية اليومية من طعام ومياه داخل ظروف معيشية قاسية، في ظل فقدان الاستقرار الاقتصادي وتدهور الأوضاع الإنسانية بشكل عام.
ويوضح أنّ مزرعته نفسها تعرّضت للقصف من الطائرات الإسرائيلية، ما أدى إلى تدميرها بشكل شبه كامل، وخسارته جزءاً كبيراً من الثروة الحيوانية التي كان يعتمد عليها في عمله وتجارته، وهو ما شكّل ضربة قاسية لمصدر رزقه الأساسي، وأحد ركائز السوق المحلية في مواسم الأعياد.
ويشير إلى أنّ هذا الاستهداف، إلى جانب الأضرار الواسعة التي طالت المزارع الأخرى، ضاعف حجم الأزمة في قطاع الثروة الحيوانية، حيث لم يعد الحديث يقتصر على ارتفاع الأسعار أو قلة المعروض، بل امتد إلى فقدان البنية الإنتاجية نفسها التي كانت تشكّل العمود الفقري لهذا القطاع.
انهيار الثروة الحيوانية
أكثر من مليوني فلسطيني في قطاع غزة سيستقبلون عيد الأضحى للعام الثالث على التوالي دون أضاحٍ، في ظل تدمير واسع طال قطاع الثروة الحيوانية نتيجة الحرب المستمرة والحصار الإسرائيلي وإغلاق المعابر.
يقول المتحدث باسم وزارة الزراعة في غزة، رأفت عسلية، إنّ أعداد المواشي تراجعت بشكل حاد، إذ انخفضت الأغنام والماعز من نحو 60 ألف رأس إلى قرابة 3 آلاف فقط، في حين اختفت تقريباً العجول والأبقار المخصصة للذبح، بعد توقف الاستيراد بالكامل.
ويوضح عسلية في حديثه مع “صفر” أنّ القطاع كان يستورد سنوياً عشرات آلاف الرؤوس من الأغنام والعجول، في حين “تراجع الاستيراد إلى صفر” بسبب منع إدخال المواشي والأعلاف، ما أدى إلى انهيار شبه كامل في الثروة الحيوانية.
ويبين المتحدث أنّ شح الأعلاف وارتفاع أسعارها تسبب في خسائر كبيرة لمربي المواشي، ورفع أسعار الأضاحي إلى مستويات تتراوح بين 11 و15 ألف شيكل أي نحو (5000 دولار)، وهو ما يفوق قدرة معظم المواطنين.
وأشار عسلية إلى أنّ هذا الواقع لا يعني فقط غياب شعيرة الأضحية، بل يعكس أيضاً تدهوراً خطيراً في الأمن الغذائي، حيث يعتمد السكان بشكل متزايد على المساعدات واللحوم المجمدة في ظل انهيار الإنتاج المحلي.
تحذير من كارثة إنسانية
ترى مؤسسات حقوقية أنّ حرمان السكان من الغذاء الكافي ومن ممارسة شعائرهم الدينية بحرية يمثل انتهاكاً واضحاً للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان الذي يضمن الحق في الغذاء والحق في العبادة والعيش بكرامة، ويُلزم قوة الاحتلال بعدم استخدام الحصار والتجويع أداتي حرب.
وأكد المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان أنّ الثروة الحيوانية في قطاع غزة تعرّضت لانهيار شبه كامل نتيجة القصف المباشر والتجويع المنهجي، إضافة إلى منع إدخال الأعلاف والمواشي، ما أدى إلى نفوق أعداد واسعة من المواشي وتراجع حاد في الإنتاج الحيواني.
وأوضح أنّ القيود المشددة على المعابر أدت إلى نقص كبير في الأضاحي وارتفاع غير مسبوق في أسعار اللحوم، في ظل انهيار القدرة الشرائية واتساع رقعة الفقر والبطالة، ما جعل غالبية السكان غير قادرين على شراء الأضاحي.
أما على صعيد الثروة الحيوانية من الأغنام والماعز والأبقار، فتُظهر التقديرات أنّ قطاع غزة كان يضم قبل الحرب نحو 15,000 بقرة، وقرابة 60,000 رأس من الأغنام، إضافة إلى نحو 10,000 رأس من الماعز.
ويشير الأورومتوسطي إلى أنّ هذه الأعداد تعرضت لنفوق وتدمير واسع بفعل القصف ونقص الغذاء والرعاية البيطرية، ما أدى إلى انهيار شبه كامل في قطاع الثروة الحيوانية، وانعكس ذلك بشكل مباشر على توفر الأضاحي وارتفاع أسعارها بشكل حاد، في ظل انعدام الأمن الغذائي.
ويحذر المركز من أنّ استمرار إغلاق المعابر ومنع الإمدادات يفاقم الكارثة الإنسانية ويرفع مستويات انعدام الأمن الغذائي، خاصة مع اعتماد السكان بشكل شبه كامل على المساعدات المحدودة التي لا تغطي الاحتياجات الأساسية.
ويشدد الأورومتوسطي على أنّ حرمان السكان من الغذاء والمياه يمثل انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان، وفي مقدمتها الحق في الغذاء والعيش الكريم، محذراً من أنّ استمرار هذه السياسات يهدد بتدهور أكبر في الأوضاع الإنسانية، ويجعل الحياة الطبيعية في القطاع شبه مستحيلة.
ومع استمرار الأزمة، تتصاعد الدعوات الحقوقية والإنسانية للمجتمع الدولي للتدخل العاجل لفتح المعابر وضمان إدخال الغذاء والمساعدات والمواشي دون قيود، ووقف سياسات الحصار والتجويع التي تهدد حياة المدنيين في قطاع غزة.
وفي ظل هذه الأوضاع، لم تعد أولويات السكان مرتبطة بالعيد، بل بتأمين الخبز والاحتياجات الأساسية، في مشهد يعكس عمق المأساة الإنسانية التي يعيشها أكثر من مليوني فلسطيني، حيث يغيب الفرح وتتصاعد معاناة البقاء.






