في مياه شرق المتوسط، حيث تتقاطع طرق الهجرة غير النظامية مع سياسات الهجرة الأوروبية، تتحول قبرص إلى نقطة مركزية في مشهد معقد من العودة والإعادة واللجوء. خلال عام 2025، سجلت الجزيرة أعلى معدل إعادة مهاجرين في تاريخها الحديث، في وقت تتصدر فيه الجنسيات السورية قائمة العائدين، وبينما تؤكد السلطات أن ما يجري هو “تنظيم للهجرة”، تحذّر منظمات حقوق الإنسان من أن بعض الإجراءات قد تقترب من حدود الإعادة القسرية، في انتهاك محتمل لمبدأ الحماية الدولية للاجئين.
تشير بيانات وزارة الهجرة والحماية الدولية في قبرص إلى أن عام 2025 شهد إعادة 12,029 مهاجرا، وهو أعلى رقم تسجله البلاد على الإطلاق، ومن بين هؤلاء، جرى تنفيذ 11,610 عملية إعادة لمواطنين من دول ثالثة، فيما تم احتساب الإجمالي مع عمليات إعادة التوطين ضمن الرقم النهائي، وتوضح الحكومة أن 70 % من هذه الحالات تمت عبر برامج العودة الطوعية المدعومة، بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي، ما يعكس تحولا واضحا في السياسة القبرصية نحو تشجيع العودة بدل الترحيل المباشر.
وفي الأشهر الأولى من عام 2026، تجاوز عدد العائدين 2,000 شخص، ما يشير إلى استمرار النهج ذاته، وتؤكد وزارة الهجرة أن هذا الاتجاه جاء نتيجة تشديد الرقابة على الحدود وتسريع البت في طلبات اللجوء، إلى جانب تعزيز التعاون مع دول المنشأ.
السوريون في صدارة قائمة العائدين
تشير البيانات الرسمية إلى أن السوريين يمثلون أكبر فئة من العائدين من قبرص خلال عامي 2025 و2026، يليهم مهاجرون من الهند ونيجيريا وباكستان ونيبال وبنغلاديش. وتوضح المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن قبرص تُعد من الدول الأوروبية الأعلى من حيث نسبة طالبي اللجوء مقارنة بعدد السكان، ما يضع ضغطًا كبيرا على نظامها الإداري واللوجستي.
ويأتي معظم السوريين عبر قوارب من السواحل اللبنانية أو السورية، في رحلات محفوفة بالمخاطر عبر شرق البحر المتوسط، وتشير تقارير المنظمة الدولية للهجرة إلى أن هذه المسارات تُعد من أخطر طرق الهجرة عالميا، بسبب ارتفاع معدلات الحوادث البحرية والوفيات.
العودة الطوعية بين الحافز والجدل
أطلقت الحكومة القبرصية برامج واسعة للعودة الطوعية، بالتنسيق مع مؤسسات أوروبية ودولية، تتضمن حوافز مالية ومساعدات لإعادة الاندماج، وتؤكد السلطات أن هذه البرامج إنسانية وتهدف إلى تقليل الضغط على نظام اللجوء.
في المقابل، ترى منظمات حقوقية أن مفهوم الطوعية قد يكون نسبيا في ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة للاجئين داخل قبرص، وتشير تقارير منظمة العفو الدولية إلى أن بعض العائدين يقررون العودة نتيجة ضغوط معيشية أو خوف من رفض طلبات اللجوء، وليس اختيارا حرا بالكامل.
كما أعلنت الحكومة عن خطة جديدة تخص السوريين، تسمح في بعض الحالات ببقاء فرد من الأسرة في قبرص للعمل، بينما يُطلب من باقي الأسرة العودة إلى سوريا بعد سحب أو رفض طلب اللجوء، وهو ما أثار نقاشا واسعا حول وحدة الأسرة ومعايير الحماية.
تراجع طلبات اللجوء وتشديد الإجراءات
تشير بيانات وزارة الهجرة القبرصية إلى أن عدد طلبات اللجوء المعلقة انخفض إلى أقل من 15,000 طلب في عام 2025، بعد أن كان يقارب 24,000 في عام 2024، كما انخفضت طلبات اللجوء الجديدة بنسبة كبيرة مقارنة بعام 2022، في ظل تشديد الرقابة على الحدود البحرية والخط الأخضر الذي يفصل شطري الجزيرة.
وتعتمد السلطات على أنظمة مراقبة متقدمة تشمل الطائرات المسيرة والكاميرات، إلى جانب تعاون أمني مع وكالة حرس الحدود الأوروبية “فرونتكس”، بهدف الحد من الدخول غير النظامي عبر البحر.
وتشير الحكومة إلى أن هذه الإجراءات أدت إلى انخفاض بنسبة 86 في المئة في محاولات الوصول غير النظامي، وانخفاض بنسبة 87 في المئة في طلبات اللجوء الجديدة خلال عامين.
سياسة ردع أم إدارة للهجرة
تقول الحكومة القبرصية إن الهدف هو إدارة الهجرة بشكل فعال، لكن منظمات حقوق الإنسان ترى أن هذه السياسة تميل نحو الردع أكثر من الحماية، وتؤكد المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن الوصول إلى إجراءات اللجوء يجب أن يكون مضمونا دون عوائق، وأن أي إجراءات تمنع الوصول قد تتعارض مع القانون الدولي.
كما تشير المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في أحكام سابقة إلى أن إعادة مهاجرين دون فحص طلباتهم تُعد انتهاكا صريحا لاتفاقية جنيف لعام 1951.
انتقادات حقوقية
واجهت قبرص انتقادات متكررة بشأن عمليات صد قوارب المهاجرين في البحر، حيث اتهمتها منظمات دولية بإعادة مهاجرين دون منحهم فرصة طلب اللجوء، وفي عام 2025، أعربت المفوضية السامية عن قلقها من تقارير تتعلق بإعادة قوارب تحمل عشرات السوريين، بينهم نساء وأطفال، في البحر المتوسط.
وتؤكد هيومن رايتس ووتش أن بعض هذه الممارسات قد ترقى إلى الإعادة القسرية، وهو ما يخالف مبدأ عدم الإعادة القسرية في القانون الدولي، كما تشير اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى أن حماية طالبي اللجوء يجب أن تكون أولوية في جميع عمليات إدارة الحدود.
السياق القانوني
ينص القانون الدولي للاجئين على حظر إعادة أي شخص إلى بلد قد يواجه فيه خطرا على حياته أو حريته، وتؤكد المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن تقييم الأوضاع في سوريا بعد عام 2024 لا يزال يثير جدلا واسعا، رغم التغيرات السياسية هناك.
كما تشدد الأمم المتحدة على أن العودة الطوعية يجب أن تكون مبنية على قرار فردي حر، دون أي ضغط مباشر أو غير مباشر، سواء كان اقتصاديا أو إداريا أو قانونيا.
تُعد قبرص نقطة عبور رئيسية في شرق المتوسط، حيث يصل المهاجرون عبر البحر من لبنان وسوريا، أو عبر المناطق العازلة داخل الجزيرة، وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن الموقع الجغرافي لقبرص يجعلها عرضة لضغط هجرة مستمر مقارنة بعدد سكانها.
السياسات الأوروبية للهجرة
وتشهد السياسات الأوروبية للهجرة في السنوات الأخيرة تحولا جذريا مع اعتماد نهج أكثر تشددا وتنظيما تحت مظلة ميثاق الهجرة واللجوء الأوروبي الذي بدأ تطبيقه تدريجيا ويُنتظر دخوله الكامل حيز التنفيذ في منتصف عام 2026، ويهدف هذا الإطار الجديد إلى تسريع معالجة طلبات اللجوء، وزيادة معدلات الإعادة، وتوحيد الإجراءات بين دول الاتحاد الأوروبي، إلى جانب تعزيز مبدأ التضامن الإلزامي بين الدول الأعضاء في التعامل مع ضغط الهجرة.
وترتبط قبرص بشكل مباشر بهذه السياسات باعتبارها من دول الخط الأمامي في شرق المتوسط، حيث تواجه ضغطا مرتفعا من تدفقات الهجرة مقارنة بعدد سكانها، ووفق آليات الميثاق الأوروبي الجديد، تُصنف دول مثل قبرص واليونان وإيطاليا وإسبانيا ضمن الدول التي تتعرض لـ”ضغط هجرة مرتفع”، ما يتيح لها الحصول على دعم أوروبي عبر إعادة توزيع طالبي اللجوء أو تقديم مساهمات مالية وبشرية لتخفيف العبء.
وفي إطار التوجه الأوروبي الجديد، تعمل المفوضية الأوروبية على تعزيز نظام موحد لعمليات الإعادة، يقوم على تسريع إجراءات ترحيل الأشخاص الذين يتم رفض طلبات لجوئهم، مع توسيع مفهوم العودة الطوعية كخيار أساسي ضمن السياسة العامة للهجرة، كما تشمل المقترحات الأوروبية إدخال أوامر عودة أوروبية موحدة تسمح بتنفيذ قرارات الإبعاد بشكل أكثر فعالية بين الدول الأعضاء، وهو ما يهدف إلى رفع معدلات الإعادة التي لا تتجاوز حاليًا نحو 20 في المئة في بعض دول الاتحاد.
كما تتجه السياسات الأوروبية نحو توسيع مفهوم “الدول الآمنة” و”الدول الثالثة الآمنة”، بما يسمح بإعادة تقييم طلبات اللجوء بشكل أسرع ورفض عدد أكبر من الطلبات على أساس أن الحماية يمكن أن تُطلب في دول أخرى خارج الاتحاد الأوروبي، وقد أثار هذا التوجه انتقادات من منظمات حقوق الإنسان التي ترى أنه قد يحد من فرص الوصول الفعلي إلى الحماية الدولية ويزيد من مخاطر الإعادة غير الآمنة.
دور قبرص في التحول الأوروبي
وفي السياق نفسه، تلعب قبرص دورا متقدما في تنفيذ هذا التحول الأوروبي، حيث تعمل بالتعاون مع مؤسسات أوروبية مثل وكالة حماية الحدود الأوروبية على تعزيز الرقابة البحرية وتطوير أنظمة مراقبة متقدمة للحد من الهجرة غير النظامية عبر شرق المتوسط، كما ترتبط سياساتها بشكل مباشر ببرامج الاتحاد الأوروبي الخاصة بإدارة الهجرة، بما في ذلك دعم عمليات العودة الطوعية وإعادة الإدماج في بلدان المنشأ بحسب وكالة حرس الحدود الأوروبية “فرونتكس”.
وتشير التوجهات السياسية الحالية داخل الاتحاد الأوروبي إلى تصاعد دعم سياسات أكثر صرامة تجاه الهجرة، بما في ذلك إنشاء مراكز خارجية لمعالجة طلبات اللجوء أو ما يُعرف بمراكز العودة، وهي فكرة تهدف إلى تسريع ترحيل الأشخاص الذين رُفضت طلباتهم خارج أراضي الاتحاد، وقد أثارت هذه المقترحات جدلًا واسعا داخل الأوساط الحقوقية الأوروبية بشأن التوازن بين الأمن وإدارة الهجرة من جهة، وحماية حقوق الإنسان من جهة أخرى وفق المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.
وبذلك، يمكن القول إن قبرص لا تعمل بمعزل عن هذه التحولات، بل تعد جزءا من منظومة أوروبية أوسع تتجه نحو إعادة تشكيل سياسة اللجوء والهجرة على أسس أكثر تشددا وتنظيما، مع التركيز على تقليل أعداد الوافدين، وتسريع عمليات الإعادة، وتوسيع مفهوم العودة الطوعية كأداة مركزية في إدارة ملف الهجرة داخل الاتحاد الأوروبي.
تحديات إنسانية متزايدة
رغم انخفاض أعداد الوافدين، لا تزال التحديات الإنسانية قائمة يعيش العديد من طالبي اللجوء في مراكز استقبال مكتظة، مع محدودية في الخدمات الأساسية، كما يواجه العائدون إلى بلدانهم تحديات إعادة الاندماج، خاصة في ظل استمرار الأزمات الاقتصادية والأمنية في دول المنشأ.
وتشير المنظمة الدولية للهجرة إلى أن إعادة الاندماج الناجحة تتطلب دعمًا طويل الأمد، وليس فقط حوافز مالية قصيرة الأجل.
بين سياسات تهدف إلى ضبط الحدود، وضغوط حقوقية تدعو إلى تعزيز الحماية، تقف قبرص في قلب معادلة معقدة بين الأمن الإقليمي والالتزامات الإنسانية، ومع استمرار ارتفاع أعداد العائدين، تبقى الأسئلة مفتوحة حول مدى طوعية هذه العودة، وحدود التوازن بين إدارة الهجرة وضمان حقوق الإنسان، في مشهد يتغير بسرعة على ضفاف شرق المتوسط، حيث لا تزال رحلة البحث عن الأمان غير مكتملة.

