كتب العديد من القراء معربين عن خيبة أملهم من قرار وزير الدفاع بيت هيغسيث بإنهاء التطعيم الإلزامي ضد الإنفلونزا لجميع أفراد الخدمة العسكرية، أخصص هذا العدد للإجابة على أسئلة حول تداعيات هذا التغيير في السياسة على الصحة العامة، ولشرح فوائد لقاحات الإنفلونزا بشكل عام.
كتب جون من ولاية فرجينيا، وهو رقيب متقاعد في الجيش، أنه لا يستطيع فهم قرار هيغسيث: “قبل التحاقي بالخدمة، تلقيت جميع اللقاحات اللازمة، لم يكن هناك أي اعتراض، شمرت عن ساعدي لأنني طلب مني ذلك ولأنني لم أكن أرغب في الإصابة بالمرض… لا أفهم لماذا لا يتم الحفاظ على صحة أفراد الخدمة قدر الإمكان؟”
وكتب آدم، وهو مؤرخ من نيويورك: “ربما يحتاج هيغسيث إلى درس في التاريخ”، فخلال جائحة الإنفلونزا عام ١٩١٨، توفي أكثر من ٢٠ ألف جندي، ودخل مئات الآلاف المستشفيات، وكان للجيش دورٌ محوريٌ في تطوير أول لقاح للإنفلونزا خلال الحرب العالمية الثانية، لإدراكه أهمية اللقاحات في حماية الجنود، وأصبح التطعيم ضد الإنفلونزا إلزامياً لجميع أفراد الخدمة العسكرية في أربعينيات القرن العشرين”.
لم أجد أي خبير في الصحة العامة أو متخصص في الأمراض المعدية يؤيد هذا القرار، لا أحد يستطيع شرح الأساس العلمي، إذ لم يقدَم أي أساس علمي.. بل على العكس، يخشى الخبراء أن يؤدي هذا القرار إلى زيادة الإصابات، والإضرار بالصحة العامة وجاهزية قواتنا.
يصف ويليام شافنر، أستاذ الطب الوقائي والأمراض المعدية في المركز الطبي بجامعة فاندربيلت، هذا التغيير في السياسة بأنه “مؤسف”؛ لأن لقاح الإنفلونزا يقلل من عدد الإصابات، والأهم من ذلك، أنه يوفر الحماية من العواقب الوخيمة للإنفلونزا.
قال إن إلغاء شرط التطعيم ضد الإنفلونزا سيؤدي إلى “تقليل جاهزية أفراد الخدمة الفعلية؛ نظراً لزيادة حالات الإصابة بالإنفلونزا وما يترتب عليها من دخول المستشفيات”.
لكن هل سيؤدي ذلك حقاً إلى زيادة المرض؟ كتب آدم من ولاية كارولاينا الشمالية أنه على الرغم من حرصه الدائم على تلقي لقاح الإنفلونزا بحكم عمله في مجال الرعاية الصحية، فإنه لا يرى ضرورة ملحة له بالنسبة للمجندين الشباب الأصحاء؛ “هل يمكنك توضيح فائدة لقاح الإنفلونزا للأشخاص الأصحاء؟”
صحيح أن الأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة وكبار السن أكثر عرضة للإصابة بأمراض خطيرة، وتشير تقديرات مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها إلى أن الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 65 عاماً فأكثر شكلوا في السنوات الأخيرة ما بين 50 و70% من حالات دخول المستشفيات المرتبطة بالإنفلونزا، وما بين 70 و85% من الوفيات.
كما أن الأطفال والنساء الحوامل معرضون بشدة للخطر، ويقدر أن حوالي 20 ألف طفل دون سن الخامسة يدخلون المستشفيات سنوياً بسبب مضاعفات الإنفلونزا.. يتعافى معظمهم، ولكن للأسف، يصاب بعضهم بأمراض خطيرة ويتوفون.
يسجل نحو نصف وفيات الأطفال بسبب الإنفلونزا بين الأطفال الذين لا يعانون من أي أمراض مزمنة معروفة، كما قد تصاب النساء الحوامل بمضاعفات خطيرة، تشمل ارتفاع درجة الحرارة والإجهاض والولادة المبكرة.
ويواجه الشباب الأصحاء والنساء غير الحوامل عموماً خطراً أقل للإصابة بمضاعفات خطيرة، ولكن كما يوضح شافنر، فإن الإنفلونزا مرض تنفسي شديد العدوى.
ويقول: “بمجرد دخول هذا الفيروس إلى مجموعة شبه مغلقة من الأشخاص الذين يتواصلون بشكل مكثف ويمارسون أنشطة بدنية شاقة، فإنه ينتشر بسرعة كبيرة”، حتى أولئك الذين لا تستدعي حالتهم دخول المستشفى قد يضطرون للعزل لعدة أيام، وأضاف أن اللقاح يكون أكثر فعالية لدى الشباب ذوي المناعة القوية، وهذا سبب آخر لأهميته في تعزيز جاهزية القوات.
وكتب بعض القراء أنهم، رغم استمرارهم في تلقي لقاح الإنفلونزا سنوياً، غير متأكدين من جدواه، وكتبت جين من كاليفورنيا: “يبدو أنني أصاب بالإنفلونزا دائماً بعد التطعيم، أعلم أنني لن أصاب بالإنفلونزا من اللقاح، لكنني أتساءل إن كان فعالاً حقاً”.
كما هو الحال مع لقاح كوفيد-19، فإن أهم فائدة للقاح الإنفلونزا هي تقليل خطر الإصابة بأمراض خطيرة، ودخول المستشفى، والوفاة، كما أنه يقلل من احتمالية الإصابة، مع العلم أن هذه الحماية متفاوتة وتعتمد على مدى تطابق اللقاح مع السلالات المنتشرة، بالإضافة إلى عوامل أخرى.
تشير البيانات الأولية من موسم الإنفلونزا 2025-2026 إلى أن اللقاح وفر حماية متوسطة على الرغم من اختلاف السلالة السائدة اختلافاً كبيراً عن السلالة المستهدفة.
وقد وجدت تحليلات من فرنسا والصين أن فعالية اللقاح ضد العدوى تراوحت بين 36 و41%، وكانت أعلى النتائج لدى الأطفال وأقلها لدى كبار السن.
أظهرت البيانات الأولية من الولايات المتحدة أنماطاً مماثلة، حيث بلغت فعالية اللقاح حوالي 41% في منع دخول الأطفال إلى المستشفى، وحوالي 30% لدى البالغين.
وقال شافنر: “ندرك أن لقاح الإنفلونزا ليس مثالياً، ولكن مع عشرات الملايين من حالات الإصابة بالإنفلونزا سنوياً، فإن انخفاضاً طفيفاً في المخاطر يمكن أن يكون له أثر كبير، ولهذا السبب توصي المنظمات الطبية الكبرى بالإجماع، ما لم يكن هناك مانع طبي محدد، بتلقي جميع الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 6 أشهر فأكثر لقاح الإنفلونزا سنوياً.
آمل أن يستمر أفراد الجيش في تلقي اللقاح دون إلزام، ولكن قد لا يكون هذا هو الحال، فقد انخفضت معدلات التطعيم ضد الإنفلونزا بالفعل بشكل كبير عن مستويات ما قبل الجائحة، كما أن الإقبال على اللقاحات الروتينية الأخرى آخذ في التراجع أيضاً.
إن آخر ما نحتاجه هو سياسة تقلل معدلات التطعيم أكثر. فهذا استسلام لمشاعر مناهضة التطعيم، وهو ما يتعارض مع الصحة العامة، وسيؤدي إلى المزيد من الأمراض التي يمكن الوقاية منها.
نقلاً عن واشنطن بوست
