منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

خلال الدورة الـ62 لمجلس حقوق الإنسان

تنتهك الحقوق وتدمر المناخ.. المنظومات الغذائية الصناعية “سلاح” ضد البشر

17 يونيو 2026
مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة
مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة

بينما يصارع كوكب الأرض سلسلة من الأزمات الوجودية المتلاحقة، تبرز المنظومات الغذائية الصناعية الكبرى بوجهها المظلم؛ حيث تحول إنتاج الغذاء من وسيلة لضمان بقاء البشرية إلى أداة لانتهاك حقوق الإنسان وتقويض النظام المناخي.

هذا التحالف الوثيق بين عمالقة صناعة الأغذية وقطاع الوقود الأحفوري بات يشكل تهديداً مباشراً للحقوق الأساسية في الغذاء والصحة والبيئة السليمة، وتتضاعف وطأته بشكل خاص على الفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتهم الأطفال والنساء والشعوب الأصلية.

وفي هذا السياق، صدر تقرير رسمي عن مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة خلال دورته الثانية والستين المنعقدة في الفترة من 15 يونيو إلى 10 يوليو 2026، تحت عنوان “تحويل المنظومات الغذائية من أجل مناخ آمن وصحة للجميع”.

وتولت إعداد هذه الوثيقة المقررة الخاصة المعنية بحقوق الإنسان في سياق تغير المناخ، إليسا مورجيرا، حيث استعرضت بدقة بالغة التزامات الدول ومسؤوليات الشركات اللازمة لإصلاح هذه المنظومات الجوهرية.

تغول الشركات واحتكار الأراضي

تسلط الوثيقة الأممية الضوء على واقع مرير يتسم بتركز نفوذ الشركات وتراكم ملكية الأراضي في قطاع المنظومات الغذائية، وهي الظاهرة التي تؤدي بشكل مباشر إلى تفاقم الآثار المناخية الكارثية، وإضعاف السيادة الوطنية للدول، وتقييد الرقابة الديمقراطية للشعوب.

وتكشف البيانات الواردة في التقرير أن أكبر 1 في المئة فقط من شركات الأغذية تسيطر حالياً على أكثر من 70 في المئة من إجمالي الأراضي الزراعية في العالم.

هذا الاحتكار الواسع يتبعه تشويه اقتصادي وبيئي تقوده الحكومات نفسها؛ إذ تنفق الحكومات سنوياً أكثر من 670 بليون دولار على شكل إعانات مباشرة للإنتاج الزراعي وصيد الأسماك على نطاق واسع.

ويعني هذا الواقع الصادم أن دافع الضرائب العالمي يتحمل من جيبه الخاص تكاليف تمويل صناعة شديدة التلوث، كما يتحمل لاحقاً عبء التكاليف الهائلة المترتبة عن هذا التلوث، وانبعاثات غازات الدفيئة، وفقدان التنوع البيولوجي، وهي تكاليف باهظة ومستمرة تصل إلى عدة تريليونات من الدولارات سنوياً.

ونتيجة لهذا التغول الرأسمالي، تقوم الشركات الكبرى التي تنشط في مجال الأغذية، والتي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بقطاع الوقود الأحفوري، بتكديس كميات غير مسبوقة من الموارد المالية، والقوة السوقية، والموارد الطبيعية، وكل ذلك يحدث على حساب سبل عيش الشعوب الأصلية والفلاحين وحقوقهم الأساسية.

ويشكل هذا التمدد الصناعي الاحتكاري تهديدات وجودية متزايدة للمنظومات الغذائية التقليدية للشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية، في وقت اعترفت فيه التقييمات العلمية العالمية بأن معارف هذه الشعوب الإنسانية وحماية حقوقهم هما أمران جوهريان وضروريان لإحداث التغيير الجذري الذي يحتاج إليه العالم بأسره اليوم للتغلب على الأزمات الكوكبية الحادة التي يواجهها.

وتؤكد المؤشرات أن هذه الديناميات لا تتوقف عند تدمير البيئة، بل تمتد لتشمل ممارسات مضللة تعوق التغيير؛ حيث تحتج الشركات بمصالح مشروعة للترويج للنظم الصناعية القائمة على الوقود الأحفوري وإدامتها، مستخدمة في ذلك أساليب التضليل الإعلامي وعرقلة جهود مكافحة تغير المناخ بشكل منهجي، ما يؤدي إلى تفاقم الأضرار الجسيمة التي تلحق بحقوق الإنسان ويعوق أي انتقال حقيقي ونحو مناخ أكثر أماناً واستدامة للبشرية.

أكبر ملوث مناخي

تستكشف المقررة الخاصة بالأمم المتحدة، استناداً إلى 90 ورقة مقدمة ومشاورات واسعة مع الخبراء والأطفال وبحوث مستقلة، الأسباب العميقة التي تجعل المنظومات الغذائية مسؤولة حالياً عن ثلث انبعاثات غازات الدفيئة على الصعيد العالمي، حيث تمثل ما بين 21 و 37 في المئة من هذه الانبعاثات الكونية.

وتحذر الوثيقة من أنه إذا بقيت المنظومات الغذائية الحالية دون تغيير، فمن المتوقع أن ترتفع هذه الانبعاثات بنسبة تتراوح بين 60 و 90 في المئة في الفترة ما بين عامي 2010 و 2050، مما يعني انهيار الجهود المناخية.

وتتسبب المنظومات الغذائية الصناعية فيما يقرب من 80 في المئة من انبعاثات أكسيد النيتروز العالمية، وهو غاز كارثي قد يؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة الكوكب بمقدار 273 ضعفاً مقارنة بثاني أكسيد الكربون خلال قرن واحد.

كما تنتج نحو 50 في المئة من انبعاثات الميثان البشرية المنشأ، والتي تزيد قدرتها على إحداث الاحترار بمقدار 80 ضعفاً مقارنة بثاني أكسيد الكربون خلال عقد واحد من الزمن.

ولا يقتصر الأمر على الزراعة البرية؛ إذ تضاعفت الانبعاثات الصادرة عن قطاع الصيد الصناعي أربع مرات خلال العقود الماضية، مستأثرة بنسبة تتراوح بين 70 و 80 في المئة من إجمالي الانبعاثات الصادرة عن هذا القطاع بأكمله.

وتتحمل المبيدات والأسمدة الكيميائية، إلى جانب عناصر أخرى في مرحلتي ما قبل الإنتاج وما بعده، المسؤولية عما يقدر بنحو 5 إلى 10 في المئة من انبعاثات غازات الدفيئة العالمية.

يضاف إلى ذلك أن فاقد الأغذية والهدر الغذائي يمثل وحده ما بين 8 و 10 في المئة من الانبعاثات العالمية، أي ما يقارب خمسة أضعاف الانبعاثات الناتجة عن قطاع الطيران بأكمله.

ولتوضيح حجم الكارثة التي تسببها الشركات، يكفي الإشارة إلى أن 15 شركة فقط من شركات الألبان واللحوم الكبرى تنتج انبعاثات غازات دفيئة تعادل تقريباً إجمالي الانبعاثات الوطنية لدولة صناعية كبرى مثل ألمانيا، ويلحق هذا الحجم الهائل من الأضرار بالنظام المناخي خسائر غير قابلة للاسترداد، لا سيما من حيث فقدان بالوعات الكربون الطبيعية مثل الغابات والمحيطات والتربة.

تحالف المصالح القاتل

تكشف الوثيقة عن ترابط بنيوي عميق بين صناعات الأغذية، والمواد البتروكيماوية، والوقود الأحفوري؛ إذ تطورت هذه القطاعات الثلاثة على نطاق واسع جنباً إلى جنب لتصبح مترابطة بشكل وثيق وعضوي.

وتمثل المنظومات الغذائية الحالية 15 في المئة من إجمالي استهلاك الوقود الأحفوري المستخدم على نطاق العالم لإنتاج الطاقة، وتتزايد هذه النسبة باستمرار بسبب الزراعة الممكننة الكثيفة الطاقة، والتبريد عبر المسافات الطويلة، وتجهيز الأغذية الصناعي، ولا سيما الأغذية فائقة المعالجة.

ويعد الوقود الأحفوري المادة الأولية الأساسية لإنتاج المواد البتروكيماوية كالمبيدات والأسمدة والبلاستيك، حيث تستهلك المنظومات الغذائية وحدهـا 40 في المئة من الاستهلاك العالمي للمواد الأولية المستمدة من الوقود الأحفوري.

وشكلت المواد البلاستيكية الأحادية الاستخدام الأساس للتوسع السريع والعدواني للأغذية فائقة المعالجة على الصعيد العالمي، مما أتاح لصناعة الوقود الأحفوري مواصلة التوسع خارج نطاق قطاع الطاقة التقليدي.

ونتيجة لذلك، أصبحت شركات الأغذية الزراعية الكبرى تمتلك مصالح مشروعة ومباشرة في الترويج للوقود الأحفوري والمواد البتروكيماوية وإدامة استخدامهما لحماية أرباحها.

ويُعد هذا الارتهان للمواد البتروكيماوية أحد العوائق الرئيسية التي تحول دون التحول العادل عن الوقود الأحفوري، وتبرز خطورته في الآثار الاجتماعية والاقتصادية والبيئية الشديدة التفاوت التي يسببها هذا النموذج الصناعي، حيث يسبب أضراراً صحية بالغة تختلف باختلاف الجنس وتؤثر على النساء والرجال بشكل متفاوت.

وقد أدى انتشار المواد الاصطناعية ورخص ثمنها نسبياً إلى ترسخها في العلاقات الاجتماعية اليومية حتى أصبحت أمراً مفروغاً منه ومرتبطاً زوراً بمفاهيم الحداثة والأمن الغذائي، بينما تؤكد الوقائع أنها تساهم بشكل مباشر في زيادة مقاومة مضادات الميكروبات، مما يمثل تهديداً صحياً عالمياً واسع الانتشار يقوض حق كل فرد في الصحة وفي بيئة صحية سليمة.

السموم تحاصر البشرية

يتناول التقرير التأثيرات السامة للمدخلات الكيميائية؛ حيث يوضح أن ما بين 85 و 90 في المئة من مبيدات الآفات على نطاق العالم تُستخدم في القطاع الزراعي، وتتجاوز تركيزاتها مستويات الأمان في المنظومات البرية والمائية.

وتنتج العديد من أكبر شركات النفط في العالم هذه المبيدات التي تضر بالكائنات الدقيقة في التربة والمسؤولة عن دورات الكربون والنتروجين.

ويتعرض 44 في المئة من المزارعين عالمياً للتسمم بالمبيدات كل عام، ويزيد التعرض المزمن لها من مخاطر الإصابة بمرض باركنسون، والسكري، والسرطان، وأمراض القلب، والعقم.

أما الأسمدة الكيميائية، فتتسبب في انبعاثات غازات دفيئة وتلوث سام يقلل إنتاجية المزارع ويحد من قدرتها على التكيف. وتتكون الأسمدة النتروجينية من غاز النشادر، الذي ينتج عن صناعته ضعف ما ينتج عن صناعة الصلب وأربعة أضعاف صناعة الأسمنت من الانبعاثات، ويمثل الوقود الأحفوري 70 إلى 90 في المئة من تكاليف إنتاجها.

ويتسبب التلوث بالنتروجين الناتج عن الأسمدة في 650,000 حالة وفاة سنوياً ونحو 4 ملايين حالة إصابة جديدة بالربو لدى Children. كما تجاوز تلوث المياه الجوفية بالنتروجين الحد الأقصى المسموح به في 38 في المئة من الأراضي الزراعية عالمياً، مسبباً أمراضاً كسرطان القولون والتشوهات الخلقية.

وبالانتقال إلى المواد البلاستيكية، فإن عبوات الأغذية فائقة المعالجة والأحادية الاستخدام تمثل أكثر من ثلث الطلب العالمي على البلاستيك.

ويستخدم أكثر من 16,000 مادة كيميائية في صناعة البلاستيك، منها 4,200 مادة مصنفة على أنها ثابتة وسامة وقابلة للتراكم الأحيائي، ولا يخضع سوى 6 في المئة منها للتنظيم العالمي.

وتشتمل هذه المواد على مسرطنات ومواد مسببة لخلل الغدد الصماء كشفت التحاليل وجودها في دم الإنسان، وبوله، والسائل السلوي للحوامل، ما يؤدي لاضطرابات تناسلية ونمائية حادة.

المزارع الصغيرة والإيكولوجيا طريق النجاة

في مقابل الدمار الذي تحدثه المنظومات الصناعية الكبرى، يقدم التقرير الأممي البديل الحقوقي والبيئي المنقذ للبشرية، متمثلاً في المزارع الصغيرة وممارسات الشعوب الأصلية. ففي ظل الظروف الصعبة والاضطهاد الاقتصادي، تثبت الأرقام أن المزارع الصغيرة، التي لا تغطي سوى 12 في المئة فقط من إجمالي الأراضي الزراعية في العالم، نجحت في إنتاج 36 في المئة من الغذاء العالمي بأكمله.

وعلى النحو ذاته، تسهم مصايد الأسماك الصغيرة النطاق بنسبة تتراوح بين 40 و50 في المئة من إجمالي المصيد السمكي على الصعيد العالمي، وتوفر فرص عمل كريمة لـ 53 مليون شخص، تشكل النساء 45 في المئة منهم، في حين لا تتسبب هذه المصايد الصغيرة سوى بنسبة ضئيلة لا تتعدى 10 في المئة من انبعاثات غازات الدفيئة في قطاع مصايد الأسماك بأكمله.

ورغم هذه المساهمة الإيجابية الهائلة في حماية الكوكب وإطعام البشر، تواجه الشعوب الأصلية والفلاحون وصغار الصيادين ورعاة الماشية انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان تهدد وجودهم وبقاءهم الثقافي جراء أنشطة شركات الأغذية الكبرى وضغوطها المستمرة على أراضيهم.

ولذلك، تضع المقررة الخاصة التزامات قانونية صارمة على الدول استناداً إلى الفتاوى القانونية الصادرة عن محكمة العدل الدولية ومحكمة البلدان الأمريكية لحقوق الإنسان، مؤكدة أن إحداث التحول الجذري يفرض إعطاء الأولوية القصوى للإيكولوجيا الزراعية التي يمارسها السكان الأصليون والفلاحون، ومصايد الأسماك الصغيرة القائمة على النظم الإيكولوجية، ونظم الرعي التقليدية.

هذا التحول من شأنه تعزيز استدامة المنظومات الغذائية وقدرتها على التكيف، ويحمي بشكل متكامل الحق في الغذاء، والماء، والصحة، والتنمية، والبيئة الصحية، مع ضمان المساواة بين الأجيال ومصلحة الطفل الفضلى، مما يمنع وقوع انتهاكات حقوق الإنسان على الصعيدين المحلي والعالمي.