في تركيا، لم يعد خوف كثير من اللاجئين السوريين مرتبطاً فقط بالحرب التي فرّوا منها، بل بالمستقبل غير المستقر الذي يعيشونه اليوم، فبعد أكثر من عقد على اللجوء، يجد ملايين السوريين أنفسهم أمام واقع معقد تتداخل فيه الهشاشة القانونية مع الضغوط الاقتصادية وتصاعد خطاب الكراهية والتمييز، بينما تتحول “الحماية المؤقتة” تدريجياً من إطار إنساني للحماية إلى وضع قانوني لا يضمن الاستقرار طويل الأمد أو الحماية الكاملة للحقوق الأساسية.
وبحسب بيانات مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين، كانت تستضيف تركيا حتى نهاية عام 2025 نحو 2.9 مليون لاجئ سوري، لتبقى الدولة الأكبر عالمياً من حيث عدد اللاجئين السوريين.
وتشير المفوضية إلى أن نظام “الحماية المؤقتة” الذي اعتمدته تركيا منذ عام 2011 أتاح للسوريين الوصول إلى التعليم والخدمات الصحية والإقامة القانونية، لكنه لا يمنحهم صفة لاجئ كاملة وفق القانون الدولي، ما يبقي أوضاعهم القانونية عرضة للتغيرات الإدارية والسياسية.
وفي السنوات الأخيرة، حذّرت هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية من تصاعد الانتهاكات المرتبطة بحقوق اللاجئين السوريين في تركيا، بما يشمل خطاب الكراهية، والتمييز، وحالات الترحيل القسري، إضافة إلى ضغوط مورست على بعض اللاجئين لتوقيع وثائق “عودة طوعية”.
وفي المقابل، تؤكد مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين أن أي عودة إلى سوريا يجب أن تكون “آمنة وطوعية وكريمة”، في ظل استمرار التحديات الأمنية والإنسانية داخل البلاد.
ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية وارتفاع معدلات التضخم والبطالة داخل تركيا، بات ملف اللاجئين السوريين يتجاوز كونه استجابة إنسانية طارئة، ليصبح أحد أكثر ملفات حقوق الإنسان والهجرة تعقيداً في المنطقة، خاصة مع ارتباطه بسوق العمل والسياسات الداخلية والخطاب السياسي والأمني.
كما تؤكد منظمات حقوقية أن العمل غير الرسمي، وصعوبة الحصول على تصاريح عمل، والقيود الإدارية، تزيد من هشاشة أوضاع اللاجئين وتعرضهم للاستغلال الاقتصادي والاجتماعي.
الحماية المؤقتة والاستقرار
تشير بيانات مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين إلى أن تركيا ما تزال تستضيف نحو 2.9 مليون لاجئ سوري حتى عام 2025، ما يجعلها أكبر دولة مضيفة للاجئين السوريين في العالم.
ومنذ عام 2011، اعتمدت تركيا نظام “الحماية المؤقتة” للسوريين، وهو نظام يمنحهم حق الإقامة والوصول إلى التعليم والخدمات الصحية الأساسية، دون منحهم صفة لاجئ كاملة. ورغم أن هذا النظام وفر حماية أولية لملايين السوريين، فإن منظمات حقوقية تؤكد أنه لا يضمن استقراراً دائماً، إذ يبقى اللاجئون عرضة للقيود الإدارية وخطر فقدان الإقامة أو الترحيل.
وشهدت السنوات الأخيرة تصاعداً في خطاب الكراهية ضد السوريين داخل تركيا، خاصة مع تفاقم الأزمة الاقتصادية وارتفاع معدلات التضخم والبطالة، كما تعرض سوريون لاعتداءات وأعمال تحريض في عدد من المدن، وسط توتر اجتماعي متزايد غذّته بعض الخطابات السياسية والإعلامية.
ترحيل قسري للسوريين
وفي ملف حقوق الإنسان، وثّقت هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية حالات ترحيل قسري لسوريين إلى داخل سوريا، إضافة إلى ضغوط مورست على بعض اللاجئين لتوقيع وثائق “عودة طوعية”، وفي المقابل، تؤكد مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين أن أي عودة يجب أن تكون آمنة وطوعية وكريمة.
يعمل جزء كبير من السوريين في تركيا ضمن القطاع غير الرسمي بسبب صعوبة الحصول على تصاريح عمل، ما يجعلهم عرضة للاستغلال وتدني الأجور وغياب الحماية القانونية، كما اضطر آلاف الأطفال السوريين إلى العمل لمساندة أسرهم، خاصة في قطاعات النسيج والزراعة والصناعات الصغيرة.
ورغم استفادة السوريين من الخدمات التعليمية والصحية، لا تزال صعوبات الاندماج والفقر والقيود الإدارية تؤثر على فرص التعليم والرعاية الصحية، خصوصاً للأطفال والنساء وأصحاب الأمراض المزمنة.
مستقبل معلّق بين البقاء والعودة
يرى الخبير الإعلامي كامل خورشيد مراد، أن أزمة اللاجئين السوريين في تركيا تتفاقم بصورة متسارعة، مشبهاً إياها بـ”كرة الثلج” التي تزداد تعقيداً مع مرور الوقت، خاصة في ظل المتغيرات السياسية الأخيرة في سوريا وانعكاساتها على ملف اللجوء داخل تركيا.
ويؤكد مراد، في حديثه لـ”صفر”، أن تركيا قدّمت خلال السنوات الماضية نموذجاً بارزاً في استضافة اللاجئين السوريين، إلا أن التطورات السياسية الأخيرة دفعت نحو تغيرات واضحة في السياسة التركية تجاه السوريين، بما يشير إلى وجود توجه رسمي نحو تشجيع العودة الطوعية بعد تراجع بعض الأسباب التي دفعت إلى اللجوء.
ويشير إلى أن التحول التدريجي من نظام الحماية المؤقتة إلى أنماط إقامة أخرى يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل الحقوق القانونية والاجتماعية للسوريين، خاصة أن نسبة كبيرة منهم تعمل في قطاعات غير رسمية لا توفر أي ضمانات أو حماية عمالية.
كما يحذّر من أن إنهاء الحماية المؤقتة بصورة سريعة قد يدفع اللاجئين إلى أزمة أكثر تعقيداً، داعياً إلى توفير مرحلة انتقالية تضمن عودة آمنة ومستقرة ومعالجة الملفات الإنسانية المرتبطة بها.
بين السيادة والالتزامات الحقوقية
من جانبه، يرى الدكتور أحمد الزقيبة، المختص في القانون الدولي الإنساني، أن ملف اللاجئين السوريين في تركيا دخل مرحلة شديدة الحساسية من الناحية الحقوقية، خاصة مع التغيرات السياسية والإدارية الأخيرة المتعلقة بالحماية المؤقتة.
ويؤكد الزقيبة، في حديثه لـ”صفر”، أن ملايين السوريين لا يزالون بحاجة إلى ضمانات قانونية واضحة تحمي حقوقهم الأساسية، وفي مقدمتها حق الإقامة والعمل والتعليم والرعاية الصحية، مشيراً إلى أن أي تغيير مفاجئ في الوضع القانوني للاجئين قد يؤدي إلى أزمات إنسانية واجتماعية واسعة.
كما يشدد على أن القانون الدولي والاتفاقيات الخاصة باللاجئين تنص بوضوح على احترام مبدأ العودة الطوعية الآمنة والكريمة، وعدم إجبار أي لاجئ على العودة إلى مناطق قد تشكل خطراً على حياته أو استقراره، موضحاً أن الضغوط الاقتصادية أو القيود الإدارية لا ينبغي أن تتحول إلى وسائل غير مباشرة لدفع اللاجئين نحو العودة.
